27/12/2025
ليلةٌ على أعتاب الشهادة
بقلم: حنان بعلبكي فنيش
مجلة بقية الله
تجدونها على الرابط:
https://baqiatollah.net/article.php?id=12702
تنطلق السّيارة نحو جبهة أيلول المباركة، ورأس أحمد متّكئٌ على زجاج النافذة يستذكر لحظات الوداع الأخير مع الأحبّة. ينظر بين الحين والآخر إلى ساعته ليعلم كم من الوقت تبقّى للوصول.
توقّفت السّيّارة، فلا يمكن التّقدّم أكثر. ترجّل أحمد وعلى كتفه حقيبة حوَت بعض المستلزمات، ثمّ انطلق على وقع دقّات قلبه الخافقة بعشق الجهاد إلى ميادين العزّ والإباء، تحديداً إلى الرّكن الجنوبيّ الغربيّ من لبنان في بلدة شمع الجنوبيّة.
وصل إلى النّقطة الجهاديّة، حيث لجأ إلى بيتٍ من بيوت القرية، واجتمع مع شابّين من رفاق الجهاد، اللّذين سرعان ما عرّفاه على تفاصيل المهمّة كافّة.
من خلال أحاديثهم، علم أحمد أنّه كان مع الشابّين شاب ثالث يرافقهما وقد تعرّضوا لغارة إسرائيليّة سرقته منهما وزفّته شهيداً على أعتاب القدس، فنفضا عنهما غبار المصاب مكملين درب الجهاد، أصيب أحدهما بإصابةٍ في ظهره، وآخر بثقلٍ في قلبه، باح به أمام أحمد، فهو لا يعرف شيئاً عن عائلته:
أين هم؟ هل ركنوا إلى مكانٍ آمنٍ؟ أم استشهدوا؟
مرّت خمسة أيّامٍ في أرض عاملة، فيما أحمد والشّابّان يقتاتون على ما وضعته «الحجّة» صاحبة البيت «اللّه يبارك فيها» كما يقولون، في غرفةٍ خاصّةٍ للمونة أسفل المنزل.
- «هيدي كانت من التوفيقات!»، يقول أحمد.
اليوم، كان طعامهم «حمّص بالطّحينة»، فُتحت المعلّبات، وحُضّر الطبق، ولكنّ الجنوبيّ الأصيل لا يأكل «الحمّص بالطّحينة» دون غمره بزيت الزّيتون، فقال أحدهم:
- «هيدي بدها زيت زيتون!».
ليردّ آخرٌ: «تكرم عينك، ما تقبلها بلا زيت زيتون من بركات الحجّة».
الخامسة بتوقيت الجنوب الصّامد، خرج الشّباب إلى العراء لتجهيز مربض المدفع، فمهمّتهم مواجهة أيّ تقدّمٍ محتملٍ من العدوّ الغادر. وبينما هم يحفرون الحفر الفرديّة، حيث يمدّون جذورهم في الأرض بلا تحرّك تحسّباً لغزو العدوّ، لمع ضوءٌ كبيرٌ خلف زجاجات نظّارة أحمد، ثمّ سُمع الصّوت القويّ يرافقه فتاتٌ من الحجارة تتطاير عليهم من كلّ جانب، بسبب غارةٍ إسرائيليّةٍ على منزلٍ آخر بالقرب منهم. وعلى الفور، التفّ أحد الشّباب حول رفيقه محاولاً حماية ظهره المصاب.
دخلوا من جديد منزل «الحجّة»، مواصلين الجهاد والمرابطة، متمسّكين بخيوط الأرض، وناسجين الانتماء لترابها الغالي.
غفت العيون المتوكّلة، وما استيقظ في تلك اللّيلة إلّا عينا أحمد عند الساعة الثانية عشرة ليلاً. خطا ثلاث خطوات انتشلته من بين أنياب الموت: إنّها غارة إسرائيليّة!
لم يسمع أو يرَ شيئاً. كلّ ما أدركه أنّه عالق تحت الركام وسط ظلام دامس! في هذه اللحظات، لم يرافقه سوى نداء: «يا زهراء»، حضرت ألطافها، ونفحت له رياحين عذبةً.
أحسّ بنسمة هواءٍ عليلةٍ مرّت من جنبه، أعادت له النّبض بين ركام اليأس، وبقوّةٍ، دفعته لرفع جسده من تحت الأوزان الثقيلة، ليدرك أنّ قدميه عالقتين. أمّا قدمه اليسرى، فهو لا يشعر بها، كأنّها في عقدةٍ عصيبةٍ لا تُفكّ بسهولة.
تكسّرت نظّارة أحمد، وتلاشت بين الركام، ليزيد ذلك من شعوره بالعجز. راح يحفر بيديه العاريتَين محاولاً سحب قدميه من دون جدوى، وحاله كالطائر المبلّل يحاول الطيران فيفشل.
تائهاً في ظلامٍ لا معالم فيه، باحثاً عن يدٍ تنقذه في زحام الغبار المنتشر، مدركاً أنّ رفيقيه استشهدا من دون معرفة مكانهما، عاد أحمد ليصرخ: «يا زهراء».
موعد مع الفكر الأصيل لقارىء يبحث عن الحقيقة