21/10/2025
هل تساءلت يوماً كيف نشعر، نفكر، وكيف ندرك العالم حولنا؟ ما هو هذا الشعور الغامض الذي نسميه "الوعي"؟ العلم حاول كثيرًا، لكن الحقيقة أن تفسير الوعي لا يزال لغزًا كبيرًا.
لدينا نظريات، لكنها مجرد افتراضات مدعومة ببعض الأدلة.
من بين أشهر هذه النظريات، نجد فكرة "الشبكة العصبية الشاملة" أو "الدوائر المتكاملة الصغيرة".
هذه النظريات تقول إن الوعي يظهر من تفاعل مليارات الخلايا العصبية في دماغنا، كأنها أوركسترا ضخمة تتناغم لتنتج إحساسًا واحدًا. الوعي، بهذا المنطق، هو النتيجة النهائية لهذا التفاعل الجماعي.
لكن الفيلسوف الأمريكي دانيال دينيت، له رأي آخر. يرى دينيت أن هذه النظريات الشائعة فيها ثغرات منطقية، ويقدم لنا ثلاثة أسئلة محورية:
أولاً : هل وعينا يدرك كل ما يجري داخل أدمغتنا؟ بالطبع لا. أنت لا تعرف كيف يقوم دماغك بمعالجة الأصوات التي تسمعها الآن، أو كيف يسترجع ذكرى قديمة. الوعي لا يعي بكل هذه العمليات التحليلية المعقدة.
ثانياً : هل وعينا يعرف حقًا ما يفعله الدماغ؟ مرة أخرى، الجواب لا. وعيك لا يخبرك عن آليات عمل خلايا الدماغ أو كيف يترجم الدماغ الإشارات العصبية إلى أفكار ومشاعر. كأنك تقود سيارة ولا تعلم كيف يعمل المحرك. وعيك يعرف النتيجة النهائية فقط.
ثالثاً : والأغرب، أن وعينا ماهر جدًا في ملء الفراغات. تخيل أنك تنظر إلى هذه الكلمات الآن. هل تعلم أن لديك "نقطة عمياء" في عينك لا ترى شيئًا؟ وعيك لا يدرك ذلك لأنه ببساطة يكمل الصورة من الذاكرة أو الافتراضات. إنه لا يجذب إشارات حسية جديدة لسد الفراغ، بل يخلق واقعًا متكاملاً لك. أليس هذا مذهلاً؟
دينيت يطرح فكرته التي تقول إن الوعي لا ينبع من مجرد التفاعل العصبي، بل تطور مع تطور اللغة وقدرة الإنسان على التواصل. الوعي، بحسبه، هو مجرد "صورة" أو "نموذج" يصنعه دماغنا. الدماغ يبني نموذجًا للعالم الخارجي، ثم يخلق صورة "للكائن" الذي يعيش داخل هذا العالم. هذه الصورة، هي أنت. هي وعيك.
هذا يعني أن الوعي ليس كيانًا منفصلاً، بل هو دائرة مراقبة داخل الدماغ، وتحديدًا في الفص الأمامي. هذه الدائرة تستقبل الإشارات التحليلية من مناطق أخرى، مثل القشرة البصرية التي لا تنتج الوعي بنفسها، وتقوم بمعالجتها.
هذا المفهوم يتماشى مع اكتشافات حديثة أظهرت أن القدرة على التحليل والتفكير ليست حكرًا على البشر والقردة العليا فقط. حتى أدمغة الطيور والزواحف تملك مناطق تستطيع التحليل والتفكير، بطرق مختلفة عن أدمغتنا.
الوعي، إذن، قد يكون ببساطة "محاكاة" معقدة. صورة يصنعها عقلك لكي يتعامل مع العالم الخارجي بكفاءة. ليس أكثر، وليس أقل.