05/08/2026
في أطراف الوادي، كانت أرض "سليم" تلمع بتلالٍ من أشجار البن العتيقة التي ورثها عن أجداده، أرض تنبض بالحياة ورائحة المطر، وتعيش أسرته الصغيرة في ظلها بكرامة وأمان. لم يكن البن بالنسبة لسليم مجرد زرع، بل كان تاريخًا ومصدر فخر، حتى بدأت الشجرة الأخرى تتسلل إلى حياته.
بدأت المأساة حين أغراه بعض أصدقائه بقطع جزء من أشجار البن وزراعة "القات" بدلاً منها، بحجة أرباحه السريعة والتجارية. لم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى غطت الشجيرات الجديدة مساحات واسعة من الأرض، وغرق سليم في مجالسها الطويلة التي تبدأ بعد الظهيرة ولا تنتهي إلا مع خيوط الفجر، وسط أوهامٍ وأحلام يقظة لا تثمر شيئًا.
مع مرور الوقت، لم تعد أرباح القات تعود إلى بيته؛ بل كان ينفقها بأكملها لشراء الأصناف الأجود منها ليتفاخر بها في مجالسه. تحول الرجل الصبور الهادئ إلى شخصٍ حاد المزاج، دائم التوتر، ينفق نهارًا ما يجمعه صباحًا، ويهمل بيته وأرضه.
كانت زوجته تحاول لفت انتباهه إلى الجفاف الذي بدأ يلتهم البئر الوحيدة بالقرية بسبب استهلاك شجرة القات المفرط للماء، وتتوسل إليه أن يعود لاهتمامه القديم، قائلة:
> "البن يطعمنا كرامة ويترك لنا بركة، أما هذه الأوراق الخضراء فنارٌ تأكل ماء الأرض ومال الجيب وعقل صاحبها."
>
لكن كلماتها كانت تضيع في زحمة "ساعات النشوة الموهومة". تراكمت الديون على سليم ليشتري القات في الأيام التي لا تنتج فيها أرضه، حتى اضطر لرهن الحقل بأكمله لكبار التجار.
وفي إحدى الليالي، اشتد المرض على أمه المسنة، وحين هرعت زوجته تطلب منه المال لنقلها إلى المشفى في المدينة، كان سليم مستلقيًا في مجلسه، قد أنفق آخر ما في جيبه على حزمة قات جديدة، وعقله غائب في تفاصيل خيالية لا وجود لها. تدهورت حالة الأم وفارقت الحياة قبل أن يدرك سليم حجم الكارثة.
كانت تلك اللحظة هي القشة التي قصمت ظهر العائلة؛ إذ لم تحتمل الزوجة الاستمرار مع رجلٍ يقدم شهوته اليومية على حياة أهله. جمعت أمتعتها وأخذت طفلها وغادرت الدار، مخلّفةً وراءها بيتًا باردًا وذكريات ممزقة.
استيقظ سليم بعد أيام ليجد البئر قد جفت تمامًا، وشجيرات القات قد ذبلت وتصحرت الأرض، والبيت أضحى مهجورًا لا يسكنه سوى الصمت. لم يعد يملك الأرض، ولا البن، ولا العائلة.
جلس على عتبة بيته يقلب كفيه الخاويتين، ونظر إلى الحقل الجاف مسترجعًا ما خسره:
* خسر إرث أجداده وأرضه التي طالما أطعمته.
* خسر أمه التي عجز عن إسعافها بسبب طيشه.
* خسر زوجته وطفله اللذين كانا مصدر الدفء في حياته.
طأطأ رأسه وحفن قبضة من التراب الجاف، وهمس لنفسه بنبرة خنقها الندم:
> "ظننت أنني أزرع الثراء والراحة، فإذا بي أزرع الشوك الذي اقتلع جذور حياتي."
>
وظل بيت سليم المظلم في أعلى الوادي شاهدًا يروي لأهل القرية كيف يمكن لنبتةٍ صغار أوراقها أن تلتهم تاريخ عائلة كاملة وتترك صاحبها غريبًا في أرضه.