31/12/2025
«على حافة العام.. وطنٌ يتلمّس الطريق بين العتمة والرجاء، والسوداني واقف على تراب الذكرى يسأل: هل في الغدِ متّسعٌ للحلم؟»
بقلم: ابراهيم محمد اسحق حسين
في نهاية العام 2025م، يهبط الليل على السودان وكأنّه يحمل على كتفيه حقائب ثقيلة من الأسى والانتظار. شوارع المدن التي كانت يومًا تنبض بالضحكات، تمرّ الآن بطيئة كأنها تُصغي لخطوات الناس المتعبة، تتلمّس وجوههم الشاحبة، وتقرأ في العيون حكايات لم تُكتب بعد.
الشعب السوداني اليوم ليس ثائرًا كما عهدناه فقط، ولا صابرًا كما يألف العالم عنه، بل هو في لحظة تائهة بين ماضٍ مُنهك ومستقبلٍ لا يزال خلف ستار الضباب.
نسأل أنفسنا ونحن نطوي آخر صفحات هذا العام:
هل ما زال هناك بصيص أمل؟
هل من فسحة ضوء تنتظر عند أول منعطف؟
السوداني بطبعه لا يستسلم، يتكئ على صبرٍ عمره ألف عام، يحمل من الأمثال ما يكفي لبناء روح جديدة في كل مرة ينهار فيها السند. لكنه اليوم يقف أمام مرآة الوطن، يرى الحقيقة مُجرّدة: وطنٌ أنهكته التحولات، غطته رائحة البارود، وأرهقته الخطابات التي تُشبه الوعود أكثر مما تُشبه الحلول.
ومع ذلك — ورغم العتمة — ثمة شيء غريب يحدث دائمًا في عمق الروح السودانية، شيء يشبه شرارة صغيرة تلمع حين يظن الجميع أن الليل طويل جدًا.
شرارة اسمها الأمل.
الأمل الذي لا يصنعه السياسيون، ولا تُبرم صكوكه الاتفاقات المؤقتة، الأمل الذي يولد ببساطة من رغبة شعبٍ في العيش الكريم، من أمٍ تُعد الشاي عند الفجر لأولادها رغم ضيق الحال، من شابٍ يبيع الحلم على شكل مشروع يبدأ من لا شيء، من طالبٍ يحمل كتبه ويمضي رغم صفوف الانتظار وانقطاع الكهرباء.
قد نكون اليوم في أسوأ مستويات اليأس، لكن التاريخ يهمس لنا بأن الظلام لا يدوم، وأن كل وطن مرّ بلحظة مشابهة ثم نهض من جديد. ليس لأن المعجزات تهبط من السماء، بل لأن الشعوب حين يصل بها الألم حدّ التشبع، تُقرر فجأة أن تنهض.
السودان في هذا المنعطف لا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي، بل إلى ترميم النفوس، إلى مصالحة مع الذات قبل المصالحة مع الآخر، إلى خطاب يُعيد للروح لياقتها وللوطن ملامحه التي نعرفها: وطن المحبة، السمر، الضحكة التي تخرج رغم المصاعب.
نحن لسنا أمام نهاية الطريق، بل عند صفحة خالية تنتظر من يكتب عليها.
العام يودّعنا، لكنه يترك الباب مواربًا.
والغد، رغم تعب الفكرة، لا يزال قابلًا لأن يكون أجمل إن وضع كل سوداني لبنة صغيرة في جدار الخلاص.
فلنمشِ ببطء إن احتجنا، لكن لا نتوقف.
ولنحزن إن كان الحزن واجبًا، لكن لا ننسى أن نترك نافذة صغيرة للضوء.
فربما يكون الفجر أقرب مما نظن.
ويبقى السؤال مفتوحًا كالأفق:
هل نصنع عام 2026 بأيدينا، أم نتركه يشبه ما مضى؟
بين اليأس والأمل مساحة اسمها نحن — إن أردنا نكون فاتحة النور.