05/01/2026
🇹🇳🇯🇵 البدايات المتشابهة، النهايات المتباينة: لماذا سبقت اليابان تونس رغم بداية اللعبة نفسها؟
كثيرًا ما يسأل مشجعو كرة القدم كيف تمكنت اليابان من التحول إلى قوة كروية عالمية مرهوبة الجانب، بينما بقيت تونس، التي تملك تاريخًا كرويًا أقدم، تدور في نفس الحلقة المفرغة من النتائج المتوسطة؟
المفارقة أن البلدين يبدآن من نقطة متشابهة، لكن قصتهما تنتهي في نقيضين. لنفهم السبب، علينا أولاً أن نلقي نظرة على جذورهما.
تونس
بدأت كرة القدم في تونس أوائل القرن العشرين في ظل الاستعمار الفرنسي، لكن ولادتها الحقيقية كظاهرة وطنية جاءت مع تأسيس أندية مثل الترجي الرياضي التونسي (1919) والنادي الإفريقي (1920). لم تكن هذه الأندية مجرد جمعيات رياضية، بل كانت تمثل الهوية الوطنية وساحة للمقاومة الثقافية ضد المستعمر. بدأ التنظيم مبكرًا، حيث انطلقت أول بطولة رسمية في تونس عام 1921، أي قبل تأسيس الاتحاد الياباني.
· التحول للاحتراف جاء لاحقًا بمرسوم رسمي في 1994 مع إنشاء الرابطة المحترفة.
اليابان:
· في الجانب الآخر من العالم، كانت كرة القدم اليابانية تجد طريقها بشكل مختلف، تأسست الفرق اليابانية الكبرى في البداية كفرق رياضية تابعة للشركات العملاقة لموظفيها. نادي مثل أوراوا رد دايموندز تأسس كفريق شركة ميتسوبيشي عام 1950، وكاشيما أنتلرز كان فريقًا لشركة الحديد والصلب منذ 1947.
· كانت الكرة هواية للموظفين حتى قررت الدولة إحداث ثورة كاملة.
نقطة التحول: "الحلم" مقابل "إدارة الواقع"
هنا بالضبط يظهر السر الكامن وراء الاختلاف الهائل في النتائج. في وقت كانت تونس تعمل فيه على "تنظيم" الكرة، كانت اليابان تطلق "مشروعًا حضاريًا" قائمًا على التخطيط الذي لا يعرف مستحيلًا.
اليابان: وضعت خطة ل100 سنة يرتكز على التطوير المستمر (kaizen)
· في العام 1993، مع انطلاق الدوري المحترف (J.League) بعشرة فرق فقط، لم يكن الهدف المباشر هو الأرباح أو حتى النجومية المحلية. كان المشروع الطموح أكبر من ذلك بكثير. تبنت اليابان فلسفة اسمها "خطة القرن"، التي وضعت أهدافًا استراتيجية واضحة لعقود قادمة.
· وفقًا لهذه الخطة الطموحة، حدد الاتحاد الياباني هدفًا بأن يصبح المنتخب من بين أفضل 10 منتخبات في العالم بحلول 2015، وهدفًا أسمى يتمثل في الفوز بكأس العالم بحلول عام 2050. لم تكن هذه مجرد شعارات، بل تحولت إلى خطة عمل وطنية شاملة أطلق عليها لاحقًا "طريق اليابان" (Japan's Way). تقوم هذه الفلسفة على أربع ركائز مترابطة تعمل بتناغم: تطوير المنتخبات الوطنية، تنشئة الناشئين، تأهيل المدربين، وتأسيس قاعدة جماهيرية عريضة.
· النظام التعليمي الفريد، الذي يجمع بين الأكاديميات الاحترافية وكرة القدم المدرسية والجامعية المرموقة، يضمن تخرج لاعبين ليسوا فقط ماهرين تقنيًا، ولكنهم أيضًا أذكياء تكتيكيًا وناضجين شخصيًا، مثل كاورو ميتوما وهيديماسا موريتا الذين برزوا في أوروبا بعد مسيرة جامعية ناجحة.
تونس: غياب الرؤية والأزمات الهيكلية
· في المقابل، كانت كرة القدم التونسية غارقة في أزمات إدارية ومالية بنيوية. تقارير محلية تشير إلى أن الجامعة التونسية لكرة القدم تعاني من "أزمة هيكلية ومالية تنخرها من الداخل"، بسبب سنوات من سوء الإدارة، وتضارب المصالح، وغياب تخطيط استراتيجي حقيقي.
· الوضع وصل إلى درجة من التأزم جعلت الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) يتدخل في يوليو 2024 لتعيين لجنة "تطبيع" لإدارة شؤون الاتحاد التونسي، بهدف مساعدته على الخروج من الأزمة الحالية وإجراء إصلاحات جذرية. هذه الخطوة النادرة تعكس حجم المشاكل في الحوكمة.
· حتى عند الحديث عن الإصلاح، تظهر التقارير أن المشاريع الحالية (مثل قانون الإصلاح الرياضي) تركز على تحديث المرافق ومراقبة المراهنات، لكنها غالبًا ما تفتقد إلى خطة شاملة وممولة لتطوير اللاعبين والمدربين من الجذور، وتتأخر في تنفيذ تفاصيلها الرئيسية. كما يتردد صدى صرخات اللاعبين والإعلام المحلي بأن "كل شيء في كرة القدم التونسية يحتاج إلى إصلاح، من لاعبين وموظفين وإعلام وبنية تحتية".
النتيجة الحتمية: خريطة الإنجازات تتحدث
هذا الاختلاف الجذري في النهج كان لابد أن يظهر ثماره على أرض الملعب، وعلى جميع المستويات:
• الأداء العالمي (كأس العالم):
· اليابان: شاركت 8 مرات (أولها 1998) وتأهلت إلى دور الـ16 في أربع منها (آخرها 2022 بعد انتصارات تاريخية على ألمانيا وإسبانيا). وهي اليوم ضمن أفضل 20 منتخبًا في تصنيف الفيفا.
· تونس: شاركت 7 مرات (أولها 1978) لكنها لم تتجاوز دور المجموعات أبدًا، وتتراجع في التصنيف العالمي.
• الهيمنة القارية:
· اليابان: تسجل رقمًا قياسيًا بأربعة ألقاب في كأس آسيا (1992, 2000, 2004, 2011).
· تونس: فازت بكأس أمم أفريقيا مرة واحدة (2004)، أي بعد 12 عامًا من فوز اليابان بأول لقب لها في آسيا.
الخلاصة: ليست موهبة، بل إدارة وتخطيط
القصة هنا ليست عن تفوق موهبة يابانية فطرية على تونسية. هي قصة إرادة دولة قررت تحويل كرة القدم إلى مشروع قومي ذي رؤية تمتد لمئة عام، تقابله إدارة محلية ظلت لسنوات أسيرة الصراعات الداخلية وقصيرة النظر.
اليابان لم تنتظر جيلًا موهوبًا بالصدفة، بل خططت لصناعته. تونس، رغم تاريخها العريق وامتلاكها جمهورًا شغوفًا، ظلت تتعامل مع الكرة كلعبة لحظية دون خريطة مستقبلية. الفارق بين البلدين اليوم هو الفارق بين من يبني من أجل أبنائه في عام 2050، ومن يدير أزمة اليوم فقط.
Kaizen
واحنا وقتاش!!!