16/05/2026
سماء ليبيا لا تُخترق ومن يجرؤ يدفع الثمن...حراس الأفق وحصون الصمود، قصة الإرادة والسيادة لقوات الدفاع الجوي الليبي (1970–1990).
شهدت ليبيا خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين تحول السماء من فضاء مراقبة تقليدي إلى مسرح صراع سيادي مباشر، حيث جرى بناء منظومة دفاع جوي ضخمة هدفها حماية الدولة من التفوق الجوي الخارجي.
هذا التحول ارتبط بسياق الحرب الباردة، وتوسع المواجهات الإقليمية في البحر المتوسط وتشاد، وبسعي الدولة إلى خلق مظلة ردع تعتمد على الصواريخ والرادارات بدل الاعتماد على التفوق العددي التقليدي.
المقدمة: حين تحولت السماء إلى جبهة سيادة.
لم يكن خيار بناء هذا الدرع رفاهية عسكرية، بل كان ضرورة قاسية فرضتها الجغرافيا والتاريخ، دولة شاسعة بمساحة 1.8 مليون كيلومتر مربع، حدودها البرية تمتد لأكثر من 4,300 كيلومتر، وطول شاطئ 2000 كم، وعداء علني مع الولايات المتحدة منذ بداية السبعينيات لم يهدأ منذ قطع العلاقات الدبلوماسية عام 1972 ثم إعلان خليج سرت مياهًا إقليمية ليبية عام 1973، أضف إلى المناوشات الحدودية مع مصر في 1977 والتدخل العسكري المباشر في تشاد التي بدأت منذ عام 1978 وجعلت من القواعد الجوية الليبية في عمق الصحراء هدفًا دائمًا للغارات الفرنسية والتشادية.
في هذا السياق، تحولت ليبيا إلى ساحة تجارب حقيقية لأحدث ما أنتجه الاتحاد السوفيتي وحتي منظومات غربية، طامحة في أن تصبح سماؤها من أكثر الأجواء تحصينًا في العالم العربي وأفريقيا.
دور قوات الدفاع الجوي:
تكمن مسؤولية قوات الدفاع الجوي الأساسية في الدفاع عن الأهداف الأرضية والبحرية والجوية ضد خطر الطائرات والصواريخ التي تشكل خطراً داهماً على الأهداف الحيوية والاستراتيجية في العمق.
وعادة ما تُلحق وحدات الدفاع الجوي بالجيش والبحرية والقوات الجوية لتقوم بمهام الدفاع عن وحداتها ولحماية دورها الاستراتيجي في المعركة.
نشأة الدفاع الجوي الليبي (1968–1973):
في سنة 1968 أنشئت وحدة للدفاع الجوي ضمن القوات المسلحة الليبية، وكانت هذه الوحدة الأولى جزءاً من سلاح المدفعية، وتضمنت عناصر مدفعية مضادة للطائرات بريطانية المصدر وبعض رادارات الإنذار المبكر الموروثة من العهد الأمريكي والبريطاني.
وبدأ التأسيس الفعلي لقوات الدفاع الجوي في بداية عام 1973، وحينها أدارت قيادة الدفاع الجوي نخبة من أفضل ضباط القوات المسلحة لان التحدي الأكبر في تلك الفترة ليس فقط شراء الأسلحة، بل بناء الكوادر البشرية القادرة على تشغيل هذه الأنظمة المعقدة.
وهنا برزت عبقرية المؤسسين الأوائل ومنهم علي سبيل الذكر وليس الحصر:
العقيد جمعة عوض إدريس، والجهمي، والعزابي، ونور الدين قنفود، ونجم الدين دعبوب، ومصري خليفة مصري، ومحمد المنصوري، إلى جانب الجنود المؤسسين الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا السلاح العسكري.
وتولى المرحوم العقيد مصري خليفة مصري إمرة جناح التدريب بالدفاع الجوي في مقره الكائن بقاعدة معيتيقة العسكرية قبل إنشاء المقرات الدائمة المعروفة لاحقاً، وساهم بشكل محوري في تأهيل الرعيل الأول من منتسبي السلاح.
وبحلول نهاية السبعينيات، كان الدفاع الجوي الليبي قد اكتمل تأسيسه البشري والتنظيمي، وأصبح جاهزًا لاستقبال أكبر الصفقات وأكثرها تطورًا في الثمانينيات.
كلية الدفاع الجوي:
قاد المقدم نجم الدين دعبوب أول أمر فعلي للكلية بمساعدة النقيب عبد العزيز السحاتي، واتخذت الكلية مقرها الأول في منطقة تاجوراء داخل مقر اللواء الأول دفاع جوي، ثم انتقلت إلى مقرها الجديد في تاجوراء قبل مستشفى القلب عند مدخل مدينة طرابلس، ولاحقاً وضع المسؤولون حجر الأساس لكلية الدفاع الجوي بمصراتة في 12 يناير 1977 وافتتحت بتاريخ 10 ربيع الثاني الموافق 18 مارس 1978، وتخرج من الكلية العديد من دفعات الضباط المؤهلين في جميع التخصصات القتالية والفنية في الصواريخ والرادارات والتوجيه والسيطرة وحرب الإلكترونيات والاتصالات العسكرية. .
كما ساهمت كلية الدفاع الجوي في تخريج العديد من الضباط للدول العربية والأفريقية، كما تم إيفاد العديد من طلبة الكلية للدراسة بالخارج بالاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وكوريا الشمالية دراسة فنية وهندسية على مختلف تخصصات الدفاع الجوي.
ثانوية الدفاع الجوي الفنية:
أنشأ المؤسسون الثانوية الفنية في بداية السبعينات بمنطقة تاجوراء القريبة من قاعدة معيتيقة لتخريج ضباط الصف والفنيين القادرين على تشغيل المنظومات، ومختصي الصيانة والرادارات، ثم افتتحت القيادة فروعاً أخرى في سبها ومرتوبة لتلبية الاحتياجات الفنية المتزايدة.
الترسانة الصاروخية ووسائط الدفاع الجوي:
لم تكن الترسانة الليبية مجرد مجموعة صواريخ عشوائية، بل كانت منظومة متكاملة متعددة الطبقات، صُممت على غرار النموذج السوفيتي الذي اعتمد على ثلاث طبقات دفاعية:
* الطبقة الأولى دفاع بعيد المدى (150–300 كم):
تمثلت في منظومة S-200 Vega (SA-5)، الصاروخ العملاق الذي يبلغ طوله 35 قدمًا وسرعته 4 ماخ وارتفاعه الفعال يصل إلى 66,000 قدم، وتمتلك هذه المنظومة رأسًا حربيًا ضخمًا وتوجيهًا راداريًا شبه نشط، وكانت كابوسًا حقيقيًا لأي طائرة تحلق في شرق المتوسط.
نُشرت هذه المنظومة في ليبيا عام 1985 كأول استخدام قتالي لها في العالم.
* الطبقة الثانية – دفاع متوسط المدى (25–70 كم):
ضمت هذه الطبقة ثلاث منظومات رئيسية:
- صاروخS-75M3 (SA-2): مدى 45 كم، صمم أصلاً لمواجهة القاذفات الاستراتيجية على ارتفاعات عالية.
- صاروخ S-125M (SA-3): مدى 35 كم، تميز بقدرته على الاشتباك مع الأهداف المنخفضة، وكان بديلاً مثاليًا لـ SA-2 في بعض المواقع.
- صاروخ 2K12 Kvadrat (SA-6): مدى 24 كم، تميز بنظام رادار CW الذي يجعله أقل عرضة للتشويش، وقد اشتهر في حرب أكتوبر 1973 بقدرته على إسقاط العشرات من الطائرات الإسرائيلية.
* الطبقة الثالثة – دفاع قصير المدى (5–15 كم):
ضمت منظومات متحركة ومرنة:
- صاروخ 9K33 Osa (SA-8): مدى 15 كم، نظام متكامل مضاد للتشويش مع رادار وصواريخ مثبتة على مركبة واحدة.
- صاروخ Crotale (فرنسي): مدى 11 كم، سهل النشر ومفضل للدفاع عن المطارات الاستراتيجية.
- صاروخ SA-9 (Strela-1) وSA-13: منظومات محمولة على مركبات، سريعة التجهيز والرد.
* الطبقة الرابعة – الحلقة الأخيرة للدفاع (1–3 كم):
- تمثلت في المدفعية المضادة للطائرات، وأبرزها ZSU-23-4 Shilka، مدفع رباعي عيار 23 ملم مع رادار "Gun Dish" ومعدل إطلاق 4,000 طلقة في الدقيقة.
كانت هذه المدافع مرعبة للطائرات المنخفضة والمروحيات، وتستخدم كخط دفاع أخير بعد فشل الطبقات السابقة.
- الصواريخ المحمولة على الكتف:
صواريخ ستريلا-2 (SA-7) وستريلا-3 (SA-14).
منظومة الرادارات والقيادة والسيطرة:
لا قيمة لصواريخ لا ترى الهدف، وهذا ما أدركه القادة الليبيون جيدًا. لذلك، تم إنشاء شبكة رادارية ضخمة تمتد على طول الساحل الليبي وفي عمق الصحراء، لتكون العيون التي تسبق الصواريخ قبل أن تصل إلى أهدافها.
اعتمدت المنظومة على ثلاث طبقات رادارية متكاملة لإدارة بيئة المعركة ورصد التهديدات ومن أهم الرادارات التي اعتمد عليها الدفاع الجوي الليبي: :
* رادارات الإنذار المبكر والمراقبة: شملت.
- رادارات P-12/18 (Spoon Rest) رادار كشف بعيد، صُمم خصيصًا ليكون أول من يكتشف الأهداف المعادية.
- رادار P-14 (Tall King) إنذار مبكر بعيد المدى، قادر على كشف الأهداف الجوية من مسافات تصل إلى 600 كم، منتشر في مواقع استراتيجية على الساحل
- رادارات P-35/37 (Bar Lock) توجيه واعتراض، يستخدم لتحديد إحداثيات الأهداف بدقة عالية وإرشاد الصواريخ إليها. - رادار P-80 (Back Net).
- رادار 5N69 (Big Back) ثلاثي الأبعاد.
- كما أدمجت القيادة رادارات LPD-20 الإيطالية للبحث الجوي لتنويع مصادر البث وتعمية وسائط التشويش المعادية.
* رادارات الاستهداف وتوجيه الصواريخ:
- رادار SNR-75 (Fan Song) لمنظومة SA-2.
- رادار SNR-125 (Low Blow) لمنظومة SA-3.
- رادار 5N62 (Square Pair) لمنظومة SA-5.
- رادار P-15 (Flat Face).
- رادار سكوات آي (Squat Eye) لتحسين كشف الارتفاعات المنخفضة.
* رادارات تحديد الارتفاع:
- رادار PRV-11 (Side Net) لمنح المنظومة بيانات ثلاثية الأبعاد فعلية بالتوازي مع الرادارات الثنائية، لقياس ارتفاع، يكمل عمل الرادارات الأخرى بتحديد الارتفاع الدقيق للهدف، مما يساعد في حساب مسار الصاروخ بدقة .
كانت هذه الرادارات منتشرة في مواقع محصنة ومموهة بعناية، لكل موقع غرفة عمليات خاصة به تتصل بشبكة مركزية في طرابلس وبنغازي وسرت وسبها.
أنظمة القيادة والسيطرة:
قلب المنظومة النابض لم يكن في الصواريخ أو الرادارات، بل في غرف العمليات المظلمة المليئة بشاشات الرادار وخبراء التوجيه.
وتم ربطت القيادة الوحدات عبر نظامي التحكم الآلي 5Sz99E Senezh-E ونظام ASURK-1 لتنسيق الاتصال ونقل البيانات بين مراكز القطاعات وبطاريات الصواريخ.
كانت غرفة القيادة K9 هي العصب المركزي لمنظومة SA-5، حيث تتجمع كل المعلومات من رادارات الإنذار المبكر، وتُحلل، وتُرسل الأوامر إلى التشكيلات الميدانية.
تشكيلات منظومة SA-5:
منظومة صواريخ الفيغا 200 كانت الاحدث عالميا وقتها وتتكون من:
· تشكيلات القواذف K3: وهي منصات الإطلاق التي تحمل الصواريخ الضخمة.
· رادار التوجيه K1: رادار 5N62 (Square Pair) الذي يوجه الصواريخ نحو أهدافها.
· رادار P-14 للإنذار المبكر: لتوفير المعلومات الأولية عن الأهداف.
· رادار قياس الارتفاع PRV-17: لتحديد الارتفاع الدقيق للأهداف.
إن تشغيل هذه المنظومة المعقدة لم يكن مهمة سهلة، وتذكر المصادر أن قرار إطلاق صواريخ SA-5 خلال مواجهات مارس 1986 استغرق 3.5 دقيقة فقط من لحظة كشف الهدف حتى تنفيذ القرار.
هذا الرقم يعكس مستوى التدريب العالي الذي وصل إليه رجال الدفاع الجوي في ذلك الوقت، حيث كانوا قادرين على تحويل المعلومات من الرادار إلى نيران صاروخية في وقت قياسي.
التنظيم الهيكلي والانتشار الجغرافي:
في أوائل الثمانينيات، وبعد اكتمال البنية التحتية للكوادر البشرية، تم تقسيم ليبيا إلى أربعة قطاعات دفاع جوي رئيسية:
* قطاع طرابلس (المنطقة الغربية - اللواء الأول): مهمته حماية طرابلس والمنطقة الغربية، بما فيها القواعد الجوية الحيوية والمنشآت النفطية، وضم لواء اليرموك، ولواء القادسية، ولواء حمزة، وكتيبة الحية (م/ط المختلطة) بقاعدة معيتيقة.
* القطاع الأوسط (منطقة مصراتة وسرت - اللواء الثاني): مسؤول عن حماية سرت والخليج، وجزء كبير من المسؤولية المباشرة في مواجهة الأسطول السادس الأمريكي.
* القطاع الشرقي (منطقة بنغازي وطبرق - اللواء الثالث): مكلف بحماية بنغازي والمنطقة الشرقية.
* القطاع الجنوبي (منطقة سبها وفزان - اللواء الرابع): كان مسؤولاً عن دعم العمليات الصحراوية وتأمين الحدود الجنوبية وتقديم الدعم للحملة العسكرية في تشاد.
تم دمج القوتين (الجوية والدفاع الجوي) في قوة واحدة، سميت باسم رئاسة أركان الدفاع الجوي، وكلف العقيد جمعة عوض إدريس برئاستها، ثم كلف العقيد الريفي علي الشريف (الذي أصبح لاحقًا برتبة لواء) بهذه المهمة.
كانت هذه الخطوة حاسمة في توحيد الجهد العسكري بين المقاتلات التي تعترض الأهداف في السماء والبطاريات الصاروخية التي تتصدى لها من الأرض.
بلغ تعداد القوات الجوية الليبية (بما فيها قيادة الدفاع الجوي) نحو 23 ألف عسكري، بالإضافة إلى نحو 15 ألف مجند تجنيد إلزامي.
وكان هذا الجيش من الرجال منتشرًا في مواقع صاروخية ثابتة ومتحركة تمتد من أقصى غرب ليبيا إلى أقصى جنوبها، وصولاً إلى عمق الصحراء التشادية.
ألوية الدفاع الجوي:
تحت مظلة القطاعات الأربعة، انتشرت ألوية الدفاع الجوي، لكل لواء مهمته وتخصصه، ومن أشهر هذه الألوية:
* لواء القادسية: أحد أقدم ألوية الدفاع الجوي، اعتمد على منظومتي SA-2 وSA-3، وكان مسؤولاً عن حماية مواقع استراتيجية في غرب ليبيا.
* لواء اليرموك: تمركز في طرابلس وأوكلت إليه مهمة تأمين العاصمة والقواعد الجوية المحيطة بها.
* لواء حمزة: مسؤول عن حماية القواعد الجوية والمواقع الحساسة في وسط ليبيا.
* لواء التحدي: أحد أهم ألوية صواريخ SA-5 الاستراتيجية، تمركز في منطقة سرت وكان قائد معركة خليج سرت سنة 1986، وأطلق أولى صواريخ SA-5 في التاريخ ضد طائرات أمريكية.
* لواء التصدي: تمركز في بنغازي، امتلك منظومات SA-5 أيضًا، وشارك في رفع الجاهزية أثناء المواجهات المتكررة مع الأسطول الأمريكي في شرق ليبيا.
هذه الألوية، مع غيرها من التشكيلات المساندة، شكلت العمود الفقري للدرع الصاروخي الليبي، وكانت مستعدة في أي لحظة لتحويل سماء ليبيا إلى جحيم ناري لأي معتدٍ.
السجل العملياتي والاشتباكات القتالية:
خاضت قوات الدفاع الجوي مواجهات ميدانية واختبارات حقيقية في صراعات إقليمية ودولية مختلفة:
* الاعتراضات الأولى (1973-1980):
في مطلع عام 1973، أطلقت قوات ليبيا نيران مضادة على طائرات استطلاع أمريكية تحلق قرب الساحل الليبي.
وتكرر الأمر في أواخر 1980 حين أطلقت ليبيا مرة أخرى نيران مضادة على طائرات استطلاع أمريكية.
هذان الحادثان علي اقل تقدير تمثلان أول استخدام فعلي للمنظومة الدفاعية الليبية ضد أهداف جوية حقيقية، وأثبتا وجود إرادة قتالية رغم محدودية الأثر التشغيلي.
حيث كانت الاجواء مراقبه بالكامل واي هدف يقترب وما اكثرها التي كانت في المياه الدولية حيث يتم رصده وتوجيه الطائرات له بنجاح بالغ.
أطلقت الوحدات نيراناً مضادة ضد طائرات استطلاع أمريكية تحلق قرب الساحل الليبي لحماية المجال الجوي الوطني.
* الحرب الليبية المصرية (1977): نشرت القيادة وحدات الصواريخ المتحركة SA-6 والمحمولة الستريلا مع كافة الوحدات في الخطوط الأمامية علي طول الحدود الشرقية لتأمين العمق الاستراتيجي خلال الصراع الحدودي القصير وتم اسقاط العديد من الطائرات المصرية المغيرة واعلن الطيارين المصريين وقتها بأن المنطقة غابة من الصواريخ.
* مواجهة خليج سرت (1981):
في صباح 19 أغسطس 1981، انطلقت مجموعة مكونة من 8 طائرات أمريكية اعتراض من طراز F-14 من السرب VF-41، حيث تم اكتشافهم من قبل ابطال الدفاع الجوي وتم ابلاغ قاعدة القرضابية ببداية التحرك وعلي الطيارين السوخوي 22 التحرك وهم الطيار أبوالقاسم امسيك والطيار الجعفري وتم توجيههم من قبل الموجه الجوي الملازم عنون حتي وصلو الي خط الموت واقترب منهم الطيار الامريكي المقدم هنك كليمان والملازم ديفيد فينليت، وطائرة ثانية يقودها الملازم لورنس موسينسكي والملازم جونيور أندرسون.
وتم الاشتباك الجوي وتم اسقاط اولا الطيار الامريكي المقدم هنك كليمان ومقتله وبعدها تم إسقاط الطائرتين الليبية ونجاة الطيارين.
كشف الحدث عن يقضت افراد الدفاع الجوي وتتبعهم لاقتراب الأهداف الامريكية وتوجيههم الدقيق لطيارين الليبيين حتي وصولهم لاهدافهم مع عدم التعامل بالصواريخ مع اي هدف.
* المشاركة في لبنان (1982):
تم أرسل سرايا متخصصة من كتيبة صواريخ مزودة بمنظومات سام 7 والشيلكا إلى البقاع وبيروت لدعم القوى العربية، وتصدت الوحدات للغارات الإسرائيلية وأسقطت طائرات استطلاع بدون طيار للعدو.
* أعتراض طائرة التجسس الأمريكية SR-71 Blackbird (1985):
بيوم 5 أكتوبر 1985، دوّت صافرة الإنذار برفع درجة الاستعداد للحالة القصوى بدشمة العمليات بقاعدة معيتيقة الجوية، وأنطلقت تشكيل ثنائيًا الطائرة الأولى بها الملازم طيار مسعود المختار.
الطائرة الثانية بها الملازم محسن السائح، والطائرتان من طراز MIG-25P.
أقلعت تحت سيطرة غرفة التوجيه التي كان يديرها النقيب مفتاح عبدالوهاب القاضي، والذي طلب التسلق إلى الارتفاع 49,000 قدم، واختراق حاجز الصوت في الاتجاه الشمال الشرقي لمدينة طرابلس على الدرجة 060.
قاد موجه المقاتلات القدير إلى الهدف المعادي، وأخذ الطيار الورفلي المسافة في التناقص بشكل سريع بينه وبين الهدف حتى بلغت 70 كم، ثم ظهر الهدف واضحًا في شاشة الرادار بمقصورة القيادة بطائرة وعلى بعد 20 كم.
فتم تتبع الهدف الذي أخذ في الدوران والتسلق بعد أن شعر بالقبض الراداري الذي قام به الطيار عليه، وقد سجلت كاميرات الطائرة عملية القبض كاملة بكل معطياتها:
صورة الهدف، سرعته، ارتفاعه، والمسافة الفاصلة بين الهدف وطائرتي.
واصل تتبع الهدف في مساره حتى بلغت المسافة بينهم حوالي 5 كم، وكان يشاهد بالعين المجردة، حيث اتضح تمامًا أنه الطائرة الأمريكية SR-71.
واصل تعقب الهدف ومطاردته وهو تحت السيطرة والقبض الراداري، وفي مدى الرمي لصواريخ طائرتي، في عمق البحر شمال طرابلس، إلى أن تلقي التعليمات بالعودة إلى القاعدة بسبب كمية الوقود المتبقية.
وهذا يثبت جدية ومهارة مشغلي الردارات علي طول الساحل ويتم رصد اي هدف مهما كان نوعه وتوجيه المقاتلات له اينما يكون.
* ملحمة 24 مارس 1986 (عملية براري فاير):
بحلول عام 1985، كانت شبكة الدفاع الجوي الليبية قد وصلت إلى ذروة قوتها، وأصبحت جاهزة لأكبر اختبار في تاريخها.
فوصل تشكيل الأسطول السادس الضارب للقوات البحرية الأمريكية إلى منطقة خليج سرت وتمركز على بعد 200 كم شمال خط العرض 32°30′ الذي أعلنته ليبيا خط الموت.
كانت النوايا الأمريكية واضحة، اختبار قدرة ليبيا على الدفاع عن خط الموت، وكسر الإرادة الليبية في مواجهة الأسطول السادس.
فشهد هذا اليوم المواجهة الكبرى لكتائب الصواريخ بعيدة المدى ضد القوات الأمريكية، وقاد العمليات ميدانياً العقيد جمعة عوض رئيس أركان الدفاع الجوي، والمرحوم العقيد حامد الحضيري آمر قطاع الوسطى.
اشتبك لواء التحدي صواريخ سام 5 بمدينة سرت بإمرة المرحوم العقيد جمعة صالح ومعاونه العقيد علي الماقوري مع الطائرات الأمريكية المغيرة وأطلق صواريخ S-200 الاستراتيجية، وكانت هذه أول مرة في التاريخ يُستخدم فيها صاروخ SA-5 (S-200 Vega) في قتال حقيقي ضد الولايات المتحدة.
وفي زمن قياسي استجلب رجال الدفاع الجوي في لواء التصدي سام 5 ببنغازي بإمرة العقيد خليفة إمبارك ومعاونه المرحوم العقيد سالم درياق إحدى المحطات الرادارية K1 لتعزيز الموقف القتالي.
وفرت كتيبة الساعدي الأمنية بإمرة المرحوم العقيد سيد قذاف أدم كافة الإمكانيات اللوجستية اللازمة لدعم الرجال وتكريمهم في الميدان.
فبذاك اليوم وصلت إشارة من غرفة عمليات قطاع الدفاع الجوي تفيد بكشف طائرتين أمريكيتين متجهتين نحو مدينة سرت، على مسافة 160 كم، وارتفاع 4.5 كم، بسرعة 160 م/ث، تم كشف الهدفين بواسطة الكتيبتين الأولى والثانية، بمساعدة رادار P-14 (أبورونا)، واتخذت قيادة الدفاع الجوي قرارًا بتدميرهما.
حيث الساعة 07:52، أطلق صاروخَي SA-5 نحو طائرتَي F-14A التابعتين للسرب VF-102 من الحاملة أمريكا.
وأُطلقت صاروخان إضافيان الساعة 13:52 نحو الـ F-14 في مهمة دورية قتالية جنوبية، وكانت تحميها طائرة EA-6B برولر بالتشويش الإلكتروني.
فالمصادر الليبية المؤكدة وتقرير الخبراء العسكريين السوفيت يقول على أقل تقدير، تم إصابة طائرتين من طائرات الأسطول البحري الأمريكي، لكن واشنطن تنفي أي خسائر في الأرواح أو الطائرات.
بعد هذا القصف، رد الطيران الأمريكي مم طائرة A-7E أمريكية بقصف موقع صواريخ SA-5 في منطقة سرت بصواريخ AGM-88A هارم، وسجلت المعركة بطولات استثنائية حين استطاع الابطال بفطنتهم وسرعة بديهتهم العالية تضليل الصاروخ المعادي من نوع هارم المضاد لرادرات وإبعاده عن الهدف ليسقط بعيداً، ويقطع سلك التوصيل بين الرداد والصاروخ لينقذ بذلك محطة رادارية من دمار محقق وتم تغييره بعد استبداله وعاد الموقع للعمل.
وشغلت الأطقم القتالية والفنية خلال المعركة بنجاح غرفة القيادة K9، ومجموعة الـكتيبة الفنية، وتشكيلات القواذف K3، ورادار الأبرونا B14، ورادار قياس الارتفاع B17، ورادار التوجيه K1.
بهذه المواجهة، دخل الدفاع الجوي الليبي التاريخ كأول قوة تستخدم SA-5 الفيغا ضد الولايات المتحدة، حتى لو كانت النتائج مثيرة للجدل حتى اليوم، لانه من غضب الرد الليبي فعّل قائد الأسطول السادس نائب الأميرال فرانك كيلسو الثاني خطة الطوارئ "عملية براري فاير" لتحييد التهديد الليبي، وبعد فشل تدمير موقع الصواريخ قام الاسطول بضربة انتقاميه جبانه وتم التشفي واغراق اثنتان من السفن الحربية الليبية التي كانت في دورية بالمياه الاقليمية الليبية وهي الخافرة عين زقوط والزورق الصاروخي وميض.
* غارة أبريل 1986 (عملية إلدورادو كانيون):
كانت المواجهة الأكبر والأكثر تدميراً في 15 أبريل 1986 شنّت الولايات المتحدة غارات جوية واسعة النطاق، شاركت فيها نحو 100 طائرة حربية، بما فيها قاذفات F-111 من قواعد بريطانية، وطائرات A-6 من حاملات الطائرات، وطائرات EA-6B وEF-111 للتشويش الإلكتروني، وطائرات KC-10 وKC-135 للتزود بالوقود.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يُستخدم فيها سلاح الجو الأمريكي بشكل مكثف في قصف أهداف ليبية بالعمق، واستُخدمت صواريخ HARM (AGM-88) المضادة للإشعاع بشكل واسع لتدمير الرادارات الليبية قبل أن تتمكن من توجيه الصواريخ نحو الطائرات الأمريكية.
في الساعة 01:50 بالتوقيت الليبي، بينما كانت طائرات F-111 وA-6 تحلّق على الارتفاع المنخفض متجهةً نحو أهدافها في طرابلس وبنغازي، انطلق الممانعون الإلكترونيون ومُسكتو الصواريخ الأرضية، وبدأت طائرات EF-111 وEA-6B بإغراق رادارات البحث الجوي الليبية بالتشويش الإلكتروني الكثيف، وبعد دقيقتَين بدأ طيارو A-7 وF/A-18 بإطلاق وابل مدمّر من صواريخ هارم وشرايك.
أبطلت الصواريخ رادارات خدمة بطاريات SA-2 وSA-3 وSA-6 وSA-8 وكروتال الفرنسية، وفتحت ممرات للطائرات المهاجمة، حيث تم أُطلقت 16 صاروخ هارم و8 شرايك على دفاعات طرابلس، وأُطلق 20 هارم و4 شرايك على مواقع الرادار في بنغازي.
تصدت ألوية الدفاع الجوي في طرابلس وبنغازي للهجوم الواسع، وتم أطلقت العديد من الصواريخ (بما فيها SA-2 وSA-3 وSA-5) مع كثافة نارية مدفعية من المضادات الارضية من نوع الشيلكا التي اجبرت الطائرات المغيرة علي تغيير ارتفاعاتها والهروب، إلا أنها فشلت في إسقاط العديد من الطائرة الامريكية بسبب الاعماء الرداري من التشويش الكبير وإطلاق صواريخ هارم وشرايك المضادة للرادارات التي كانت أحدث التكنولوجيا وقتها.
وعندما سنحت الفرصة تم أسقطت طائرة قاذفة أمريكية من طراز F-111F فوق بحر طرابلس ومصرع طاقمها.
وهاهي احد اعترفات الطيارون الامريكان المشاركون الذين خاضوا حتي مهام قتالية في فيتنام واعترفوا بأن نيران المدفعية الليبية لم تكن بكثافة ما عايشوه فوق هانوي، لكن صواريخ طرابلس كانت أشد خطورة.
فيروي أحد الطيارين انه ومع تقدم الغارة ازداد كثافة الصواريخ والمدفعية، وأقول إنني حصلنا على مؤشرات نشاط صاروخي وبدأنا المناورات للهروب، وارتفعنا إلى 1200 قدم فأُقفل علينا موقع SA-3 فوراً، وتم أطلقوا صاروخَين على الأقل نحونا، فكنت أصرخ للطيار أن ينخفض ويحرّك الطائرة، ففعل، لكن ليس قبل أن يمر أحد الصاروخَين مباشرة خلفنا وينفجر، لم أرَ شيئاً يتحرك بهذه السرعة في حياتي.
كشفت هذه الغارة العيوب القاتلة في المنظومة الليبية، فالحرب الإلكترونية الأمريكية شلت الرادارات الليبية قبل أن تتمكن من التوجيه، وصواريخ HARM دمرت الرادارات التوجيهية خاصة رادار Square Pair لمنظومة SA-5 الذي أصبح هدفًا رئيسيًا، مما جعل من المستحيل على الأطقم الليبية إعادة تشغيل الرادارات البديلة في الوقت المناسب.
* الصراع التشادي الليبي (1980-1987):
وفرت الوحدات المتنقلة (سام 6، سام 7، والشيلكا) التغطية الجوية للقوات البرية في القواعد الجنوبية ومناطق اوزو وادي دوم وفايا لارجو وإيتو والسارة، وأسقطت الوحدات طائرة "جاغوار" فرنسية في أم شعلوبة عام 1984، لكن للاسف تم خسارة بطاريتين من منظومة SA-8 كاملتين في معركة وادي دوم عام 1987 نتيجة غياب الإنذار المبكر والهجوم البري المفاجئ.
التحليل العسكري وعوامل الأداء:
بعد عقدين من المواجهات، من خليج سرت إلى تشاد، تبلورت الدروس المستفادة وكشفت التجربة الميدانية الطويلة لقوات الدفاع الجوي عن عوامل متباينة أثرت في الأداء العام للمنظومة:
* عوامل القوة والنجاح: تميزت الشبكة بكثافة عددية هائلة وتنوع طباقي يغطي كافة الارتفاعات، وأظهرت رادارات VHF السوفيتية مقاومة جيدة للتشويش الإلكتروني الأمريكي بسبب طول موجتها، كما أبدى المقاتل الليبي شجاعة وبراعة تكتيكية فردية في المناورة بالترددات وإطفاء الرادارات لخداع الصواريخ المضادة للإشعاع الراداري.
* الثغرات البنيوية واللوجستية: واجهت المنظومة عجزاً في التكامل التقني اللحظي الآلي بين الرادارات وبطاريات الصواريخ، حيث اعتمدت الأطقم على التحويل اليدوي البطيء للمعلومات، كما تسبب دمج المعدات السوفيتية والفرنسية والإيطالية في تعقيد عمليات الصيانة وتوفير قطع الغيار، وأثر الاعتماد على المستشارين الأجانب على سرعة نضج الكفاءة التشغيلية المستقلة للأطقم المحلية تحت ظروف الحرب الإلكترونية الشاملة والقيادة المركزية المتصلبة.
* الحرب الإلكترونية هي سيدة المعركة الحديثة: أثبتت صواريخ HARM الأمريكية أنها قادرة على شل أي منظومة دفاع جوي، حتى SA-5 العملاقة.
* مواقع الدفاع الثابتة هي أهداف سهلة: توزيع البطاريات الصاروخية الليبية في مواقع ثابتة ومعروفة جعلها فريسة سهلة للطائرات الأمريكية.
كانت هذه الدروس قاسية ولكنها ضرورية، فترسانة ليبيا الصاروخية في ذروة قوتها كانت كفيلة بجعل أي طيار معادٍ يفكر ألف مرة قبل انتهاك مجالها الجوي.
لكن القيادة المركزية المفرطة وضعف التنسيق بين فروع القوات المسلحة المختلفة، والاعتماد على الكم دون الكيف، كلها عوامل حولت هذه الترسانة الهائلة إلى درع مثقوب.
التوقف :
ومع بداية التسعينيات، بدأت ليبيا في إعادة هيكلة قواتها الجوية والدفاع الجوي، بالتركيز على الأنظمة المتنقلة أكثر من الثابتة، ومحاولة تطوير قدرات الحرب الإلكترونية، وإن كانت العقوبات الدولية وانهيار الاتحاد السوفيتي قد جعل هذه المحاولات بطيئة ومحدودة جدا.
تجمدت كافة الصفقات الخارجية لتطوير والتحديث بعد قرار الحصار العسكري الشامل بداية التسعينيات وبقت القدرة علي مامتوفر من معدات ومنظومات فقط وكافح الرجال لبقائها تعمل لحماية السماء من اي اختراق ونجحوا بذلك حتي سنة 2011 بالرغم من التطور الهائل الذي حدث خلال السنوات مابعد التسعينات بعالم الدفاع الجوي.
إرث الدفاع الجوي الليبي:
بين عامي 1970 و1990، امتلكت ليبيا واحدة من أضخم شبكات الدفاع الجوي في أفريقيا والعالم العربي.
ورغم كل المواجهات وان حدثة بعض الإخفاقات والضربات القاسية من خليج سرت وحتي تشاد، فإن رجال الدفاع الجوي الليبي خاضوا مواجهات مباشرة مع القوات الجوية والبحرية للولايات المتحدة وفرنسا وبقيت دول الحلف بتشاد، وشكلوا جيلًا عسكريًا محترفًا عمل في الرادارات والصواريخ والقيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية.
بقيت تلك المرحلة شاهدًا على زمن كانت فيه السماء الليبية محروسة بعشرات الألوية وآلاف الصواريخ والرادارات والرجال الذين سهروا في مواقع معزولة على الساحل والصحراء دفاعًا عن السيادة الليبية.
وبشهادة أعدائهم، كانوا ندًّا قويًا بلا منازع، وأجبروا الأسطول السادس وأحدث طائراته على التفكير جيدًا قبل الإقلاع باتجاه أراضينا.
فلم يكن الدفاع الجوي الليبي مجرد سلاح، بل كان حلم أمة أرادت أن تصنع درعها بنفسها، في زمن كان فيه حلم السيادة الجوية هو حلم كل دولة نامية في خضم الحرب الباردة.
ومهما قيل عن الإخفاقات، يبقى رجال الدفاع الجوي الليبي الذين عاشوا تلك الفترة من آلاف الضباط والفنيين المجهولين الذين أداروا الرادارات وأطلقوا الصواريخ، هم أبطال هذه القصة، بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات، من تحديات وإنجازات، في واحدة من أكثر الصفحات إثارة في التاريخ العسكري الحديث للعالم العربي.
الخاتمة:
نتوجه بأسمى عبارات التقدير والامتنان إلى كافة الأطقم العسكرية والفنية بجميع صنوفها بوحدات الدفاع الجوي ونقدر جهودكم المخلصة وتضحياتكم المستمرة في حفظ أمن الوطن وحماية سيادته.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد شهداء الواجب والأموات بواسع رحمته وغفرانه, وأن يسكنهم فسيح جناته جزاء بطولاتهم وتضحياتهم.
وندعو الله تبارك وتعالى أن يمن على الأحياء منكم بموفور الصحة وتمام العافية, وأن يسدد خطاكم ويديم عطاءكم لخدمة البلاد.
مع تحيات AL-TOMMY CENTER.