29/08/2026
من «الناس والنيل» إلى «موسكو–كايرو»، تتغير الأزمنة والوجوه والموضوعات، لكن يبقى الطريق واحدًا
🎬 ورا النجم | الحكاية اللي ماشفهاش الجمهور
يوسف شاهين.. حين أصبحت روسيا جزءًا من الحكاية
من الإسكندرية إلى مهرجان كان، ومن «بابا أمين» إلى «المصير»… عاش يوسف شاهين حياته مؤمنًا بأن الفيلم المصري يستطيع أن يبدأ من حارة صغيرة، ثم يعبر إلى العالم من دون أن يفقد هويته.
وفي واحدة من أكثر تجاربه جرأة، دخل شاهين إلى مساحة لم تكن معتادة وقتها، عندما صنع فيلمًا يجمع مصر والاتحاد السوفيتي، مؤكدًا أن السينما قد تصبح جسرًا بين شعبين، لا مجرد وسيلة للترفيه.
من الإسكندرية بدأت الرحلة
وُلد يوسف جبرائيل شاهين في 25 يناير 1926 بمدينة الإسكندرية، داخل مجتمع متعدد الثقافات واللغات والأديان.
تشكّل وعيه في مدينة مفتوحة على البحر والعالم، قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة ويدرس التمثيل في «باسادينا بلاي هاوس» بولاية كاليفورنيا.
كان يحلم في البداية بأن يصبح ممثلًا، لكن الكاميرا اختارته ليقف خلفها، ويصبح لاحقًا واحدًا من أكثر المخرجين العرب حضورًا وتأثيرًا في تاريخ السينما.
«بابا أمين».. البداية في الرابعة والعشرين
عاد شاهين إلى مصر، وقدّم أول أفلامه «بابا أمين» عام 1950 وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
وبعد عام واحد، أخرج «ابن النيل»، الذي وصل إلى مهرجان كان، لتبدأ مبكرًا علاقة مخرج مصري شاب بالمهرجانات والمنصات السينمائية الدولية.
وفي «صراع في الوادي» عام 1954، قدّم عمر الشريف في واحدة من أهم البدايات التي شهدتها السينما المصرية.
لكن شاهين لم يكن يبحث فقط عن النجوم؛ كان يبحث عن الإنسان الموجود خلف الشخصية، وعن الصراع الاجتماعي والسياسي المختبئ خلف الحكاية.
«باب الحديد».. المخرج يتحول إلى قناوي
في عام 1958، صنع شاهين واحدًا من أهم أفلامه: «باب الحديد».
لم يكتفِ بإخراج الفيلم، بل جسّد شخصية قناوي، بائع الصحف المهمّش الذي يتحول حبه المكبوت إلى هوس وعنف.
لم يحقق الفيلم نجاحًا جماهيريًا كبيرًا عند عرضه الأول، لكنه أصبح لاحقًا من كلاسيكيات السينما المصرية، ودليلًا على أن بعض الأفلام تسبق زمنها، ولا يحصل أصحابها على التقدير الحقيقي إلا بعد سنوات.
ثم توالت أعماله بين التاريخ والسياسة والمجتمع، فقدم «جميلة بوحيرد»، و«الناصر صلاح الدين»، و«الأرض»، وغيرها من الأفلام التي تعاملت مع الإنسان باعتباره مركز التاريخ، وليس مجرد متفرج عليه.
حين دخلت روسيا إلى السينما المصرية
بعد هزيمة يونيو 1967، كان التعاون المصري–السوفيتي حاضرًا بقوة، خصوصًا مع مشاركة الخبراء السوفييت في بناء السد العالي.
وفي هذا المناخ، اختير يوسف شاهين لإخراج مشروع سينمائي مصري–سوفيتي مشترك عن السد، بمشاركة المؤسسة المصرية العامة للسينما واستوديوهات «موسفيلم».
ضم الفيلم فنانين وصناعًا من مصر والاتحاد السوفيتي، وصُوّرت مشاهد منه في مصر وروسيا، بمشاركة سعاد حسني وصلاح ذو الفقار وعزت العلايلي ومحمود المليجي ومجموعة من الممثلين الروس.
كان المطلوب فيلمًا يحتفي بالمشروع وبالتعاون بين الدولتين.
لكن يوسف شاهين لم يكن مخرجًا يجيد تنفيذ الدعاية الرسمية فقط.
نظر إلى العمال والمهندسين والأسر التي تحركت بين البلدين، ورأى خلف المشروع الضخم قصص حب ووحدة وغربة وصدامًا بين الثقافات، كما التفت إلى معاناة النوبيين الذين تركوا بيوتهم بسبب بناء السد.
تحول المشروع الدبلوماسي في يده إلى فيلم إنساني يحمل رؤيته الخاصة.
فيلم وُلد مرتين
بدأ المشروع سنة 1968، وخرجت منه نسختان.
النسخة الأصلية عُرفت باسم «النيل والحياة»، لكنها واجهت اعتراضات من الجانبين المصري والسوفيتي؛ لأن شاهين لم يقدم الصورة الاحتفالية التي انتظرها المسؤولون، بل قدّم مجتمعًا فيه أحلام وتناقضات وبيروقراطية وآثار إنسانية لمشروع السد.
أُعيدت كتابة وتصوير أجزاء من العمل، وظهرت نسخة أخرى بعنوان «الناس والنيل»، عُرضت تجاريًا عام 1972.
كان ذلك ثمن محاولة مخرج أن يحافظ على صوته داخل إنتاج تتحكم فيه حسابات سياسية ودبلوماسية كبيرة.
لكن التجربة أثبتت مبكرًا ذكاء شاهين في اختيار مساحة دولية يستطيع الفيلم المصري من خلالها الوصول إلى جمهور جديد، مع الاحتفاظ بحكاية إنسانية تجمع المصري والروسي داخل الشاشة نفسها.
سينما لا تخاف من السياسة
بعد «الناس والنيل»، أصبحت أفلام شاهين أكثر اشتباكًا مع واقع مصر والعالم العربي.
قدّم «الاختيار»، و«العصفور»، و«عودة الابن الضال»، وهي أفلام لم تكتفِ برواية الأحداث، بل بحثت عن أسباب الهزيمة والفساد والخوف والانقسام.
ثم حوّل حياته الشخصية إلى مادة سينمائية في رباعيته التي بدأت بـ«إسكندرية… ليه؟»، وتبعتها «حدوتة مصرية»، و«إسكندرية كمان وكمان»، ثم «إسكندرية نيويورك».
لم يقدم سيرته بوصفه بطلًا كاملًا، بل كشف ضعفه وغضبه وطموحه وعلاقته المعقدة بالوطن والغرب والسينما.
من «المهاجر» إلى «المصير»
واصل شاهين الاقتراب من المناطق الشائكة في «المهاجر»، الذي واجه معارك قضائية ورقابية، ثم قدم «المصير» عام 1997، مستعيدًا قصة الفيلسوف ابن رشد لمواجهة التعصب وحرق الأفكار.
وفي العام نفسه، منحه مهرجان كان جائزة اليوبيل الذهبي بمناسبة مرور خمسين عامًا على تأسيس المهرجان، تكريمًا لمجمل أعماله.
كانت الجائزة اعترافًا دوليًا بمخرج استطاع أن يجعل السينما المصرية جزءًا من الحوار العالمي، من دون أن يتخلى عن لغته أو قضاياه.
استمر حتى «هي فوضى؟» عام 2007، قبل أن يرحل في 27 يوليو 2008، تاركًا أفلامًا ما زالت تُعرض وتُناقش وتُكتشف من جديد.
الطريق إلى روسيا يُفتح مرة أخرى
بعد نحو ستة عقود من تجربة شاهين المصرية–السوفيتية، تعود السينما لتفتح الجسر نفسه بصيغة جديدة.
لا يتعلق الأمر باستنساخ مدرسة يوسف شاهين، ولا بوضع تجربتين مختلفتين في مقارنة مباشرة، وإنما بفهم الذكاء الكامن خلف اختياره: البحث عن حكاية مشتركة تستطيع الوصول إلى جمهور خارج الحدود.
هذا المسار يظهر اليوم في تجربة المخرج خالد مهران مع فيلم «موسكو–كايرو»، الذي يجمع شخصيات مصرية وروسية داخل قصة تبدأ من تحولات روسيا في التسعينيات، وتنتقل مع أربع فنانات روسيات يبحثن عن حياة جديدة في مصر.
الفيلم مأخوذ عن رواية «ابتسم.. أنت في مصر» للكاتبة الروسية إيلينا سيريبرياكوفا، وصُوّرت مشاهده بين مصر وروسيا، ليعيد تقديم العلاقة بين الشعبين من خلال البشر، لا من خلال الخطابات السياسية.
وحصد خالد مهران عن الفيلم جائزة «الخضراء» لأفضل إخراج في مهرجان الغردقة لسينما الشباب عام 2025.
ثم اختار مهرجان قازان السينمائي الدولي «ألتين مينبار» فيلم «موسكو–كايرو» لافتتاح «يوم السينما المصرية» في روسيا، ضمن دورته التي تقام من 4 إلى 8 سبتمبر 2026، ويعقب عرضه لقاء مفتوح مع المخرج للحديث عن التجربة ومستقبل التعاون السينمائي بين مصر وروسيا.
هنا تبدو المسألة أكبر من مجرد فيلم يحصل على عرض أو جائزة.
إنها عودة لفكرة أدركها يوسف شاهين مبكرًا: عندما تختار السينما المصرية حكاية تمس شعبًا آخر، فإنها لا تنتظر العالم ليأتي إليها… بل تذهب هي إليه.
من «الناس والنيل» إلى «موسكو–كايرو»، تتغير الأزمنة والوجوه والموضوعات، لكن يبقى الطريق واحدًا:
مخرج مصري يرى أن الكاميرا لا تعترف بالحدود، وأن الحكاية الصادقة تستطيع أن تجعل العالم يسأل: من صنع هذا الفيلم؟
إعداد: رغى فنى
#موسفيلم #روسيا