21/08/2026
🔴 التعليم بين هشاشة الواقع وفطريات التنمّل في جيوب أصحاب المصالح الخاصة
♦ إلى أين يتجه مصير أبناء المناطق المهمشة تعليمياً في السودان؟
في السودان، لم تعد أزمة التعليم مجرد مشكلة مرتبطة بنقص المدارس أو المعلمين والكتب والمقاعد، بل أصبحت قضية مصير لجيل كامل يواجه حرباً طويلة أغلقت أبواب الفصول أمام ملايين الأطفال، خصوصاً في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وبينما يحاول بعض الأطفال في مناطق مختلفة من البلاد العودة إلى مقاعد الدراسة، يجد أطفال آخرون أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً؛ مدارس مغلقة، أسر نازحة، طرق غير آمنة، نقص في المعلمين والكتب، ومبانٍ تعليمية خرجت من وظيفتها الأساسية بسبب الحرب.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن أزمة التعليم في السودان هي الأكثر حدة في دارفور وولايات كردفان ومناطق النزوح، حيث بلغ عدد المدارس العاملة على المستوى القومي نحو 13,884 مدرسة من أصل 19,883 مدرسة في مايو 2026، بينما ظلت 81% من مدارس دارفور مغلقة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها مستقبل أطفال ينتظرون فرصة واحدة لفتح كتاب، والجلوس أمام معلم، وكتابة أول حرف في طريق طويل نحو بناء حياتهم.
حين تصبح المدرسة هدفاً للحرب
المدرسة ليست ثكنة عسكرية، وليست هدفاً للعمليات العسكرية، بل هي مساحة مدنية يفترض أن تكون محمية، لأنها المكان الذي يُبنى فيه مستقبل المجتمع.
ومنذ اندلاع الحرب، تم الإبلاغ عن مئات الهجمات التي طالت المدارس والمرافق الصحية، كما أصبحت نسبة من المدارس ملاجئ للنازحين أو مستخدمة من أطراف مسلحة. وتؤكد اليونيسف أن أكثر من ثلث مدارس السودان مغلق، بينما تستخدم نسبة أخرى كملاجئ أو يُقال إنها تحت سيطرة أطراف النزاع، ما يعني أن ما يقارب نصف مباني المدارس لم تعد تؤدي وظيفتها التعليمية بصورة طبيعية.
وفي هذا السياق، فإن أي قصف أو استهداف لمقر تعليمي، أياً كان الطرف المسؤول عنه، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد حدث عسكري عابر؛ فالنتيجة المباشرة هي حرمان مئات وربما آلاف الأطفال من التعليم، وتعميق الفجوة بين أقاليم السودان.
دارفور وكردفان والنيل الأزرق... أطفال يدفعون ثمن الجغرافيا
المفارقة المؤلمة أن المناطق التي عانت تاريخياً من ضعف الخدمات الأساسية هي ذاتها التي تدفع اليوم ثمناً أكبر للحرب.
في دارفور، تشير تقديرات اليونيسف إلى أن نحو 3.3 مليون طفل من أصل 3.9 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، وأن التعليم النظامي في أجزاء واسعة من الإقليم توقف عملياً منذ بداية الحرب.
أما كردفان، فقد أصبحت مدارس كثيرة ضحية للقتال والنزوح وانعدام الأمن. وفي شمال كردفان، أدى تصاعد الهجمات إلى أضرار طالت المنازل والمدارس والمرافق الصحية وشبكات المياه والأسواق.
وفي النيل الأزرق، كما هو الحال في مناطق النزاع الأخرى، يظل الأطفال عرضة لمخاطر النزوح وانقطاع الخدمات والذخائر غير المنفجرة، الأمر الذي يجعل الوصول إلى التعليم الآمن تحدياً إضافياً.
وهكذا يصبح الطفل في هذه المناطق أمام سؤال قاسٍ: هل ذنبي أنني ولدت في منطقة مهمشة؟
التعليم ليس امتيازاً جغرافياً
من أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الحرب أن يتحول التعليم إلى امتياز مرتبط بالمنطقة التي يعيش فيها الطفل.
فالحق في التعليم يجب ألا يكون مرتبطاً بانتماء جغرافي أو سياسي أو قبلي. الطفل في الفاشر، وكادوقلي، والدلنج، والدمازين، ونيالا، والأبيض، والخرطوم، وبورتسودان، جميعهم يحملون الحق نفسه في أن يتعلموا في بيئة آمنة.
لكن استمرار الحرب قد يخلق جيلاً من الأطفال الذين سيكبرون وهم يحملون فجوة تعليمية يصعب تعويضها لاحقاً.
وهنا لا تكمن الكارثة في السنوات الدراسية التي ضاعت فقط، وإنما في الآثار الممتدة على سوق العمل، والصحة، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي، وقدرة الدولة نفسها على إعادة بناء مؤسساتها.
♦ من المستفيد من استمرار الجهل؟
♦ السؤال الأكثر حساسية هو: من المستفيد من بقاء أبناء المناطق المهمشة خارج المدارس؟
عندما يغيب التعليم، تتسع مساحة الجهل والفقر والاستغلال. وعندما يحرم جيل كامل من المعرفة، يصبح أكثر عرضة للتجنيد، والتضليل، وخطاب الكراهية، والاستغلال السياسي والاجتماعي.
لذلك فإن حماية التعليم ليست قضية إنسانية فقط، وإنما قضية أمن قومي ومستقبل دولة.
أما تحويل مأساة الأطفال إلى وسيلة للمزايدة السياسية أو خدمة أصحاب المصالح الخاصة، فهو جريمة أخلاقية بحق أجيال كاملة.
المطلوب ليس وعوداً... بل إنقاذ جيل
السودان يحتاج إلى مشروع وطني عاجل لإنقاذ التعليم في مناطق الحرب والمناطق المهمشة، يبدأ بإعادة فتح المدارس الآمنة، وتأهيل المؤسسات التي تضررت، وتوفير المعلمين والكتب والمستلزمات، وإنشاء مساحات تعليم مؤقتة للمناطق التي يصعب فيها تشغيل المدارس التقليدية.
كما يجب إعطاء الأولوية للأطفال الذين فقدوا سنوات دراسية كاملة بسبب الحرب، من خلال برامج تعويضية وتسريع تعليمي تساعدهم على اللحاق بأقرانهم.
والأهم من ذلك أن تظل المدارس مساحات مدنية محايدة وآمنة، بعيدة عن الاستخدام العسكري وعن الاستهداف، وأن تتحمل جميع أطراف النزاع مسؤوليتها في حماية الأطفال والتعليم.
لا تجعلوا الحرب تسرق المستقبل
♦ الحرب قد تدمر المباني، لكنها لا ينبغي أن تدمر أحلام الأطفال.
وقد نستطيع إعادة بناء مدرسة بعد عام أو عامين، لكن إعادة بناء سنوات من عمر طفل ضاعت دون تعليم ليست مهمة سهلة.
♦لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: متى تنتهي الحرب؟
بل: ماذا سنفعل بهذا الجيل الذي يعيش الحرب الآن؟
إن أبناء دارفور وكردفان والنيل الأزرق لا يحتاجون إلى الشفقة، بل إلى حقهم الكامل في التعليم. يحتاجون إلى مدارس آمنة، ومعلمين، وكتب، وفرص متساوية مع بقية أبناء السودان.
فإذا كان السودان يبحث عن مستقبل جديد، فإن الطريق إليه يبدأ من الفصل الدراسي.
ومن يريد بناء وطن موحد ومستقر، عليه أولاً أن يضمن أن يكون كتاب الطفل أقوى من صوت البندقية، وأن تكون المدرسة أبعد من أن تصل إليها الحرب.