25/10/2025
البوزون هيغز
في النصف الثاني من القرن العشرين واجهت الفيزياء جملة من التساؤلات العميقة حول مصدر الكتلة للجسيمات الأساسية. النموذج القياسي نجح في وصف التفاعلات الأساسية (الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة والقوية) لكن معضلة بقاء بعض ناقلات القوة والفرميونات بلا كتلة ظلت تطرح سؤالاً مفاده: كيف تمنح الطبيعة بعض الجسيمات كتلتها دون كسر تناظر القوانين الفيزيائية الأساسية؟ هذه الأزمة النظرية دفعت الباحثين للبحث عن آلية تُولّد الكتلة داخل إطار متناغم مع قوانين الميكانيا الكمومية والنماذج الحقلية. في عام 1964 ظهرت مجموعة من الأوراق البحثية التي وضعت لبنة الحل: طور فرانسوا إنجلرت وروبرت برو وتبعهما بيتر هيغز ثم جيرالد جورالنيك وزملاؤه فكرة آلية الكسر التلقائي للتناظر في الحقول الكمومية، والتي تُعرف اليوم بآلية (Englert–Brout–Higgs–Guralnik–Hagen–Kibble). هذه الفكرة ليست مجرد تعديل رياضي، بل نموذج فيزيائي يقول بوجود حقل ممتد في الفراغ (حقل هيغز) يمنح الجسيمات كتلتها عندما تتفاعل معه، وعلى ضوء هذا الحقل يُتوقع وجود جسيم كمية مصاحب — هو ما صار يعرف بـ«بوزون هيغز». أحد أوراق بيتر هيغز لعام 1964 وصف خصائص هذا الجسيم ونبّه إلى إمكانية رصده عبر تحللاته. خلال عقود تلت هذا البناء النظري، تبلورت رؤى تجريبية لكيفية البحث عن هذا الجسيم. بمرور الزمن، أصبحت الأدوات والتسارعات قادرة على الوصول إلى طاقات عالية جداً مطلوبة لإنتاج هيغز بشكل مباشر. لبّى مركز الأبحاث الأوروبي CERN هذا الاحتياج ببناء مصادم الهادرونات الكبير (Large Hadron Collider, LHC)، شبكة هائلة من المغناطيس والأنفاق والمكتشفات المصممة لاصطدام بروتونات بسرعة قريبة من سرعة الضوء ولفحص مخلفات التصادم بحثاً عن علامات إنتاج جزيئات جديدة. على مدى سنوات، اشتغلت مجموعات تجريبية ضخمة (مثل ATLAS وCMS) على تحليل كميات هائلة من البيانات للتعرف على توقيعات التحلل التي يتوقعها نموذج هيغز. في 4 يوليو 2012 أعلن علماء مختبر CERN أن تجاربهما (ATLAS وCMS) رصدتَا جسماً جديداً عند طاقة تقارب 125 جيجا إلكترونفولت، بإشارة إحصائية قوية (حوالي خمسة سيغما) تدل على أن ما رُصد ليس مجرد ضجيج تجريبي. الإعلان تضمن تواضعاً علمياً واضحاً: الفريقان أشارا إلى أن الجسيم الجديد يجب أن يكون بوزوناً، وأنه أثقل بوزون مُرَصَد حتى ذلك التاريخ، لكن مهمات التحقق من خواصه كانت ستستمر لحسم إن كان يكافئ بوزون هيغز الذي تنبأ به النموذج القياسي. الإعلان والتأكيد اللاحق شكّلا نقطة تحول تاريخية في فهمنا لبنية المادة. بعد الاكتشاف بدأ فصل دقيق من قياس خواص البوزون الجديد: قياس كتلته بدقة أكبر، رصد قنوات تحلله (إلى فوتونات، إلى زوج من الزُمرات الثقيلة، إلى ليبتونات)، وفحص كيف تتناسب قوة تفاعلاته مع كتل الجسيمات الأخرى — وهو توقع أساسي لآلية بي إتش إي (BEH). النتائج المؤكدة أوضحت تطابقاً واسع النطاق مع تنبؤات النموذج القياسي: كتلة بوزون هيغز تقارب 125 جيجا إلكترونفولت، وتوزيع تحللاته يتوافق مع أن هذا الجسيم يلعب الدور المُتوقع في منح الكتلة. هذا التطابق قوّى الاعتقاد بأن آلية هيغز هي الحل الصحيح لمعضلة الكتلة. تكريماً للعمل النظري الذي مهد للاكتشاف، مُنحَت جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2013 لفرانسوا إنجلرت وبيتر ويغز «للاكتشاف النظري لآلية تساهم في فهم أصل كتلة الجسيمات تحت الذرية، والتي أكدتها لاحقاً تجارب ATLAS وCMS». قرار نوبل أكد أهمية الربط بين البنية النظرية والتجريب وقد اعتُبر تتويجاً لمسيرة امتدت من تأملات نظرية في الستينيات إلى قدرات هندسية وحسابية عملاقة في القرن الحادي والعشرين. بوجود بوزون هيغز، تبدو الصورة مكتملة إلى حد بعيد داخل إطار النموذج القياسي، لكن الاكتشاف فتح أسئلة جديدة وعمّق أخرى قائمة: لماذا قيمة كتلة الهيغز التي رُصدت هي كما هي؟ هل بوَزن هيغز واحد كافٍ أم أن هناك قطاعات هيغزية إضافية أو بوزونات شبيهة في نماذج ما بعد النموذج القياسي؟ هل يلعب الهيغز دوراً في ظواهر كبرى كالمادة المظلمة أو استقرار الكون على مدى الزمن الكوني؟ الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب بيانات أكثر دقة وتجارب جديدة وربما مصادمات أقوى أو أدوات قياس حسّاسة لاكتشاف أي انحرافات عن توقعات النموذج القياسي. من الناحية العملية، دراسة خصائص الهيغز لم تقتصر على قياس الكتلة فقط، بل امتدت إلى متابعة تحللات نادرة جداً — مثل التحلل إلى زوج من الميونات — التي تُبرز تفاعلاته مع لبَتونات خفيفة، وفحص إمكانية وجود حالات فرعية أو تآثرات تشير إلى فيزياء جديدة. وأيضاً، البحث عن ارتباطات بين آلية هيغز ومصادر أخرى للكتلة أو طاقات فائقة يُعد من محاور البحوث الحالية في مختبرات في أنحاء العالم. خلاصة سردية: رحلة بوزون هيغز هي مثال رفيع على التفاعل الحيوي بين النظرية والتجربة في الفيزياء الحديثة. فكرة نظرية نُشرت في ستينيات القرن الماضي تحوّلت عبر عقود من التطوير التجريبي والهندسي إلى اكتشاف مدوٍ في 2012، ثم إلى برنامج علمي مستمر لقياس كل ما يمكن قياسه عن هذا الجسيم وفهم ما إذا كانت هناك نوافذ لبِنى أعمق في الكون. ما زالت أسئلة جوهرية مفتوحة، ومع التقدم في التجهيزات والتقنيات التحليلية قد تكون الإجابات القادمة أكثر إثارة وأبعد مما نتوقع اليوم.