18/12/2025
في الثامن عشر من ديسمبر، لا نحتفل باللغة العربية بوصفها وسيلة تواصل فحسب، بل نحتفي ببيتٍ كاملٍ من المعاني، وسقفٍ واسعٍ احتمت تحته ذاكرتنا الجمعية عبر قرون. نحتفي بلغةٍ لم تكن يومًا مجرد حروفٍ متجاورة، بل كانت دائمًا طريقةً خاصة في رؤية العالم، وفي تسمية الأشياء، وفي منح المشاعر أسماءً تليق بثقلها وعمقها.
اللغة العربية ليست لغة الماضي كما يحاول البعض أن يصورها، ولا هي أثرٌ محفوظ في متحف البلاغة. إنها لغةٌ ما زالت قادرة على التشكّل، على المقاومة، وعلى أن تقول الجديد دون أن تتخلى عن جذورها. لغةٌ اتسعت للشعر والفلسفة، للفقه والعلم، للرسائل الشخصية والبيانات الكبرى، واستطاعت أن تجمع بين الدقة والدهشة، بين الصرامة والجمال، في توازنٍ نادر.
في اليوم العالمي للغة العربية، لا ينبغي أن يقتصر الاحتفاء على استدعاء أمجادٍ محفوظة أو أسماءٍ عظيمة فحسب، بل أن يكون مناسبةً لمراجعة علاقتنا اليومية بها. كيف نكتب؟ ولماذا نستخف أحيانًا بلغتنا لصالح اختصاراتٍ لا تشبهنا؟ ولماذا نعتذر عن العربية وكأنها عبء، بينما هي في حقيقتها أداة تمكين، لا عائقًا؟
العربية لغةٌ تمنح الكاتب مساحةً نادرة للقول، وتمنح القارئ متعة الاكتشاف. فيها مرونة تسمح بتعدّد الأصوات، وفيها عمق يجعل المعنى قابلًا لإعادة القراءة دون أن يفقد بريقه. وهي، قبل كل شيء، لغة هوية؛ لا بمعناها الضيق أو الإقصائي، بل بوصفها وعاءً للتجربة الإنسانية كما عشناها ودوّناها وتوارثناها.
في دار أسرد، نؤمن أن اللغة ليست زينة للنص، بل روحه. وأن الدفاع الحقيقي عن العربية لا يكون بالشعارات، بل بالاستخدام الواعي، وبالكتابة التي تحترم القارئ ولا تستهين بذائقته، وبالسرد الذي يعيد للغة مكانتها الطبيعية: حية، معاصرة، وقادرة على لمس الإنسان أينما كان.
اليوم العالمي للغة العربية ليس يومًا للاحتفال فقط، بل يومٌ للتذكير: بأن لغتنا ما زالت تنتظر من يكتبها بصدق، ويمنحها فرصةً جديدة لتقول العالم بلغتنا نحن.