15/07/2026
اسمي مريم، وكنت في السنة الثالثة من الجامعة عندما تقدم لخطبتي شاب اسمه عمر. وكل من يعرفه كان يشهد له بحسن الخلق، والتدين، وهدوء الطباع.
منذ الزيارة الأولى، طلب عمر من والدي أن يتم عقد القران في أقرب وقت، فاستغرب الجميع ذلك، ورأوا أن الأمر يجري بسرعة كبيرة لا داعي لها، لكن أبي نظر إليّ بهدوء، وكأنه ينتظر الكلمة الأخيرة مني.
صليت صلاة الاستخارة، وفي تلك الليلة رأيت في منامي مكانًا أخضر يبعث في النفس الطمأنينة، وكان عمر يجلس فيه يتلو القرآن بصوت هادئ ملأ قلبي راحة.
استيقظت وأنا أشعر أن الله ألهمني الجواب، فوافقت، وتم عقد القران وسط دهشة أفراد العائلة.
وبعد شهرين فقط، تم زفافنا، ورغم استمرار استغراب الناس من سرعة الزواج، بقي أبي وأمي يرددان أن الطمأنينة التي شعرت بها لا يمكن أن تخدعني.
ومرت ستة أشهر على زواجنا، ثم بدأت أشعر بإرهاق شديد، فظن الجميع أنني أنتظر طفلًا، أما أنا فكنت أخشى أن أفرح قبل أن أتأكد.
ذهبت إلى الطبيبة، لكن النتيجة لم تكن كما تمنيت.
فقد أخبرتني بوجود مشكلة كبيرة في الرحم قد تحول دون الإنجاب.
خرجت من العيادة وأنا لا أسمع شيئًا مما يدور حولي، وكانت جملة واحدة فقط تتردد في داخلي:
لن أصبح أمًا.
ومنذ ذلك اليوم بدأت أصعب مرحلة في حياتي.
كنت أبكي كل ليلة، ثم أخفي دموعي بابتسامة مصطنعة في النهار، وأدعو الله في كل سجدة أن يمنحني الرضا قبل أن يمنحني المعجزة.
وكان أكثر ما أخشاه هو موقف أهل زوجي.
كنت أتوقع أن تطلب منه والدته أن يتزوج امرأة أخرى، وأن يعيش حلم الأبوة الذي حُرمت منه.
لكنها احتضنتني بحنان وقالت:
"أنتِ ابنتي قبل أن تكوني زوجة ابني، وهذا قضاء الله، وعلينا أن نرضى به."
أما عمر، فكان يمسك يدي ويقول:
"أنا لا أريد من الدنيا سوى وجودك معي، ويكفيني أنك تحفظين كتاب الله وتحفظين بيتي."
ومضت أربع سنوات كاملة.
لم أفقد الأمل في رحمة الله، لكن كلمات الناس كانت تؤلمني أكثر من المرض نفسه.
وفي أحد الأيام، وبينما كنت أعود من عملي مرهقة، أوقفتني امرأة تعرفني وقالت بلا أي مراعاة:
"اتركي زوجك يتزوج ويعيش حياته، من حقه أن يصبح أبًا."
شعرت وكأن كلماتها أصابتني في قلبي.
ولأول مرة، سألت نفسي:
هل أنا أنانية؟
هل أحرم عمر من حلمه؟
وهل يخفي رغبته في طفل حتى لا يزيد ألمي؟
لم أعد إلى منزلي في تلك الليلة، بل ذهبت إلى بيت أمي، وجلست أبكي كما لو أنني عدت طفلة صغيرة.
قلت لها إنني سأطلب من عمر أن يتزوج، وإنني مستعدة للابتعاد إذا كان ذلك سيمنحه فرصة ليعيش حياة يتمناها.
حاولت أمي أن تثنيني عن قراري، لكنني كنت قد حسمت أمري.
وفي المساء، اتصلت بعمر وقلت له:
"تعال إلى بيت أهلي... أريد أن نتحدث."
وصل مسرعًا، وما إن رآني حتى أدرك أنني أحمل قرارًا مؤلمًا.
قلت له وأنا أبكي:
"يا عمر... من حقك أن تكون أبًا، وأنا لن أقف في طريقك، تزوج، وأنا سأرضى."
ظل ينظر إليّ طويلًا، ثم قال بصوت لم أسمعه منه من قبل:
"ومن قال لك إن المشكلة عندك وحدك؟"
تجمدت في مكاني.
فتح حقيبته، وأخرج ملفًا طبيًا قديمًا، ثم وضعه أمامي.
قال:
"عرفت الحقيقة منذ السنة الأولى من زواجنا، لكنني أخفيتها حتى لا أزيد وجعك."
كانت الأوراق تثبت أن لدى عمر أيضًا مشكلة قد تمنعه من الإنجاب، وأنه كان يتلقى العلاج في صمت طوال تلك السنوات.
نظرت إليه والدموع في عيني، وقلت:
"لماذا أخفيت عني كل هذا؟"
فقال بهدوء:
"لأنك كنت تحملين همًا ليس ذنبك، ولم أحتمل أن أضيف إليه همّي أيضًا."
لكن ما أدهشني أكثر لم يكن حالته الصحية، بل الورقة الأخيرة الموجودة داخل الملف.
كانت رسالة من طبيب سبق أن تابع حالتي، يؤكد فيها أن نتائج التحاليل الأولى ربما اختلطت بنتائج مريضة أخرى، وأن التقرير الذي عشت بسببه أربع سنوات من الحزن لا يمكن اعتباره مؤكدًا.
وفي تلك اللحظة دخلت والدة عمر، وقد بدا الارتباك واضحًا على وجهها، وقالت بصوت متقطع:
"سامحيني يا مريم... كنت أعرف أن خطأ وقع في المستشفى."
التفت إليها عمر بدهشة وسألها:
"أي خطأ يا أمي؟"
انفجرت بالبكاء وقالت:
"يوم التحاليل، كانت هناك فتاة أخرى تحمل اسم مريم، ويبدو أن الملفين اختلطا، لكنني خفت أن أخبركما بعدما رأيتكما قد تقبلتما الأمر."
شعرت وكأن الأرض تميد بي.
هل يعقل أنني عشت أربع سنوات من الحزن بسبب تقرير لم يكن يخصني أصلًا؟
وقبل أن يستوعب أحد منا ما يحدث، رن هاتف عمر.
كانت الطبيبة الجديدة تتحدث بصوت متوتر وقالت:
"لازم تيجوا فورًا... نتائج التحاليل الجديدة ظهرت، ومريم حامل وهي لا تعرف."
وضعت يدي على طرف حجابي، وغلبتني دموعي.
لكن قبل أن تكتمل فرحتنا، أكملت الطبيبة كلامها قائلة:
"المشكلة أن الحمل ليس طبيعيًا، وهناك سر قديم في ملف المستشفى لازم تعرفوه قبل أي قرار، والي عايز يعرف الباقي يكتب تم.