الدعوة إلى الله

الدعوة إلى الله وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا
(1)

21/12/2025

ماذا قدمتَ لحياتِك؟!


قال الله تعالى: ﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [الفجر: 24]، من الذي يقول؟ وما المقصود بالحياة؟ وماذا يُقدِّم لها الإنسان؟ هل المشاريع التجارية؟ أم الأموال أم الزروع والحرث، وما إلى ذلك؟

لا، أبدًا… يَقُولُ هذا الإنسان الشقي: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي؛ أي: يقول حين يرى العذاب ماثلًا أمامه -على سبيل التحسُّر والتفجُّع-: يا ليتني قدمت أعمالًا صالحةً في وقت حياتي في الدنيا؛ لأنتفع بها في حياتي في الآخرة، فالحياة المقصودة حياة الآخرة، فهي الحياة الحقيقية؛ أي: لا موت فيها -حياة كاملة من كل وجه، مُستقِرَّة دائمة- قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ [العنكبوت: 64].

أنت في حياة عمل ومراقبة واختبار وابتلاء، وموت وهرم، ومرض، وفقر وغنى… حياة معبر، كراكب استظلَّ تحت ظل شجرة، ثم ذهب وتركها.

قال بعض الشعراء الحكماء:

لا طيب للعيش مادامت مُنغَّصة
لذاته بادِّكار الموت والهرم

وفي الآخرة سيكون هناك إمَّا جنَّة أو نار -والعياذ بالله- فمن قدم لحياته -في الآخرة- وعمل لها وأطاع اللهَ ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ سيكون بإذن الله في الجنَّة، ومن أعرض عن ذكر الله وأشغلته دنياه وأمواله وأولاده؛ سيُحشَر أعمى، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾[طه: ١٢٤-١٢٦]، وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [المنافقون: 9].

حينئذٍ يندم على ما سلف منه من المعاصي إن كان عاصيًا، ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعًا -ولا ينفعه ذاك الندم- فكن كيِّسًا فطنًا ولا تكن كيس قطن- قال صلى الله عليه وسلم: ((الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت)).

وهذه بعض الأمثلة من الأعمال الصالحة التي تكون موافقة للشرع، ويكون صاحبها مُخلصًا لربِّه تبارك وتعالى، فتنفعه بإذن الله في آخرته، وقد عرف شيخ الإسلام العبادة بأنها: " اسم جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة"، وهي متنوعة وكثيرة، ولا يمكننا حصرها فضلًا عن تعدادها، لكننا نذكر منها:

1- الإيمان بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشره.

2- والصلوات الخمس لوقتها.

3- والحج المبرور الذي يكون من مالٍ حلالٍ مبتعدًا فيه عن الفسق والإثم والجدال، والصيام والزكاة.

4- بِرّ الوالدين.

5- قراءة القرآن.

6- المداومة على الطاعات وإنْ قلَّت.

7- أداء الأمانة.

8- العفو عن الناس.

9- الصدق في الحديث.

10- النفقة في سبيل الله سواء على الوالدين والفقراء والمساكين والمحتاجين، وفي بناء المساجد، وفي طباعة المصاحف والكتب الإسلاميَّة، والنفقة على الأهل والأولاد.

11- أن يسلم المسلمون من لسانه ويده (وذلك بالكفِّ عن الغيبة والنميمة والقذف والسبِّ واللعن).

12- إطعام الطعام.

13- إفشاء السلام.

وغير ذلك كثير.

عن أبي ذَرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: ((الإيمان بالله))، قلت: يا رسول الله، إن مع الإيمان عملًا، قال: ((يرضخ مما رزقه الله)) (ومعنى الرضخ هو العطاء)، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: ((يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر))، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: ((يصنع لأخرق))؛ (وهو الجاهل الذي لا صنعة له يكتسب منها)، قلت: أرأيت إن كان أخرق لا يستطيع أن يصنع شيئًا؟ قال: ((يعين مظلومًا))، قلت: أرأيت إن كان ضعيفًا لا يستطيع أن يعين مظلومًا؟ قال: ((ما تريد أن تترك في صاحبك من خير!ليمسك أذاه عن الناس))، فقلت: يا رسول الله، إذا فعل ذلك دخل الجنة؟ قال: ((ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة))؛ صحَّحه الألباني في الترغيب (876).

21/12/2025

تفسير: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ...)

♦ الآية: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.

♦ السورة ورقم الآية: آل عمران (179).

♦ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أنتم عليه ﴾ أَيُّها المؤمنون من التباس المنافق بالمؤمن ﴿ حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ أَيْ: المنافق من المؤمن ففعل ذلك يوم أُحدٍ لأنَّ المنافقين أظهروا النِّفاق بتخلُّفهم ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ فتعرفوا المنافق من المؤمن قبل التَّمييز ﴿ ولكنَّ الله ﴾ يختار لمعرفة ذلك مَن يشاء من الرُّسل وكان محمَّد ممَّن اصطفاه الله بهذا العلم.

♦ تفسير البغوي "معالم التنزيل": قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾، اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَكَ فَهُوَ فِي النَّارِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ عَلَى دِينِكَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ، فَأَخْبِرْنَا بِمَنْ يُؤْمِنُ بِكَ وَبِمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِكَ، فَأَنْزَلَ الله تعالى هذه الآية، وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي فِي صُوَرِهَا فِي الطين كما عرضت عَلَى آدَمَ، وَأُعْلِمْتُ مَنْ يُؤْمِنُ بِي وَمَنْ يَكْفُرُ بِي»، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالُوا اسْتِهْزَاءً: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرُ مِمَّنْ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَنَحْنُ مَعَهُ وَمَا يَعْرِفُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ طَعَنُوا فِي عِلْمِي لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ»، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «حُذَافَةُ»، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا وَبِكَ نَبِيًّا فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»؟ ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هذه الْآيَةِ وَنَظْمِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْخِطَابُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي: مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَقَالَ قَوْمٌ: الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ، معناه: وما كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِ بِالْمُنَافِقِ، فَرَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الْخِطَابِ، حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الياء وتشديدها وَكَذَلِكَ الَّتِي فِي الْأَنْفَالِ، وَقَرَأَ الباقون بالتخفيف، يُقَالُ: مَازَ الشَّيْءَ يَمِيزُهُ مَيْزًا وميّزه تمييزًا إذا فرّقه وامتاز، وانماز هُوَ بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو مُعَاذٍ: إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، قُلْتَ: مِزْتُ مَيْزًا فَإِذَا كَانَتْ أَشْيَاءَ، قُلْتَ: مَيَّزْتُهَا تَمْيِيزًا، وَكَذَلِكَ إِذَا جَعَلْتَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ شَيْئَيْنِ قُلْتَ: فَرَقْتُ بِالتَّخْفِيفِ، وَمِنْهُ فَرْقُ الشَّعْرِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ أَشْيَاءَ، قُلْتَ: فَرَّقْتُهُ تَفْرِيقًا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى يُمَيِّزَ الْمُنَافِقَ مِنَ الْمُخْلِصِ، فَمَيَّزَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حيث أظهروا النفاق فتخلّفوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: حَتَّى يَمِيزَ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ يَا مَعْشَرَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ من في أصلابكم وأرحام نساءكم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ وَهُوَ الْمُذْنِبُ مِنَ الطَّيِّبِ وهو المؤمن، يعني: حتى تحط الْأَوْزَارَ عَنِ الْمُؤْمِنِ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ نَكْبَةٍ وَمِحْنَةٍ وَمُصِيبَةٍ، ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ أَحَدٌ غير الله، ﴿ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ ﴾ فَيُطْلِعُهُ عَلَى بَعْضِ عِلْمِ الْغَيْبِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26- 27]، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ اجْتَبَاهُ، ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.



تفسير القرآن الكريم

21/12/2025

من كان الله جل جلاله معه فقد سعد وفاز

وقد قسَّم أهل العلم المعيةَ إلى قسمين:

المعيَّة العامَّة لجميع الخلق: وتقتضي الإحاطة والعلم والسمع والبصر؛ قال الله عز وجل: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4]، وقال الله عز وجل: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ [المجادلة: 7].



ومن فوائد الإيمان بهذه المعيَّة: أنه يوجِب على العبد كمالَ المراقبة لله، المثمرةِ لإحسان العمل، واجتناب المعاصي؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: إذا علمنا ذلك وآمَنَّا به، فإنَّ ذلك يوجب لنا كمالَ مراقبته؛ بالقيام بطاعته، وتَرْك معصيته، بحيث لا يفقدنا حيث أَمَرَنا، ولا يجدنا حيث نَهَانا، وهذه ثمرة عظيمة لمَن آمَنَ بهذه المعيَّة.



وقال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين رحمه الله: فإذا آمَن بأنَّ الله معه؛ أي: عالمٌ به ومطَّلع عليه ورقيب على أعماله، فإنَّ ذلك يحمله على مراقبة الله، وعلى خوفه، وعدم الخروج عن طاعته، وعدم ارتكاب شيء من معاصيه... ويحمله هذا على إصلاح الأعمال وعدم إفسادها، وعلى الإكثار من الحسنات والبعد عن السيئات، هذه فائدةُ الإيمان بالمعيَّة.



وقال الشيخ صالح فوزان الفوزان: فمَن عَلِمَ ذلك استَوَت علانيتُه وسريرته؛ فهابَهُ في كلِّ مكان.

أما مَن ضَعُف إيمانه، وقلَّ يقينُه، فإنَّ مخافةَ الخلق عنده أعظمُ في نفسه مِن مخافة الله جل جلاله، فهو يستخفي بقبائحه من الناس، ويجاهر اللهَ بها، وهو مطَّلع عليه، عالم بما في نفسه؛ قال الله عز وجل: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ﴾ [النساء: 108]، فليحذر العبد من هذا؛ فالله مطَّلع عليه، لا تخفى عليه خافية.



المعية الثانية: المعيَّة الخاصَّة لأنبيائه وأهل طاعته، وتقتضي النصر والتأييد، والعناية والتوفيق.

وهذه المعية مَن نالها فلها آثار؛ منها:

زوال خوف البشر من قلبه، وثباته وقوَّته في الشدائد؛ قال الله عز وجل: ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ [طه: 45، 46]؛ قال الإمام الشوكانيُّ رحمه الله: فمَن كان الله معه، لم يخش من الأهوال وإن كانت كالجبال.



وقال العلامة محمد العثيمين رحمه الله: المعيَّة خاصة... هذه المعية توجب لمَن آمَنَ بها كمالَ الثبات والقوَّة.

وقال الشيخ صالح عبدالعزيز آل الشيخ: مَن كان الله معه، فالخوف منه بعيد، وكذلك الأذى بعيد عنه بمراحل.



ومنها: أنْ لا غالب له، ومن لا يُغلَب فإنَّه لا يحزن؛ قال الله عز وجل: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: مَن كان الله معه، فلا غالب له.



قال الإمام الشوكاني رحمه الله: مَن كان الله معه فلن يُغلَب، ومَن لا يغلب فيحقُّ له ألا يحزن.

وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: مَن كان الله معه فلن يُغلَب، ومَن لا يُغلَب لا يحقُّ له أن يحزن.



وعدم الحزن يشمل ما وقع مِن أمورٍ تجلِب الهموم، وما سيقع؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: قوله: ﴿ لَا تَحْزَنْ ﴾ [التوبة: 40] نهي يشمل الهمَّ مما وقع وما سيقع.

ومنها: حصول السعادة الأبديَّة له؛ قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله: مَن كان الله معه، حصل له السعادة الأبديَّة.



كل إنسان يحبُّ أن يكون الله معه، فمَن رام هذه المعيَّة، ونيل هذه الفضائل، فليجاهد نفسه أن يتحلَّى بالصفات التي وردت النصوص بأن الله جل جلاله مع مَن اتصف بها، ومنها:

الإيمان بالله:

قال الله عز وجل: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 19]، والمقصود مَن آمن إيمانًا كاملًا، ظَهَر أثرُه الواضح عليه في عبادته وأخلاقه، وأقواله وأفعاله؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: المراد بذلك أهل الإيمان الكامل.



الصبر:

قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]، وقال الله عز وجل: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، وقال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249].



والصبر يشمل الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، ومتى عَلِم الصابر ما في الصبر من الفضائل والثمرات - ومِن أجلِّها معيةُ الله له بالنصر والتأييد، والإعانة والتوفيق - هان عليه الصبرُ على جميع ذلك؛ قال العلامة ابن القيم رحمه الله: قال أبو علي: فاز الصابرون بعزِّ الدارين؛ لأنهم نالوا من الله معيَّته.



وقال الإمام الشوكانيُّ رحمه الله: هذه المعيَّة التي أَوْضَحها الله بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153] فيها أعظم ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب.



التقْوى:

قال الله عز وجل: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36]، وقال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 123]، وقال الله عز وجل: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 194]؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: إخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.



الإحسان:

قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، وقال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]؛ قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله: والله مع المتقين المحسنين بعونه وتوفيقه وتسديده.



ومعية الله الخاصة تتفاضل، وكلَّما زادت تلك الأوصاف في العبد ازدادت معيَّة الله جل جلاله له؛ فالناس ليسوا سواء في مقدار إيمانهم، وإتيانهم لجميع شُعَبِه وخِصَاله، وليسوا سواء في اتقائهم لما يحُول بينهم وبين عذاب الله، وليسوا سواءً في إحسانهم في عبادة الله، وفي إحسانهم في معاملة الخَلْق، وليسوا سواءً في صبرهم على طاعة الله، وفي صبرهم عن محارم الله، وفي صبرهم على أقدار الله المؤلمة، فحفظ الله جل جلاله لهم يتفاضل بتفاضل أعمالهم، وكلما زاد إيمانهم وتقواهم وإحسانهم وصبرهم، ازدادت معيَّة الله جلَّ جلاله لهم؛ فالحُكْم - كما قال أهل العلم - إذا عُلِّق على وصف، ازداد بزيادةِ ذلك الوصف، ونقَص بنَقْصِه.



أسأل الله بكَرَمِه وجوده ورحمته أن نكون ممن كمَلَت فيهم تلك الصفاتُ فنفوز فوزًا عظيمًا، ونسعد سعادةً دائمةً.

21/12/2025

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾
[النساء: 147].


آية تخاطب كل إنسان، سماعها وتأمُّلها وتدبُّرها ودراستها، فيه رحمة للإنسان، واستبيان، وتذكير بالمنهج الذي يجب أن يتبعه الإنسان ويمارسه؛ حتى يكون على النهج الصحيح والصراط السويِّ.



منهج وفعل يجنِّب الضالَّ والغافل عنه، إن اهتدى إليه، وأدركه الشقاء والعذاب في الآخرة؛ بل ويضمن له حياة طيبة مطمئنَّة، بعيدة عن الضلال والعذاب.



آية تشير إلى قيمة وأهمية ومحوريَّة فعل الشكر في الانتقال بالإنسان إلى حالة الإيمان الحق الصادق، بالسعي إلى إظهار وتبيان وتجلية وذكر آيات الله ونعمه.



وتأمُّلها والتفكر فيها، والإقرار والاعتراف، والتصديق المتواصل والمتجدِّد والمتنامي والواعي والصادق، بعظمة قدرة هذا الإله الحق، الواحد الأحق بالعبادة.



إذًا؛ فعل الشكر يضمن للإنسان الإيمان الحق ويعزِّزه ويقوِّيه فيه، ويباعده عن الريب والكفر والضلال.

إذًا؛ هي آية تعلِّمنا كيف نكون مؤمنين عابدين متفكِّرين ذاكرين صادقين؟

إذًا؛ هي آية توجِّهنا إلى فعل الشكر الذي فيه نجاة من العذاب، واقتراب العبد إلى خالقه بالذكر والتذكُّر والرؤية لنعم الحق سبحانه وآياته، وما يستتبعها من عمل صالح وإيمان صادق.

إذًا؛ فالشكر دأب المؤمن؛ فذلك عمله وسعيُه.

17/12/2025

تفسير آية: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*... ﴾


بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 1 - 11].



الغَرَض الذي سِيقَتْ له هذه الآيات: بيان أفعال الخير المورثة للفردوس.



مناسبتها لما قبلها: أنه لما أمر في ختام السورة السابقة ببعض أفعال الخير المورثة للفلاح - وعلى رأسها الصلاة - ذكر في أول هذه السورة أفعال الخير المورثة للفردوس وبدأها بالصلاة، فقال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾.



و﴿ قَدْ ﴾ في قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ للتحقيق وإفادة ثبوت ما كان يتوقع ثبوته من قبل.



ومعنى ﴿ أَفْلَحَ ﴾ فاز ونجا وسلم.



ومعنى: ﴿ خَاشِعُونَ ﴾؛ أي: متواضعون خائفون ساكنون، غاضُّو الأبصار، واجفو القلوب.



وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾؛ أي: والذين هم مُنصرفون عما لا يجلب لهم خيرًا في دينهم أو دنياهم، واللغو: الباطل.



قال بعض العلماء: وهو يشمل الشرك.

وقال بعضهم: المراد باللغو هنا المعاصي.



وقال آخرون: المراد باللغو هنا كل ما كان حرامًا أو مكروهًا أو مباحًا لم تدع إليه ضرورة ولا حاجة من الكلام وغيره؛ كاللعب والهزل وما يُخل بالمروءة.



وقد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾:

فذكر أكثر أهل العلم أن المراد بالزكاة هنا زكاة المال، وإن كانت هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، لكن هؤلاء الأكثرين يقولون: إن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة قبل الهجرة، بدليل قوله تعالى في سورة الأنعام - وهي مكية -: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ [الأنعام: 141]، فالذي فرض بالمدينة هي الزكاة ذات الأنصبة والمقادير الخاصة.



وقال بعض أهل العلم: المراد بالزكاة هنا زكاة النفس من الشرك والدنس؛ كقوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وكقوله تعالى: ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ [فصلت: 6، 7؛ على أحد القولين في تفسيرها.



قال ابنُ كثير رحمه الله: وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه مِن جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا.



قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾؛ أي: والذين هم صائنون لفروجهم عن كل محرم، ولا يتناولون بها إلا ما أذن الله لهم فيه من زوجة أو سرية؛ إذ قد أبيح لهم التمتع بأزواجهم وسراريهم.



فمن تناول بفرجه غير زوج أو سرية وطلب منكحًا خلاف ذلك، فأولئك هم المتجاوزون الحد، المستحقون للعقوبة.



وقوله: ﴿ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ لا يشمل تمتع المرأة بمملوكها بالإجماع.



وقد ذكر ابن جرير رحمه الله - بسند غريب منقطع من طريق قتادة - أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله: ﴿ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾، فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له ناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأولت آية من كتاب الله عز وجل على غير وجهها، قال: فضرب عمر العبد وجزَّ رأسه، وقال للمرأة: أنت بعده حرام على كل مسلم.



وقد استدل الشافعي وغيره على تحريم استمناء الرجل بيدِه بهذه الآيات الكريمة، وقالوا: هذا الصنيع خارج عن هذين القسمين.



وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾؛ أي: والذين هم لكل ما يوثقون عليه، ويوضع بين أيديهم ويعهد إليهم به ويعقد معهم فيه - سواء كان بينهم وبين الله أو بينهم وبين الناس أو بينهم وبين أنفسهم - فهم يحافظون عليه ولا يخونون فيه.



وهذه الآية تشمل جميع الصلات بين الخلائق بعضها مع بعض، كما تشمل جميع صلات العبد بربه، فهي تنتظم مصالح الدنيا والآخرة.



وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾؛ أي: يؤدونها في مواقيتها، ويحافظون على تمام ركوعها وسجودها، وقد افتتح أفعال الخير هذه بالصلاة واختتمها بالصلاة؛ لأنها عماد الدين وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.



وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾؛ أي: أولئك المتَّصِفون بهذه الصفات هم المستحقون للفردوس، وهو أعلى الجنة وأوسطها، وسقفه عرش الرحمن؛ كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن)).



الأحكام:

1 - استحباب الخضوع في الصلاة.

2 - كراهة الحركات فيها لا سيما التي لا داعي لها.

3 - كراهة دخول الإنسان فيما لا يَعنيه.

4 - وجوب إيتاء الزكاة.

5 - وجوب صيانة الفروج عن غير زوج أو أَمَة.

6 - وجوب حفظ الأمانات وتحريم الخيانة.

7 - تحريم الغدر.

8 - تحريم نكث العهد.

9 - وجوب المحافظة على مواقيت الصلاة وركوعها وسجودها.

10 - استحباب المحافظة على هيئة الصلاة.

17/12/2025

تفسير آية:
﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾

قال تعالى: ﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النور: 1].



نزلت هذه السورة بعد غزوة بني المصطلق (غزوة المريسيع) في شعبان من السنة السادسة - أو الخامسة أو الرابعة - من الهجرة.



والغَرَض الذي سِيقَتْ له السورة:

رسم الخطط المثلى لصيانة المجتمع من الانحلال الخُلقي.



والغَرَض الذي سِيقَتْ له هذه الآية: الإشارة إلى ما اشتملت عليه السورة من الأحكام الجليلة، والقواعد العظيمة، والحكم النافعة على سبيل الإجمال.



ومناسبة هذه السورة للسورة التي قبلها:

أنه لما أشار في السورة السابقة إلى أعمال الكفار الخبيثة بقوله: ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ [المؤمنون: 63]، واستطرد في وصف بعض أعمالهم، ذَكَر في هذه السورة نوعًا من أعمالهم الخبيثة، وهو إكراههم فتياتهم على البغاء.



ومناسبة الآية لما قبلها:

أنه لما أمر في ختام السورة السابقة بطلب المغفرة والرحمة، أردَفَهُ ببيان سبب المغفرة والرحمة والإرشاد والتذكرة.



وقوله: ﴿ سُورَةٌ ﴾ بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذه سورة، وإنما أشير إليها مع عدم سبق ذكرها؛ لأنها لشرفها في حكم الحاضر المشاهد، والسورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة، ومنه قول الشاعر:

أَلَمْ تَرَ أنَّ الله أعطاك سُورةً *** ترى كل ملكٍ دونها يَتَذَبْذَبُ



وفي الاصطلاح: اسم لطائفة مخصوصة مِن كتاب الله عز وجل، وإنما سُميتْ سورة لاشتمالها على ما يرفع قدر مَن يتمسك بها.



والتنوين في (سورة) للتعظيم.



وقوله: ﴿ أَنْزَلْنَاهَا ﴾ مع تكرير ذلك في قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا فِيهَا ﴾ للدلالة على خطر ما اشتملت عليه من القواعد الجليلة، وللإشارة إلى أن براءة عائشة والشهادة بطهرها منزَّلة من ذي العرش العظيم.



وقوله: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ - بتخفيف الراء - أي: قدرنا وفرضنا حدودها وأحكامها.



وقرئ بتشديد الراء على معنى: أنزلنا فيها فرائض كثيرة أو فصلناها وبيَّنَّاها.



والمراد بـ(الآيات البينات): الأحكام والمواعظ، والأمثال الواضحة التي لا لبس فيها ولا إشكال، وقد ذكرت في هذه السورة كثير من الأحكام؛ كحد الزنا، وحكم نكاح الزناة، وحد القذف، واللعان، وموقف المسلم من الإشاعات الضارة بالمسلمين، والحلف على ترك الخير، وحكم الاستئذان، وغض البصر، وستر العورة، وإنكاح الأيامى، واستعفاف مَن لم يجد نكاحًا، ومكاتبة الأرقاء، وإكراه الفتيات على البغاء، إلى غير ذلك من الأحكام، كما ذكرت في هذه السورة كثير من الأمثال، فمثَّل لنور الله، وضرب لأعمال الكافرين مثلًا، إلى غير ذلك.



وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ تعليل لما قبله، ومعنى تذكرون تتَّعِظون، وأصلها تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا.



الأحكام:

1- استحباب تعليل الأحكام.

2- ينبغي للمسلمين أن يكونوا على ذكر من هذه السورة.

3- يستحب إشاعة أحكامها بين النساء والرجال.

4- فرائض هذه السورة من آكد الفرائض وأخطرها.

5- إثبات علو الله عز وجل.

17/12/2025

تفسير: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)

♦ الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾.

♦ السورة ورقم الآية: النور (4).

♦ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ ﴾ بالزِّنا ﴿ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ الحرائر العفائف ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا ﴾ على ما رموهنَّ به ﴿ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾ أَيْ: يشهدون عليهنَّ بذلك ﴿ فَاجْلِدُوهُمْ ﴾ أَي: الرَّامين ﴿ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ يعني: كلَّ واحدٍ منهم ﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ﴾ لا تُقبل شهادتهم إذا شهدوا لأنَّهم فسقوا برمي المحصنات إلاَّ أن يرجعوا ويُكذِّبوا أنفسهم ويتركوا القذف فحينئذ تُقبل شهادتهم.

♦ تفسير البغوي "معالم التنزيل": قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ﴾، أَرَادَ بِالرَّمْيِ الْقَذْفَ بِالزِّنَا وَكُلُّ مَنْ رَمَى مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً بِالزِّنَا، فَقَالَ لَهُ: زَنَيْتَ أَوْ يَا زَانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ جلد ثمانين، إِنْ كَانَ حُرًّا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَيُجْلَدُ أَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، فَعَلَى الْقَاذِفِ التَّعْزِيرُ وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ خَمْسَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعِفَّةُ مِنَ الزاني حَتَّى أَنَّ مَنْ زَنَى مَرَّةً فِي أَوَّلِ بُلُوغِهِ ثُمَّ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ وَامْتَدَّ عُمْرُهُ فَقَذَفَهُ قَاذِفٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَقَرَّ الْمَقْذُوفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا أَوْ أَقَامَ الْقَاذِفُ أَرْبَعَةً مِنَ الشُّهُودِ عَلَى زِنَاهُ سَقَطَ الْحَدُّ على الْقَاذِفِ لِأَنَّ الْحَدَّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ وَقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ﴾ أَيْ: يَقْذِفُونَ بِالزِّنَا الْمُحْصَنَاتِ يَعْنِي الْمُسْلِمَاتِ الْحَرَائِرَ الْعَفَائِفَ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلَى زناهم فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً، أَيْ: اضْرِبُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً. ﴿ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ﴾.

تفسير القرآن الكريم

17/12/2025

تفسير آية: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ... ﴾


قال تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: 2].



الغَرَض الذي سِيقَتْ له الآية: بيان حد الزناة.



ومناسبتها لما قبلها: أنه لما أشار إلى ما اشتملت عليه السورة من الأحكام، شرع في تفصيل هذه الأحكام، وبدأ بحكم الزنا؛ لشدة خطره وعظيم ضرره.



والزاني هو: المجامع امرأة لا تحلُّ له من غير شبهة.



والزانية هي: التي مكَّنت رجلًا من جماعِها دون نكاح أو حق أو شبهة، وإنما قُدِّمت الزانية على الزاني؛ لأن داعيتها أقوى لقوة شهوتها ونقصان عقلها؛ ولأن زناها أشد فحشًا وأكثر عارًا؛ ولأنها لو عصت الرجل لسلِمت وسلِم، وإنما قدم الرجل في السرقة؛ لأن الغالب وقوعها من الرجال؛ إذ هم أجرأ عليها، وقد قدم الرجل في الآية التالية؛ لأنها مسوقة لبيان حكم نكاح الزناة، والرجل أصل فيه؛ إذ منه يبدأ.



وقوله تعالى: (الزانية) مبتدأ، وخبره (فاجلدوا)؛ عند الأخفش والفراء والمبرد والزجاج.



ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الأمر مضارع للشرط في أن فعل كل منهما مستقبل، أو لأنَّ المبتدأ - وهو (الزانية) - على معنى التي تزني، والموصول شبيه بالشرط في أن كلًّا منهما يفيد العموم، فتدخل الفاء في خبره.



وذهب سيبويه إلى أنَّ الخبر محذوف، تقديره: مما يتلى عليكم، وعلى هذا ففي الكلام حذف، تقديره: حكم الزانية والزاني مما يُتلى عليكم.



وسببُ الخلاف: أن سيبويه يشترط أن يكون المبتدأ الذي تدخل الفاء في خبره موصولًا بما يقبل أداة الشرط لفظًا أو تقديرًا، واسم الفاعل واسم المفعول لا يجوز أن تدخل عليهما أداة الشرط.



أما عند غيره فلا يشترط هذا؛ فسيبويه يشترط في دخول الفاء على خبر المبتدأ أن يكون المبتدأ موصولًا بما يقبل أداة الشرط لفظًا أو تقديرًا، واسم الفاعل كالزاني مثلًا، واسم المفعول كالمضروب مثلًا، لا يقبلان أداة الشرط لا لفظًا ولا تقديرًا، فإن سيبويه يشترط في دخول الفاء على خبر المبتدأ أن يكون المبتدأ موصولًا، صلته فعل أو ظرف، أو أن يكون اسمًا نكرة موصوفة، صفتها فعل أو ظرف؛ إذ الفعل أو الظرف يقبلان أداة الشرط بخلاف الموصول الذي هو اسم فاعل أو اسم مفعول، فإن صلته صريحة لا فعل ولا ظرف، وكأن سيبويه لا يرى عمومية الموصول، وأنه شبيه بالشرط إلا أن تكون صلته فعلًا أو ظرفًا.



ومعنى ﴿ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾؛ أي: فاضربوا، وأصيبوا جلد كل واحد منهما مائة ضربة بالسوط، يقال: جلده إذا ضرب جلده، كما يقال: رأسه إذا أصاب رأسه، وهذا مطَّرد في أسماء الأعيان الثلاثية العضوية.



وهذه الآية ناسخة لما كان يصنع بالزناة في أول الأمر من حبس النساء بالبيوت حتى يتوفاهنَّ الموت، وإيذاء الرجال.



وظاهرُ قوله: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ يشمل بعمومه كل مَن جُومعت أو جامع مِن غير حق ولا شبهة، سواء كان ثيبًا أم بكرًا، وسواء كان حرًّا أم عبدًا، وسواء كان صبيًّا أم بالغًا، وسواء كان مسلمًا أم كافرًا، وسواء كان عاقلًا أو مجنونًا، وسواء كان مختارًا أم مكرهًا، فيكون جلد المائة حدًّا للجميع، لكن الإجماع منعقد على إخراج الصبي والمجنون من ذلك.



وكذلك أجمع الصحابة رضي الله عنهم وأئمة المسلمين وسائر أهل الحق على أن المحصن (وهو مَن وطئ في نكاح صحيح حال كونه حرًّا بالغًا عاقلًا، ويعبر عنه بالثيب) إذا ثبت زناه، فإنه يرجم حتى الموت، وسندهم في ذلك السنة القطعية، فقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرجم الثيب الزاني، وقد رجم ماعزًا والغامدية، وأمر برجم المرأة التي زنا بها العسيف، ورجم اليهوديينِ، كما رجم الجهنية.



وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث مالك أن ابن عباس قال: "قام عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ، أيها الناس، فإن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمانٌ أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق على مَن زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو الحَبَلُ أو الاعتراف".



وقد روى الزُّهري بإسناده عن ابن عباس أنَّ عمر قال: "قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، وقد قرأنا: (الشيخ والشيخة إذا زَنَيَا فارجموهما ألبتة)، فرجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده".



وكذلك أجمع أهلُ العلم على أن الأَمَة إذا زَنَتْ بعد أن تتزوج، فحدُّها خمسون جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ [النساء: 25]، أما إذا زَنَتْ وهي بكر، فكذلك عند جماهير أهل العلم على أن القَيد في الآية لا مفهوم له.



وزَعَمَ بعضُ الظاهرية أنها تُجلد مائة إذا كانت بكرًا، بدعوى أن قوله: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ [النساء: 25] يُشعر بذلك، وحكم العبد كالأَمَة عند جمهور أهل العلم؛ لأنه لا فرق بين العبد والأمة بتنقيح المناط.



وزَعَم بعضُ أهل الظاهر أن العبد يجلد مائة، بدعوى أن النص على الإماء يخرج ما عداهنَّ، فيبقى على الأصل.



وأما الكافر فإن كان حربيًّا فهو غير داخل تحت هذا الحكم؛ لأنه لم يلتزمْ أحكامنا ولم تنَلْه يدنا.



وإن كان ذميًّا، فمذهب جمهور الفقهاء على دخوله تحت هذا الحكم؛ لعموم الآية.



وقال مالك: لا يجلد الذمِّي إذا زنا، ولعله مبني على أن الكفار غير مخاطَبين بفروع الشريعة.


والذين أوجبوا الحد على الذمي اختلفوا:

فذهب الحنفيَّة إلى أنه يجلد ولا يرجم؛ لأن من أشرك بالله فليس بمحصن كما جاء في الحديث؛ ولأن إحصان القذف يجب فيه مراعاة الإسلام في المقذوف، فكذلك إحصان الرَّجْم.



وذَهَبَ الشافعيَّة إلى أنه يرجم إن كان ثيبًا؛ لما ثبت في الصحيحين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديينِ زنيَا، وأما المكره، فإن كانت امرأة فلا خلاف في أن الحد يسقط عنها، وإن كان رجلًا، فقيل: لا يحد مطلقًا، وقيل: يحد إن أكرهه غير سلطان، وقيل: يحد إن انتشرت آلته، والأول أقرب.



والظاهر: أنه لا يندرج في الزناة مَن أتى امرأة في دبرها، أو ذكرًا، أو بهيمة، وقيل: يندرج، وهل يكتفي في البكر بالجلد وفي الثيب بالرجم؟



اختلف أهل العلم في ذلك:

فذَهَبَ الجمهور إلى أن البكر يجلد مائة ويغرَّب عامًا، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث العسيف (يعني الأجير)، وفيه: ((وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام))، فيجلد بكتاب الله، ويغرب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.



وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ التغريب ليس من تمام الحد، بل تمام الحد مائة جلدة، وإن شاء الإمام غرَّب وإن شاء لم يُغرب، بدعوى أن التغريب زيادة على نص الكتاب، والزيادة على النص نسخ عنده، ولا يجوز نسخ الكتاب بخبر الآحاد، وقد رد بأن الزيادة على النص ليستْ نسخًا.



وكذلك ذَهَبَ جمهور أهل العلم إلى أن الثيب يكتفى فيه بالرجم ولا يجلد؛ لحديث العسيف وفيه: ((واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))، ولم يذكر جلدًا، وكذلك قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجلدْ ماعزًا والغامدية.



وذهب أهل الظاهر وأحمد - في إحدى الروايتين عنه - وإسحاق، والحسن إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد والرجم؛ بدعوى وُجوب الجلد بالآية والرجم بالسُّنة، كما روى البخاري وغيره عن علي رضي الله عنه أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى مسلم من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((خذوا عني، خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)).



قالوا: ولا دليل في عدم نَقْل جلد ماعز والغامدية والتي زنا بها العسيف؛ لأنَّ ذلك معلوم من أحكام القرآن، فلا يُنقل إلا ما كان زائدًا على القرآن المتلو وهو الرجم.



وأجاب الجمهور عن حديث: ((الثيب بالثيب جلد مائة والرجم))، بأنه منسوخ بحديث العسيف.



وجلد علي لشراحة قد يكون رأيًا له، أو لعله محمول على مثل ما رواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه قال: "أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيمن زنا فجلد الحد، ثم أُخبر أنه محصن، فأمر به فرُجِم"، على أنَّ الرجم بالحجارة إلى الموت هو الغاية المُثلى في العقاب الزاجر فما فائدة الجلد؟



هذا، والمأمور بالجلد في قوله: ﴿ فَاجْلِدُوا ﴾ هم حكَّام المسلمين ونُوَّابهم، ولا خلاف في أنَّ الذي يلي إقامة الحد على الأحرار هو الإمام أو نائبه.



وأما الأرِقَّاء، فقيل: للسيد أن يقيم عليهم الحد مطلقًا، وقيل: ليس له ذلك مطلقًا.



وقال مالك والليث: له ذلك إلا في القطع في السرقة فإنه يليه الإمام.



وقد استدل مَن أباح للسيد إقامة الحد على رقيقه بما رواه مسلم من حديث علي رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقيموا الحد على ما ملكت أيمانكم))، وبما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا زنت أَمَة أحدكم فليضربها الحد)) إلى آخر الحديث.



واستدل من منع ذلك بأن المخاطب بقوله: ﴿ فَاجْلِدُوا ﴾ أئمة المسلمين دون سائر الناس؛ لأنه حكم يتعلق باستصلاح الناس جميعًا، وكل حكم من هذا القبيل فإنه مَوكولٌ إلى الإمام.



وأما الأحاديث التي يُفِيد ظاهرها إثبات حد الرقيق لسيده، فإنها محمولة على أن السيد يرفع أمر الرقيق للحاكم ليقيم الحد.



هذا، وقد أجمع العلماء على وجوب الجلد بالسوط، وينبغي أن يكون السوط وسطًا بين الشدة واللين.



وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾؛ أي: ولا تحملنَّكم الشفقة واللين على ترك الحد والتهاون في شرع الله، بل يجب إقامة الحد متى ثبت عند السلطان، ولا يفهم من هذا أن المراد شدة القسوة في الضرب، فإنَّ المسنون أن يضرب ضربًا غير مبرح، لكنه ينبغي أن يكون مُوجعًا.



وقوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ للحض والتهييج على إقامة الحدود وعدم تعطيلها، وذكر اليوم الآخر للتخويف بعقابه لمن تسامح في إقامة الحدود وعطَّلَها.



وجواب الشرط محذوف؛ أي: إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر، فلا تأخذكم بهما رأفة في دين الله؛ ولذلك قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعتُ يدها)).



وقوله: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾؛ أي: وليحضر إقامة الحد عليهما وعقوبتهما جماعة من المسلمين، قيل: والأمر هنا للنَّدْب.



وقد اختُلف في أقل عددٍ ينبغي أن يحضر إقامة الحد، فقيل: واحد؛ لأنه يُسمى طائفة في اللغة.

وقيل: اثنان؛ لأنها محل شهادة.

وقيل: ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع.

وقيل: أربعة؛ لأنها الجماعة التي يثبت بعددها الزنا.



وينبغي أن يحضره فضلاء الناس للمحافظة على إقامته ومراعاة العدالة فيه.



والحكمة في شهود الطائفة عذابهما للدعاء لهما بالتوبة والرحمة؛ وليحصل لهما نوعُ توبيخ، ولينزجر الناس.



والحكمة في وجوب إقامة الحد على الزناة: حِفظُ النسب، وحماية العِرض، وصيانة المجتمع من الانحلال.



ولا يقول قائل: لِمَ وَجَبَ رجم المحصن وجلد البكر، مع أن الثيب قد يكون أولى بالتخفيف؟ لأنا نقول: إن الثيب حينما تزوَّج أدرك قيمة العِرض، وقدر الغيرة أكثر من البكر، كما أنه قد يدعوه ذوق العسيلة من زوجته إلى ارتكاب جريمة الزنا، فكان حريًّا أن تشتد عقوبته ليحصل الانزجار عن تلك الجريمة.



الأحكام:

1- وجوب جلد الزناة الأبكار الأحرار مائة جلدة.

2- لا يجوز تعطيل الحد.

3- يستحب حضور جماعة من المسلمين عند إقامة الحد.

Address

Mecca

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الدعوة إلى الله posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share