22/08/2026
مثلث برداي «كريدان».. يومٌ من أيام الجيش الليبي.
تمرّ علينا هذه الأيام الذكرى 39 لمعارك مثلث برداي «كريدان» على تخوم قرية أوزو، تلك المعارك التي خاضها رجال الجيش الليبي في أغسطس 1987، في واحدة من أصعب صفحات القتال في تشاد.
ففي يومي 14 و19 أغسطس 1987 دارت معارك عنيفة لاسترداد قرية أوزو، التي كانت قد سقطت في 8 أغسطس 1987 بأيدي قوات الحلف التشادي.
لم تكن الأرض هناك أرضًا سهلة، ولم يكن الطريق إلى أوزو طريقًا عاديًا؛ كانت الجبال والتباب والأودية جزءًا من المعركة، حتى أصبحت أسماء المواقع نفسها ذاكرةً عسكريةً خالدة.
أرضٌ حفظت أسماء الرجال:
كانت منطقة أوزو وما جاورها مليئة بالتباب والمثلثات، وأطلق جنودنا عليها أسماء بقيت شاهدة على ما جرى فيها:
تبة الميه، تبة عنتر، تبة الزنتان، تبة فلس، تبة بير شيشه، مثلث كريدان، مثلث القرية، مثلث وادي الناقة، مثلث التكديس.
لم تكن هذه الأسماء من فراغ، بل جاءت من مواقف ومعارك حقيقية عاشها الرجال هناك.
أهمية المكان العسكرية:
مثلث برداي، فكان يقع عند التقاء واديين؛ الأول يأتي من قرية برداي جنوب غرب أوزو ويُستخدم طريقًا، والثاني من وسط أوزو عبر وادي تنوه، وبعد التقاء الواديين يتجه الطريق شمالًا نحو قاعدة أوزو الجوية لمسافة تقارب 110 كيلومترات.
وكان أخطر مواضعه منعطفات الـ S و«المخنق»، وهو المدخل الوحيد للقرية عبر وادٍ لا يتجاوز عرضه 10 أمتار، تحيط به جبال شاهقة يبلغ ارتفاعها نحو 150 مترًا، ثم يأتي المنعطف الذي يدخل مباشرة إلى قرية أوزو.
هناك كانت الأرض نفسها تقاتل مع من يعرفها.
غرفة العمليات تتقدم:
في 13 أغسطس 1987 وصلت غرفة العمليات المتقدمة برئاسة العقيد المصري خليفة، ومعه العقيد علي كنه والمقدم عبدالسلام سحبان.
وتوافدت وحدات الدعم التي جُهزت على عجل، وبعد استكمال التجهيز والإعداد للهجوم، ومع آخر ضوء، تحركت القوات لاحتلال المواقع المخصصة لها.
14 أغسطس.. الهجوم الأول:
بدأ الهجوم على محورين:
المحور الأول من مثلث برداي بقيادة العقيد علي كنه.
المحور الثاني من مثلث القرية بقيادة المقدم عبدالسلام سحبان.
مع أول ضوء اصدرات الاوامر لتحرك فالتعليمات كانت لسريه الجراد (السرية 2 كتيبة 8 صوراريخ) ان تتقدم الي الأمام جنبا لجنب مع الدبابات والمشاة، رغم رفض امر السريه الأمر معتبرًا أن التقدم بهذه الطريقة عبر ذلك المكان أشبه بالانتحار.
وفي الوقت نفسه كان الاستطلاع الجوي متقدمًا باتجاه القرية عبر الوادي الضيق الرابط بين مثلث برداي ومثلث القرية، حيث كثرت الانعطافات التي تحجب الرؤية، وأخطرها منعطف حرف الـ S.
وما إن وصلت القوة إلى المنعطف حتى باغتتها نيران القوات التشادية.
كان العدو قد تمكن ليلًا من التوغل بقوات مترجلة والتمركز في أعالي الجبال على ضفتي الوادي.
وفجأة انهمرت النيران على مؤخرة قواتنا داخل الوادي الضيق، وأصيبت قاذفات الجراد، فلم تتمكن من تنفيذ أكثر من قصفة واحدة.
استغل العدو إسكات قاذفات الجراد والمدفعية، وبدأ هجومًا مضادًا على المحاور المتقدمة.
استُشهد وأُسر عدد من الرجال، وانسحب من استطاع، وأصيب آمر المحور العقيد علي كنه وأُخلي إلى المستشفى الميداني، ومنه إلى قاعدة أوزو الجوية.
وتكرر المشهد على المحور الثاني كذلك.
وبفضل الله تم إخلاء المنطقة بالكامل، وما نجا من الآليات أُعيد إلى الخلف، وانتهى يوم 14 أغسطس دون تحقيق تقدم، لكن المعركة لم تنتهِ.
ما بعد 14 أغسطس.. الاستعداد للعودة:
بدأت غرفة العمليات المتقدمة حصر خسائر الأفراد والمعدات والآليات والأسلحة، وفي الوقت نفسه بدأت وحدات الدعم تتوافد من جديد: رجال، ضباط، آليات وذخائر، كان الهدف واضحًا:
العودة إلى أوزو.
وجرى تجهيز القوات بالأسلحة والذخائر، وتغيير قيادة المحاور، فأصبح العقيد محمد كريدان آمرًا لغرفة العمليات المتقدمة بدلًا من العقيد المصري خليفة.
وكُلّف الرائد عبدالسلام أبوزيد التيبار آمرًا لمجموعة المدفعية.
وتولى العقيد عبدالسلام سحبان قيادة المحور بدلًا من العقيد علي كنه الذي أُصيب في معركة 14 أغسطس.
ومع آخر ضوء من يوم الأربعاء 18 أغسطس 1987 تحركت القوات لاحتلال مواقعها وفق التعليمات الصادرة من غرفة العمليات إلى جميع المجموعات المقاتلة.
19 أغسطس.. يوم النار:
بدأت المعركة عند الساعة السابعة صباحًا واستمرت حتى السابعة مساءً، قاد الهجوم:
محور مثلث برداي: المرحوم المقدم عبدالسلام سحبان.
محور مثلث التكديس: المرحوم النقيب محمد عبدالعاطي الرفاعي «البومة».
ومع أول ضوء بدأت سرية المدفعية، سرية الجراد التابعة للكتيبة 8، التمهيد المدفعي من الساعة السادسة حتى السابعة صباحًا.
رافق ذلك غطاء جوي من الطائرات العمودية Mi-35 وطائرات L-39، ثم تقدمت قوات المشاة والدبابات والأسلحة المتوسطة.
وعند الساعة الثالثة مساءً صدرت الأوامر بالانتقال إلى خط النيران المتقدم، وبسرعة البرق أُخليت المواقع الرئيسية وانتقلت القوات إلى المواقع المتقدمة.
ثم جاء الاختبار الأصعب، «المخنق».
فعند التقدم عبر «المخنق»، كانت القوات التشادية متمركزة في أعالي الجبال، وتمتلك أفضلية واضحة بحكم طبيعة الأرض.
فتعرضت مجموعات السيارات الخفيفة (التيوتا) ، التي كان يحمل كل منها نحو 10 جنود، لكمين محكم.
كان العدو يترصد من أعالي الجبال، والرصاص ينهمر بكثافة من مختلف الاتجاهات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
لم تعد مصادر النيران معروفة بدقة، فاضطرت القوات إلى القفز نحو التباب والاحتماء، وعمّت الفوضى والارتباك.
ومع محاولة البعض العودة بالسيارات، حدث التدافع بسبب ضيق المكان ووعورة الأرض، فسقط عدد من الجنود بين شهيد وأسير، بينما حاول آخرون النجاة عبر الجبال المحيطة.
وفي خضم ارتباك الموقف بدأ انسحاب عشوائي، بعدما اعتقد البعض أن القوات تنسحب بالكامل، خصوصًا بعد تراجع قاذف الجراد للتذخير، فظن كثير من الجنود المتقدمين أنه انسحب.
لكن هناك رجلًا بقي في الميدان، المرحوم المقدم عبدالسلام سحبان، بقي آخر من ثبت، يحمل مكبر الصوت وينادي الجنود:
لا تنسحبوا.
ظل ثابتًا في أرض المعركة حتى وقع أسيرًا.
وتكررت محاولة الهجوم مرتين، لكن طبيعة الأرض جعلت الاستمرار عبثيًا، فصدر القرار بالتوقف والتمركز دفاعيًا، بدلًا من التضحية بالمزيد من الرجال.
ثمن المعركة:
كان الثمن مؤلمًا، استشهد نحو 18 جنديًا وأُسر عدد آخر، ودُمرت عدة آليات، وتكبدت قواتنا خسائر قاسية فرضتها طبيعة الأرض وتحصينات العدو، ومن بين الشهداء:
المرحوم عبدالسلام تيبار، آمر المدفعية، وثلاثة من أفراده قرب قاذف الجراد.
المرحوم مسعود اللافي الدرهوبي ومعه أربعة أفراد.
وبقية شهداء الواجب الذين كتبوا أسماءهم في تلك الأرض بدمائهم.
وبالمقابل، وعند محاولة عناصر تشادية نصب كمين لقواتنا أثناء الانسحاب، تصدت لهم قوات لواء بدر الصحراوي.
رجالٌ كانوا هناك:
شاركت في معارك مثلث برداي وحدات عدة، منها:
كتيبة الساعدي.
كتيبة 22 مشاة غريان.
لواء بدر الصحراوي.
كتيبة 8 صواريخ جراد، السرية الثانية، غريان.
كتيبة مشكلة من المنطقة الغربية.
سرايا من كتائب الصاعقة والمغاوير.
رجال من وحدات مختلفة، جمعهم ميدان واحد وهدف واحد.
28 أغسطس.. أوزو تعود:
وبعد أيام من تلك المعارك، وفي 28 أغسطس 1987، تم تحرير قرية أوزو، وكُلّفت السرية الطبية رفقة مجموعة من العسكريين والضباط بدفن الشهداء في منطقة «المخنق».
ولأن التاريخ لا ينسى رجاله، أُطلق على مثلث برداي اسم:
«مثلث كريدان» نسبة إلى العقيد محمد كريدان الذي كان مقر عمليات القطاع به.
صفحة من تاريخ الجندي الليبي:
هذه ليست قصة انتصار بلا خسائر، ولا رواية تخفي أخطاء الميدان والقيادة، إنها صفحة عسكرية بكل ما فيها؛ تخطيط، تقدم، كمائن، تضاريس قاسية، أخطاء تتحمل مسؤوليتها القيادات من الصغرى إلى الكبرى، ورجال وجدوا أنفسهم في أصعب مواقع القتال.
لكن وسط كل ذلك بقي الجندي الليبي يقاتل، قاتل في أرض صحراوية وعرة، تحت نيران كثيفة، وفي مواقع منح فيها الجبل العدو أفضلية كبيرة.
قد تختلف الآراء في القرارات العسكرية، وقد تُراجع الخطط والتقديرات، لكن لا يمكن أن تُمحى حقيقة واحدة:
الجندي الليبي كتب بدمه صفحة من صفحات التاريخ العسكري الليبي.
الخاتمة:
تحية لكل الضباط والجنود الذين خاضوا تلك المعارك، ولكل من ثبت في الميدان، ولكل من عاد حاملًا ذاكرة رفاقه.
ورحم الله شهداءنا الأبرار الذين ارتقوا دفاعًا عن الشرف العسكري الليبي.
اللهم احفظ ليبيا وأرضها ورجالها، المجد للشهداء.. والعزة للوطن.
المصادر:
هذه الرواية مبنية على شهادات حية لضباط وجنود شاركوا في تلك المعارك ولا يزال بعضهم على قيد الحياة، متعهم الله بموفور الصحة والعافية، إضافة إلى الصور المرفقة للأماكن التي دارت فيها المعارك.
مع تحيات AL-TOMMY CENTER.