07/06/2026
لماذا لا يتوقف الألم أبدًا؟ لعنة الوعي عند بيتر زابفه
هل سبق لك أن راقبت البط في بركة ما؟ كنت أفعل ذلك كثيرًا في طفولتي. أحيانًا يتشاجر البط بعنف، رذاذ ماء يتطاير وصيحات غاضبة تملأ المكان، ثم فجأة، يتوقف كل شيء. يسبح كل منهما في اتجاه معتزل وكأن شيئاً لم يكن.
لا ضغينة، لا اجترار للألم، ولا ذكريات مريرة تسمم عقولهم. أما نحن البشر، فخلاف واحد كفيل بأن يورثنا حقدًا يمتد لسنوات. نحن نحمل أعباءنا النفسية في حقائب لا نضعها أرضًا أبدًا، والسبب يكمن في تلك الميزة التي نفاخر بها دائمًا: وعينا المتطور.
الوعي السيف الذي لا مقبض له
يرى الفيلسوف النرويجي "بيتر ويسل زابفه" أن مأساتنا ليست في العالم نفسه، بل في الطريقة التي ندرك بها هذا العالم. نحن نمتلك وعيًا "متضخمًا"، وهو في نظره ليس منحة، بل لعنة جعلت منا كائنات تدرك أكثر مما تستطيع تحمله. يصف زابفه هذا الوعي في مقاله الشهير "المسيح الأخير" بتشبيه مرعب: إنه يشبه سيفًا لا مقبض له.
"هذا السيف يؤدي مهمة مفيدة؛ فهو يمزق الحجب التي كانت تحميك من الحقيقة ويضعك وجهًا لوجه مع الواقع، لكنك لا تستطيع الإمساك به دون أن تجرح يديك. وكلما زاد تمزيقك للأوهام، زاد عمق جروحك."
نحن عالقون في مفارقة مؤلمة؛ نحن جزء من المادة وقوانينها العمياء، نأكل ونمرض ونموت كالحيوانات، لكن وعينا يجعلنا "غرباء" عن هذه المادة. نحن نراقب فناءنا، نتوقع الكوارث قبل وقوعها، ونتساءل عن "المعنى" في كونٍ أصم لا يجيب على صرخاتنا. لقد طردنا وعينا من "فردوس" الغريزة الحيوانية، وتركنا عراة تحت سماء كونٍ شاسع وبارد.
كيف نتحايل على وجع الوجود؟
لماذا لم ننقرض إذن إذا كان الوعي بهذا الثقل؟ يقارن زابفه الإنسان بنوع من الأيائل المنقرضة التي نمت قرونها بشكل ضخم جدًا حتى أعجزتها عن الحركة وقتلتها. وعينا هو "قروننا" الثقيلة. ولكي نستمر في العيش دون أن يقتلنا هذا الوعي، ابتكرنا أربعة جدران دفاعية نحتمي خلفها:
العزل (Isolation) : نرفض الأفكار المزعجة ونحبسها بعيدًا. نرى الموت والمرض في المستشفيات، لكننا نغلق الأبواب ونقنع أنفسنا بأننا بخير، ونحمي أطفالنا من رؤية الجانب المظلم للحياة.
الارتكاز (Anchoring) : نبني جدرانًا من القيم والقواعد لتعطينا شعورًا بالأمان وسط الفوضى الكونية. نتمسك بالعائلة، بالوطن، أو بالدين كحقائق مطلقة تجعلنا نشعر أن هناك "نظامًا" ما يحمينا.
التشتيت (Distraction) : الطريقة الأكثر شيوعًا اليوم. نحن نهرب من أنفسنا عبر العمل، الاستهلاك، وشاشات الهواتف. إنها عملية طيران مستمرة؛ إذا توقفت الطائرة عن الحركة، ستسقط وتتحطم في هاوية الوعي بالذات.
التسامي (Sublimation) : وهي الأرقى والأندر. هنا، لا نهرب من الألم، بل ننظر في عينيه مباشرة ونحوله إلى فن، كتابة، أو موسيقى. نحن نحول المأساة إلى مادة جمالية لنستطيع تحملها.
البطالة الروحية ونهاية الطريق
يرى زابفه أن التكنولوجيا الحديثة جعلت وضعنا أسوأ. في الماضي، كان صراعنا مع الطبيعة من أجل البقاء يمنحنا هدفًا. أما اليوم، مع الرفاهية وصعود الذكاء الاصطناعي، نحن نواجه "بطالة روحية". لم يعد هناك عدو خارجي نصارعه، فبدأنا نصارع وعينا الداخلي.
ما الحل إذن؟ هنا يطرح زابفه "المسيح الأخير"، وهو كائن يدرك آلام المليارات ويأتي برسالة واحدة صادمة : "اعرفوا أنفسكم.. توقفوا عن الإنجاب، ودعوا الأرض تصمت بعدكم." يرى زابفه أن الحل الوحيد لإنهاء المعاناة هو التوقف عن إنتاج كائنات واعية جديدة تعاني في هذا "المستنقع" الكوني.
قد تبدو رؤية زابفه سوداوية أو معادية للبشرية، هل يمكننا حقًا تجاوز هذا الألم؟ أم أننا محكومون بالدوران في حلقة مفرغة من التشتيت والهروب؟ ربما تظل الأسئلة هي عزاءنا الوحيد، وربما يكون الاعتراف بجرحنا هو الخطوة الأولى لتعلم المشي بهذا السيف الذي لا مقبض له.
بين الهروب عبر الشاشات وبين مواجهة العدم، أين تضع نفسك الآن؟ وهل تعتقد أن متعة الحياة تستحق ثمن الوعي الفادح الذي ندفعه كل يوم؟
المصدر : يوتيوب (Why Life Never Really Stops Hurting — Peter Wessel Zapffe).
#فلسفة #المعاناة