11/11/2025
قُتلوا لأنهم علويون: الخوف ينتشر بين أقليات #سوريا بعد سقوط الأسد!
ترجمة تقرير BBC بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025
قُتلوا لأنهم علويون: الخوف ينتشر بين أقليات سوريا بعد سقوط الأسد!
(ترجمة تقرير BBC بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)
جاء القاتل ليلًا – رجل مقنّع على دراجة نارية، نفذ ضربته دون إنذار ثم انطلق هاربًا. أصبح هذا النمط مألوفًا في بعض مناطق خلال الأشهر الأخيرة، مع تفكك الوحدة الهشة للبلاد تحت وطأة هجمات الثأر والقتل الطائفي.
الهدف الرئيسي كان العلويين، الطائفة التي ينتمي إليها الرئيس السوري المخلوع، . لكن هذه المرة، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، كان الضحايا من المسيحيين: وسام وشفيق منصور، ابنا عم في التاسعة والثلاثين من العمر، وكانا مقربين كالإخوة. أثناء جلوسهما مع صديق لتبادل الحديث على القهوة والسجائر، أُمطرا بوابل من الرصاص.
وقعت الجريمة في قرية "عنّاز" بوادي النصارى، وهي منطقة ذات تلال متدرجة في ريف محافظة #حمص غربي #سوريا. ويقول السكان إن المسلح أتى من جهة قرية سنية مجاورة.
وبينما كان يجلس على مسافة قصيرة من تابوت ابنه وسام، أطلق والده جورج العنان لغضبه تجاه السلطات، قائلًا إن المسيحيين في الوادي تُركوا بلا حماية.
قال الأب: "أُخذت منا الأسلحة، لكن تُركت في يد قرية منافسة (سنية)"، وتابع: "نحن نريد أن نحمل السلاح ضدهم. إنهم لا يعرفون شيئًا عن الدين أو المحبة أو السلام. اليوم قُتل وسام، وغدًا قد يكون أيٌّ منا."
يشعر الكثيرون في الوادي بالضعف هذه الأيام.. ففي السابق، قبل سقوط النظام، كانوا يدعمون الأسد، وكان هو بدوره يوفر لهم الحماية. اعتمدت العديد من المجتمعات المسيحية عليه كضامن لأمنها.
كان وسام جزءًا من ميليشيا موالية للأسد، تتولى الدفاع عن قريته.
ويقول بعض السكان المحليين إن انخراطه في هذه الميليشيا هو السبب وراء استهدافه.
هل كانت عملية انتقامية؟ أم جريمة قتل طائفية؟
لا يمكننا الجزم، لكن أيًّا كانت دوافع القاتل، فلن تُعيد وسام إلى زوجته لين.
لقد انحنت فوق نعشه لتلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة، ثم تهاوت إلى الخلف، شاحبة الوجه.
اقتيد زوجها وابن عمه إلى مثواهما الأخير – في نعشين أبيضين، يحملهما مشيعون يرتدون السواد، وسط شوارع غارقة في الحزن.
وراح الحشد يردد: "دم المسيحي غالٍ" أثناء مرورهم من أمام موقع الهجوم.
يرتبط أفراد هذه الجماعة الدينية ببعضهم البعض بالإيمان، وبالخوف من أن الحكومة الإسلامية الجديدة في سوريا – التي أطاحت بالأسد في ديسمبر الماضي – قد لا توفر لهم الحماية.
أما الناجي الوحيد من الهجوم، فلا ينوي الانتظار لمعرفة ما إذا كانت هذه المخاوف في محلها. فقد أصيب بعيار ناري في يده، وكسرت قدمه أثناء فراره من المكان. ولا يرغب في الكشف عن اسمه.
بعد سقوط النظام، عاد هذا الرجل البالغ من العمر 36 عامًا إلى سوريا قادمًا من #لبنان، وهو يحمل آمالًا كبيرة.
قال: "جميعنا عدنا إلى الوطن، ونحن نأمل في بدء أعمال جديدة. لكن ما وُعدنا به من أمن ومستقبل لسوريا، لا نراه. أعزّ أصدقائي قد قُتلوا. سأضطر إلى مغادرة البلاد مجددًا. هناك الكثير من الجماعات المتطرفة. لا أعرف إلى أين تتجه سوريا."
على بُعد أقل من ساعة بالسيارة، في مدينة حمص، تُسجّل تقارير شبه يومية عن حالات خطف وعمليات إطلاق نار من سيارات مسرعة.
وقد رصدنا نمطًا من الهجمات القاتلة التي تستهدف العلويين، عمليات قتل تحدث بهدوء، ولا تُقابل بردود فعل تُذكر.
تحمل المدينة العديد من آثار الحرب؛ إذ تصطف أطلال وركام على جانبي بعض شوارعها المزدحمة. وبعد أن نجا بعض العلويين من أهوال الحرب، باتوا اليوم يتساءلون إن كانوا سينجون من السلام.
في عهد الأسد، كان الانتماء إلى هذه الطائفة – وهي فرع من فروع #الإسلام الشيعي – يُمكن أن يجلب امتيازات. أما اليوم، فقد أصبح لعنة، وبالنسبة لشعبان عز الدين، البالغ من العمر 46 عامًا، فقد كان ذلك بمثابة حكم بالإعدام.
قُتل صاحب المتجر بثلاث رصاصات في 28 سبتمبر/ أيلول، بينما كان يُغلق متجر العائلة ليلًا. ومرة أخرى، كان القاتل رجلًا ملثمًا يستقل دراجة نارية.
التقينا بشقيقه عدنان في مبنى تمتلكه العائلة منذ عام 1970. كان ملتحيًا، يرتدي السواد، ويبدو مثقلًا بالحزن. وعلى عكس الكثيرين، تجرأ على الكلام.
قال لي: "الناس يُقتلون فقط لأنهم علويون، لا أكثر ولا أقل. كان شقيقي محبوبًا من الجميع في المنطقة، من كل جيراننا، ومن مختلف الطوائف. كان بعض جيراننا يأتون إلى المتجر ويقضون الأمسيات معه. لم يُؤذِ أحدًا في حياته."
وأضاف أن شعبان كان يجلس ويتحدث مع عناصر الأمن عند حاجز قريب من المتجر. وبعد إزالة الحاجز، قُتل بالرصاص. سألته عن سبب إزالة الحاجز، فقال إنه لا يعرف، وشدد على أن العائلة "لا تتهم أحدًا".
يقول عدنان إن اثنين آخرين من الطائفة العلوية قُتلا في اليوم نفسه الذي قُتل فيه شقيقه، مضيفًا أن "سفك الدماء هذا له غاية واضحة".
"ما يحدث الآن هو بذرة لتهجير قسري"، يقول. "هذه مجرد البداية. هناك من يحاول زعزعة الاستقرار، ومعاداة التعايش، رغم أننا نعيش سويًا منذ مئات السنين."
ويعرب عن أمله في أن يظل نسيج سوريا الديني والمذهبي متماسكًا، لكنه يضيف: "فقدتُ أخي، وآخرون فقدوا أحباءهم أيضًا. إذا كنا جميعًا سنُقتل، فمن الأفضل أن نهرب."
ففي شهر مارس، قُتل أكثر من 1,400 شخص، عندما اتُّهمت قوات الحكومة والجماعات المتحالفة معها بتنفيذ إعدامات ميدانية، بعد هجوم شنّه موالون للأسد. وكان معظم الضحايا من المدنيين العلويين.
قُتل نحو 2,000 شخص، من مقاتلين ومدنيين، في شهر يوليو خلال موجة جديدة من العنف الطائفي. وقد وُجّهت الاتهامات أيضًا في هذه المرة إلى القوات الحكومية بتنفيذ عمليات إعدام، وكان معظم الضحايا من أبناء الطائفة الدرزية.
ويصعب تقييم حجم عمليات القتل الأخيرة بدقة، إذ إن الهجمات غالبًا ما تكون منفصلة، ويحيطها الصمت. وتخشى كثير من العائلات الحديث عنها.
وبعد التحقق من معلومات مستقاة من تقارير إعلامية محلية، ومصادر ميدانية، ومنظمات حقوقية، نُقدّر أن ما لا يقل عن 40 علويًا قد قُتلوا في مدينة حمص في هجمات متفرقة بين 5 يونيو و31 أكتوبر.
شملت قائمة الضحايا طالبًا جامعيًا، ومزارعًا، وسائق سيارة أجرة، ومعلمة لقيت حتفها في هجوم بقنبلة استهدف حافلة مدرسية، وأخرى قُتلت رميًا بالرصاص أمام صفّها.
في منزل متواضع بحيّ مختلط في مدينة حمص، تحوّلَت غرفة نوم وردية الجدران إلى ضريح. نسخة من القرآن موضوعة فوق وسادة، وكتب دراسية ورسائل من صديقاتها مكدسة على المكتب. هنا تأتي أمّ – لا ترغب بالكشف عن اسمها – لتشعر بالقرب من ابنتها الحبيبة. تقول: "روحها لا تزال ترفرف في المكان. صديقاتها يزرن الغرفة كل بضعة أيام. لا أحد يستوعب تمامًا فكرة أنها ماتت."
كانت غنَى، ذات الأربعة عشر عامًا، تقف في شرفة منزلها في 19 أغسطس حين مرّ مسلح يقود دراجة نارية وأطلق النار. فارقت الحياة بين ذراعي والدتها، وسط الجيران الذين كانوا قد جاؤوا لتهنئتها بنجاحها في الامتحانات.
تقول والدتها إن غنَى كانت "أروع ابنة، ذكية للغاية، متفوقة في دراستها، مدمنة على المذاكرة، ولديها الكثير من الأحلام." كانت تحب كرة السلة، وتحلم بالسفر ودراسة القانون.
لم يعد إخوتها الصغار يذهبون إلى المدرسة. والدتهم خائفة جدًا من السماح لهم بذلك. تقول: "العائلات العلوية بدأت تترك الحيّ، يبيعون منازلهم ويرحلون. كنا نظن أن الأمور ستتحسّن بعد سقوط الأسد. قالوا إنها ثورة تحرير، وأن الناس سيعيشون أحرارًا. والآن نخاف من كل شيء. نخاف حتى عندما نسمع صوت دراجة نارية."
وجه غنَى يحدّق من صورة كبيرة، ابتسامتها الدافئة مؤطّرة بشعرها الداكن الطويل. تقول والدتها: "كانت تبتسم منذ يوم ولادتها. كانت تعشق الحياة بكل جوارحها."
والدتها لا تتكهن بهوية القاتل. وتقول: "هناك أناس أشرار بيننا، يزرعون الفتنة. ربما لا علاقة لهم بالسلطات أو بالدولة. لا أعلم حقًا."
لكنها متأكدة من شيء واحد – سبب استهداف عائلتها. سألتها: هل كان ذلك لأنكم علويون؟ أجابت دون تردد: "نعم."
في اليوم نفسه الذي قابلنا فيه والدة غنَى، كانت عائلة علوية أخرى تواري أحد أحبّائها الثرى بعد أن خُطف وقُتل. وعندما زرنا منزلهم، استقبلونا بلطف، لكن الخوف كان يمنعهم من التحدث.
لم يُوجَّه الاتهام لأحد في جريمة قتل غنَى. وكذلك لم تُحلّ جرائم القتل في وادي النصارى.
المصدر بالانجليزية، تجدونه في التعليقات ⬇️
#الجولاني #القاعدة #توثيق