الحقيقة Truth

الحقيقة Truth I continue to string words across the
frontlines—not for recognition, but simply to say: We are here. We remain. And we bear witness.

29/06/2025

سلطة المعرفة في السودان: المثقف بين دور التأثير ومحنة الصمت

الحلقة الثانية: الصمت، المنفى، أو الاصطفاف

حين تتكلم البنادق، من يجرؤ على أن يكون صوتاً مستقلاً؟

تحقيق : نبوية سرالختم

حين تعمّ الفوضى، ويغدو الخراب نظاماً، لا يُستدعى المثقف ليشهد فقط، بل ليُعيد ترتيب الفوضى ذاتها. دوره لا يُقاس بترف اللحظة ولا رفاهية الاستقرار، بل بقدرته على صوغ المعنى من داخل الفقد، وإعادة بناء الوعي حين تتفكك البنى الاجتماعية، السياسية، والمعرفية.

لكن هذا الدور لم يكن دوماً على هذا النحو الدفاعي أو الهامشي. فالمثقف السوداني، قبل الحرب، كان يتمتع بموقع خاص داخل الحقل العام: كان منتجاً للسرديات، وصاحب رأي في السياسة والاجتماع، وحارساً معرفياً ضد السلطوية والتزييف.

من قاعات الجامعات، إلى صفحات الصحف، إلى منصات النقاش العام، لعب المثقف دوراً مركزياً في نقد الدولة، وفي إعادة مساءلة الخطابات الرسمية والمعارضة معاً. بل كان – في كثير من الأحيان – هو من يصوغ المصطلحات، ويؤطر النقاش، ويقترح البدائل.

غير أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 قلب المعادلة رأساً على عقب. تفككت الدولة، وتلاشت المؤسسات، وسقطت الحريات العامة، ووجد المثقف نفسه فجأة في زمن بلا مركز، بلا منابر، بلا جمهور متماسك، وأحياناً بلا لغة قادرة على وصف ما يحدث.

فهل ما زال له سلطة معرفية في هذا الواقع الجديد؟ أم تحوّلت سلطته إلى مجرد سلطة أخلاقية – يُحترم فيها كرمز، لا كمؤثر؟ هل يستطيع أن يؤدي دور "الضمير" وسط الفوضى؟ أم يُطلب منه الصمت، أو يُضغط عليه ليتحوّل إلى تابع لهذه الجهة أو تلك؟

هذا التحقيق لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يحاول استقصاء تحولات موقع المثقف السوداني، ما بين ما كان عليه قبل الحرب، وما صار إليه في قلب الخراب: من بقي مخلصاً للمسافة النقدية؟ من تحوّل إلى واجهة لخطاب مسيّس؟ من صمت؟ ومن بقي يكتب، رغم أن لا أحد يقرأ؟

أولاً: من بقي يتحدث؟

مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، وجد كثير من المثقفين أنفسهم في مواجهة سؤال وجودي: هل يواصلون الحديث في فضاء تغمره النيران والدعاية العسكرية، أم يصمتون اتقاءً للخطر، أم يصطفّون مع أحد أطراف الصراع بوصفه "الشر الأقل"؟ رغم العنف والانهيار المؤسسي، واصل عدد من المثقفين الحديث، من داخل السودان أو المنافي. لم يكن صوتهم صاخباً، بل أقرب إلى الهمس في زمن الضجيج، لكنه واصل تقديم خطاب يحاول الحفاظ على البعد النقدي، والتفسير العقلاني، ورفض الاصطفاف التلقائي. في هذا السياق، برزت بعض الكتابات في المنصات الرقمية، وأخرى في صحف ومواقع إقليمية ودولية، تجتهد في تأطير ما يجري بلغة تحليلية، لا دعائية.من بين هؤلاء، برزت مقالات أكاديميين وكتّاب مثل الدكتور حيدر إبراهيم، والدكتور محمد محمود، وأصوات شابة على السوشيال ميديا تحاول تفكيك خطاب الحرب دون الوقوع في فخ الحياد السلبي. حافظ بعض هؤلاء على ما يُعرف ب"المسافة النقدية"، وهي قدرة المثقف على أن يكون شاهداً ومحللاً دون أن يتحول إلى جزء من ماكينة الحرب أو صدىً لدعاية طرف ما.

ثانياً: من غادر؟

أجبرت الحرب عدداً كبيراً من المثقفين على مغادرة البلاد. أُغلقت الجامعات، توقفت الفعاليات الثقافية، وانهارت المؤسسات الإعلامية. وجد الأكاديميون والباحثون والكتّاب أنفسهم دون عمل، ودون منبر، بل ودون مدينة آمنة هاجر الكثير منهم إلى مصر، كينيا، أو أوروبا، حيث يحاولون إعادة بناء حياتهم، وربما أدوارهم. في بعض الحالات، كانت المنافي فرصة لإعادة اكتشاف الذات الثقافية، والانخراط في جهود التوثيق، أو الكتابة التأملية من مسافة آمنة. في حالات أخرى، كان المنفى صمتاً قسرياً، أو قطيعة مؤقتة مع الحقل العام بعض هؤلاء المثقفين حاولوا إعادة إنتاج دورهم عبر المنصات الرقمية، مثل النشرات المستقلة، المدونات، أو البودكاست، لكن بقيت هذه المساعي محدودة التأثير، في ظل انفصالهم عن المشهد اليومي في الداخل تبقى هنا إشكالية كبيرة: هل يمكن لمثقف مهاجر أن يكون فاعلاً في واقع يتغير بسرعة على الأرض، وسط أجيال جديدة تتشكل تحت وقع العنف والشتات؟ أم أن السلطة المعرفية تصبح منفية أيضاً، حين يُنفى صاحبها؟

ثالثاً: من صمت؟

في ظل الاستقطاب الحاد والرقابة الصارمة، اختار عدد كبير من المثقفين الصمت. ليس خوفاً فقط، بل أحياناً يأساً من جدوى الخطاب في زمن الدم والانقسام. آخرون صمتوا لأنهم لا يريدون الوقوع في فخ الاصطفاف أو الاستغلال من أحد طرفي الحرب.الصمت، في بعض تجلياته، كان موقفاً نقدياً أيضاً. لكنه أفقد السلطة المعرفية للمثقف شيئاً من حضورها في النقاش العام، وجعل الفراغ يُملأ بخطابات جديدة: شعارات الحرب، العاطفة، الشعبوية، وأحياناً التضليل الإعلامي بعض المثقفين الذين صمتوا علناً، واصلوا الكتابة الخاصة، أو دعم المبادرات المدنية سراً، لكن تأثيرهم ظل محدوداً، وغير مرئي للرأي العام. وهو ما طرح سؤالاً عميقاً: هل المثقف موجود فقط حين يُسمع صوته؟ أم أن وجوده المعرفي يمكن أن يبقى حياً حتى في العزلة؟

رابعاً: من تحوّل إلى أداة في خطاب سياسي أو عسكري؟

جانب آخر أكثر تعقيداً، هو تحوّل بعض المثقفين إلى واجهات خطاب سياسي، أو دعاية عسكرية. استقطبت أطراف الحرب عدداً من الكتاب والأكاديميين والإعلاميين إلى صفوفها، لا فقط كمؤيدين، بل كصناع خطابات تبريرية: ينتجون سرديات تشرعن الحرب، تهاجم الطرف الآخر، وتُلبس الصراع ثوب "الوطنية" أو "العدالة" وفقاً للجهة التي يخدمونها في بعض المقالات والتدوينات والمنشورات، تحول خطاب مثقفين معروفين من التحليل النقدي إلى التجييش. ظهر هذا جلياً في خطابات تؤيد الجيش السوداني دون تحفظ، أو تُروّج لخطاب الدعم السريع بوصفه "قوة تغيير"، أو حتى تلك التي تحاول تسويق حلول ثالثة دون مساءلة الجذور البنيوية للأزمة ظهر أيضاً نمط من المثقفين الذين تبنوا خطابات الهوية العرقية أو المناطقية، بما يخدم أجندات الأطراف المتصارعة، وهو انحراف خطير في وظيفة المثقف، وتحول من صانع وعي إلى صانع استقطاب هذا التحوّل يُضعف سلطة المثقف المعرفية، إذ يحوله من منتج معرفة إلى أداة دعائية، ومن ضمير نقدي إلى ناطق باسم سلطة أو جماعة.

خامساً: المثقف والاصطفاف تحت الضغط

في حالات كثيرة، لا يكون الاصطفاف خياراً حراً، بل تحت التهديد أو الإكراه أو الحاجة للبقاء. مثقفون داخل السودان قد يضطرون لمجاملة القوى المسيطرة في مناطقهم من أجل البقاء أو العمل. آخرون يخشون فقدان دعم مالي أو سياسي في حال اتخذوا موقفاً مخالفاً ومع ذلك، تبقى هذه اللحظة اختباراً صارخاً لدور المثقف كصاحب سلطة معرفية: هل يمكنه أن يقول "لا" في زمن يُكافأ فيه الصمت، ويُعاقب فيه الكلام؟ هل يمكنه أن يصنع خطاباً بديلاً خارج اصطفافات الحرب، دون أن يفقد جمهوره أو حياته؟ ربما لا نجد إجابة حاسمة، لكن هذه الحلقة تحاول الإضاءة على المسارات المختلفة التي اتخذها المثقف السوداني في لحظة الخراب، بين من قاوم، ومن انكفأ، ومن صمت، ومن تحوّل إلى خادم أجندة

29/06/2025

سلطة المعرفة في السودان: المثقف بين دور التأثير ومحنة الصمت

الحلقة الأولى : ما تبقى من سلطة المثقف السوداني في زمن الحرب

تحقيق : نبوية سرالختم

حين تعمّ الفوضى، ويغدو الخراب نظاماً، لا يُستدعى المثقف ليشهد فقط، بل ليُعيد ترتيب الفوضى ذاتها. دوره لا يُقاس بترف اللحظة ولا رفاهية الاستقرار، بل بقدرته على صوغ المعنى من داخل الفقد، وإعادة بناء الوعي حين تتفكك البنى الاجتماعية، السياسية، والمعرفية.

لكن هذا الدور لم يكن دوماً على هذا النحو الدفاعي أو الهامشي. فالمثقف السوداني، قبل الحرب، كان يتمتع بموقع خاص داخل الحقل العام: كان منتجاً للسرديات، وصاحب رأي في السياسة والاجتماع، وحارساً معرفياً ضد السلطوية والتزييف.

من قاعات الجامعات، إلى صفحات الصحف، إلى منصات النقاش العام، لعب المثقف دوراً مركزياً في نقد الدولة، وفي إعادة مساءلة الخطابات الرسمية والمعارضة معاً. بل كان – في كثير من الأحيان – هو من يصوغ المصطلحات، ويؤطر النقاش، ويقترح البدائل.

غير أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 قلب المعادلة رأساً على عقب. تفككت الدولة، وتلاشت المؤسسات، وسقطت الحريات العامة، ووجد المثقف نفسه فجأة في زمن بلا مركز، بلا منابر، بلا جمهور متماسك، وأحياناً بلا لغة قادرة على وصف ما يحدث.

فهل ما زال له سلطة معرفية في هذا الواقع الجديد؟ أم تحوّلت سلطته إلى مجرد سلطة أخلاقية – يُحترم فيها كرمز، لا كمؤثر؟ هل يستطيع أن يؤدي دور "الضمير" وسط الفوضى؟ أم يُطلب منه الصمت، أو يُضغط عليه ليتحوّل إلى تابع لهذه الجهة أو تلك؟

هذا التحقيق لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يحاول استقصاء تحولات موقع المثقف السوداني، ما بين ما كان عليه قبل الحرب، وما صار إليه في قلب الخراب: من بقي مخلصاً للمسافة النقدية؟ من تحوّل إلى واجهة لخطاب مسيّس؟ من صمت؟ ومن بقي يكتب، رغم أن لا أحد يقرأ؟

في محاولة لفهم موقع المثقف السوداني في زمن الحرب الراهن في الحلقة الأولى من هذا التحقيق لا بد من العودة إلى الأُسس النظرية التي تحدد ماهية المثقف ودوره في المجتمع، وكيف يُمارس سلطته المعرفية يقدم الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي مفهوم "المثقف العضوي" الذي يرى أن المثقف ليس مجرد شخص متعلم، بل هو عنصر فاعل في بنية المجتمع، يمتلك القدرة على تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي، ويعمل كصلة وصل بين الفئات الاجتماعية المختلفة. هو جزء لا يتجزأ من حركة اجتماعية أو سياسية، يساهم في إنتاج الأفكار التي تشكل أساس التحركات الجماهيرية أما الناقد الفلسطيني إدوارد سعيد، فيعتبر المثقف "ضمير الأمة"، أي الصوت الذي يدافع عن القيم الإنسانية، ويتحدث نيابة عن المجتمعات المضطهدة، ويقاوم القمع بكل أشكاله، ويُعيد تفسير الأحداث بما يخدم الحقيقة والعدالة هذان التعريفان يمكناننا من إدراك أن المثقف السوداني، في ظروف الاستقرار، لم يكن مجرد ناقل للمعرفة بل فاعلًا وموجهاً للنقاش العام، منتجاً للسرديات التي تشكل رؤية الجماعة للمستقبل. وهو بهذا يحمل سلطة معرفية تُترجم إلى تأثير مباشر في صياغة الواقع السياسي والاجتماعي فالسلطة المعرفية للمثقف تُعرف هنا بأنها قدرة المثقف على إنتاج المعرفة التي تحلل الواقع، تكشف الخفايا، تفضح الانتهاكات، وتؤثر في الرأي العام وفي الخطاب الرسمي والمعارض على حد سواء.

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، تغيرت خريطة السلطة في السودان، وتقلصت بشكل كبير مساحة العمل والمعرفة المفتوحة. انتقل المثقف من موقع منتج وفاعل إلى حالة من التهميش أو الحياد القسري إذ شهد السودان هجرة مكثفة للمثقفين والباحثين والكتاب نحو المنافي، هرباً من التهديدات الأمنية والعسكرية، أو بحثاً عن فضاءات أرحب للنشاط الفكري والسياسي فالكثير من المثقفين اليوم خارج السودان بسبب الخطر المباشر، ومن داخل البلاد، العديد منهم يخشى الظهور خوفاً من الملاحقة أو التجريم

وفي ظل تعطل المنابر التقليدية (الصحف المستقلة، الجامعات، مراكز البحوث)، لجأ كثير من المثقفين إلى فضاءات بديلة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت أدوارهم إلى "ناشطين رقميين"، ينقلون الأخبار، ويوثقون الانتهاكات، وينشرون تحليلات سريعة. هنا تبرز ظاهرة "المثقف الرقمي" الذي ربما يحل تدريجياً محل المثقف التقليدي، لكنه يعاني من محدودية التأثير وسط تشتيت الجمهور وتضخم حجم المعلومات المضللة.

رغم الدعوات الشعبية أو الإعلامية للمثقفين للانخراط في إعادة بناء الوعي، فإن هذه الدعوات غالباً ما كانت مشروطة أو مترددة، تعكس تراجعاً عاماً في الثقة بأطراف الحقل الثقافي، وتحديات كبيرة أمام المثقف لإيجاد موقع مؤثر.

في هذه المرحلة الحرجة، يتجلى السؤال الحاسم: هل ظل المثقف السوداني مخلصاً لمسافة النقد والحياد، أم تحوّل إلى أداة في يد أحد الأطراف المتصارعة؟

على الأرض، شهدنا نماذج متباينة: مثقفون انحازوا للجيش أو لمليشيات الدعم السريع:

بعضهم يرى في القوات المسلحة "حامياً للوطن"، في حين يرى آخرون في الدعم السريع قوة تحررية. هذا الانحياز أغلبه سياسي، وأضعف استقلالية المثقف النقدية وهناك مثقفون يدعمون لجان المقاومة أو الطرف المدني حيث انتقلت بعض الأصوات لتكون معبرة عن توجهات المعارضة المدنية، لكنها تواجه هي الأخرى تحديات استقطاب الجمهور وتضييق المساحات وكثير من المثقفين اختاروا الصمت، إما خوفاً على حياتهم، أو نتيجة استنزاف قواهم الفكرية والنفسية، ما يطرح سؤالاً حول إمكانية استمرار سلطة المثقف في ظل هذه الضغوط ؟

تشهد البلاد حالياً رقابة صارمة غير رسمية، تنفذها ميليشيات متعددة، تراقب الكتابات والمنشورات، وتهاجم الناشطين والمثقفين، مما أدى إلى اعتقال وإخفاء قسري لبعضهم، حسب شهادات حقوقية محلية.

والصحف المستقلة أغلقت أبوابها أو تحولت إلى منصات تابعة لأطراف النزاع، والجامعات أغلقت أو توقفت عن النشاط الأكاديمي المنتظم، مراكز البحوث مهددة بالتوقف بسبب نقص التمويل والضغط الأمني يضاف لذلك هناك عزوف متزايد من قبل الجمهور السوداني عن الاستماع للمثقفين، فهم يُنظر إليهم أحياناً كطبقة منفصلة عن الواقع، أو غير قادرة على تقديم حلول ملموسة، خصوصاً مع بروز خطاب عاطفي أو ديني أكثر تأثيراً في الجماهير.

ما تبقى من سلطة المثقف السوداني اليوم ليس سلطة كاملة أو موحدة، بل خليط من سلطة معرفية تتآكل تحت وطأة الحرب، وسلطة أخلاقية تبقى ملاذه الأخير، رغم محدوديتها المثقف السوداني يعيش مأزقاً وجودياً بين دور "المنتج والناقد" ودور "الشاهد والصامت"، في ظل رقابة وضغوط سياسية وأمنية، وتفتت المجتمع وغياب منابر التعبير الحر هذه الحلقة كانت استهلالاً لفهم ما تبقى من سلطة، على أن نواصل في الحلقات القادمة لرصد مواقف المثقفين، جمهورهم، وكيف يحاولون إعادة بناء أدوارهم في هذا الزمن المعقد.

29/06/2025

إنتحار الشعراء.. مشاهد خانقة تتجول بين فصول شفافة(3-3)

الراحل عبد الله شابو : للشاعر عالم مختلف يزينه بحساسية وطموح خيالي ووفق هذا العالم يقرأ الواقع وجدانياً "بحسه لابعقله"

شابو : إذا رفض الناس توجه الشاعر الكامل للحياة "رفضهم شعره " أو لم يجد القنوات التي يفرغ فيها ذاته يمكن أن يموت "كمداً " وهو صاحب القرار في ذلك

تحقيق : نبوية سرالختم
حين يعجز العالم عن إحتضان ارواح شفافة مثل أرواح الشعراء وتخفيف آلامهم الناتجة عن شعورهم بقبح الواقع وظلمه تتكشف نصوصهم عن تجارب مأساوية تحمل إشارات حارقة نحو السبيل إلى الخلاص
فالكتابة في لحظة ما لا تصلح لتكون مسكن لآلام الروح والعذابات والجراح أحياناً يكون الإنسحاب من هذا الواقع المظلم ليس ضعفاً بل إختياراً شجاعا من هنا يكون (الانتحارً) ليس نزوة عابرة او لحظة يأس طارئة بل حصيلة وعي بواقع مرير يشوبه انين طويل ومشاهد خانقة تتجول بين فصول دواوينهم الشفافة لتجعل من الانتحار خلاص مشروع يحمل شهادة دامغة على مأساة الانسان في عالم يطرد أنبل قاطنيه.
تناولت في الحلقتين الأولى والثانية تحربة كل من الراحل محمد عبد الرحمن شسيبون والراحل عبد الرحيم ابو ذكري واشرت إلى كيف توحدت لغتهما في التعبير عن الأزمات التي عايشوها وكيف تحطمت احلامهما على حافة الموت رغم ان لكل منهما رؤيته الفلسفية حوله ثم اجريت مقارنة بينهما والراحل عبد الله شابو واشرت إلي انه رغم انه سبقهما في المعاناة في ظل ظروف اجتماعية وسياسية معقدة الا انه كان يحمل تجربة الشعر المكافح والذي حاول من خلال تجربته الشعرية هذه ان يعطي تصور جديد للتصالح والتعايش مع المعاناة لهذا نجده قد يتطرق إلى شعور بالانطفاء أو الحزن الوجودي العميق، لكنه لا يُجسد هذه المشاعر في صورة الانتحار كحل نهائي .
في هذه الحلقة والتي نختم بها سلسلة التحقيق سنتلمس في تحليل عابر شعراء سودانيين آخرين وثقت تجاربهم الشعرية وما توصلوا إليه في إطار المشاعر المتشابكة مع نزعات الانتحار او الخلاص النهائي من الحياة مما فرض تساؤلات مشروعة هل البيئة الاجتماعية والسياسية السودانية محفزة لوجود مثل هذه الظاهرة ظاهرة الانتحار وسط الشعراء وهل هي منتشرة مقارنة بإنتشارها على مستوى العالم .
يقول الراحل عبد الله شابو أن الانتحار ليس وقفاً على الشعراء ولكنهم حد قوله أكثر الناس حساسية بحيث يكون إنتحارهم مدعاة للحزن الشديد وعن الأسباب يقول عنها أنها كثيرة جداً لكنها في الغالب تكون إجتماعية ونفسية وفي أصلها تنشأ من التناقض بين واقع الشاعر وطموحاته فالشاعر لحساسيته يتصور أشياء يصعب بلوغها ويواصل شابو : هذا التناقض بين حياته ومايأمل فيه والواقع يدفعه للكآبة الشديدة ويواصل : معروف في علم النفس أن الكآبة تعد من الأشياء التي تدفع إلي الإنتحار وعليه فإن الشاعر كأي إنسان موجود في زمان ومكان ما إذا إنسجم وجدانياً مع هذا الزمان والمكان كانت النتيجة إيجابية أما إذا نشأ صراع بين واقعه وآماله في هذا المكان والزمان كانت النتيجة الحتمية في كثير من الاحيان هي الإنتحار.
ويمضي شابو إلى وصف مسألة إنتحار الشعراء بأنها مسألة معقدة جداً تتداخل فيها المسببات بإعتبار أن للشاعر عالم مختلف يزينه بحساسية وطموح خيالي ووفق هذا العالم يقرأ الواقع وجدانياً ( بحسه لابعقله ) ويواصل : الشعر تفكير وجداني والفلسفة والعقلانية تفكير وجداني ثاني وبما أن الشعر تركيز وتلخيص للتجربة الإنسانية يكون أكثر إلتصاقاً بالناس فإن رفض هؤلاء الناس أو بعضهم لتوجه الشاعر الكامل للحياة ( رفضهم شعره ) أو لم يجد القنوات التي يفرغ فيها ذاته يمكن أن يموت (كمداً ) وهو صاحب القرار في ذلك.
ويتفق في هذه النقطة مع الراحل عبد الله شابو الراحل الناقد عبد القدوس الخاتم فيقول : ( المبدع في بلدنا مهمش مضطهد وقد يواجه بالموت البطئ او بالغيبوبة والإنسحاب من الحياة وربما الإنتحارخاصة إذا ادركته حرفة الادب وكان الشاعر خليل مطران يقول : " مارأينا شاعر على جلده قميص " ومن الطرائف ان احد الدوقات زار شاعراً في بيته وكان الأخير مريضاً أو ربما على فراش الموت وطمأنه بانه قرر إقامه تمثال له فاجابه الشاعر بصوت واهن : سيدي لومنحتوني ثمن التمثال لأتعالج به لكان افضل )
مع ماسبق من إفادات يمكن القول ان الشعر السوداني غني بتجارب شعراء يعبرون عن الاغتراب الداخلي، الألم الوجودي، والظلم الاجتماعي، مما يضعهم في دائرة المشاعر المتشابكة مع نزعات الانتحار أو الخلاص النهائي من الحياة. هؤلاء الشعراء لا يسعون بالضرورة للموت، لكن شعرهم ينبئ عن شعور بالاحتقار للواقع وبحثٍ مضني عن مخرج، يظل الأمل فيه بعيدًا أو غير قابل للتحقيق.
ورغم ان تاريخ الشعر السوداني الحديث، لا توجد حالات انتحار كثيرة وموثقة ومشهورة لشعراء سودانيين لكن هذا لا يعني أن اغلب الشعراء السودانيين لم يمروا بظروف قاسية أو لحظات نفسية مظلمة. بالعكس، كثير من الشعراء عانوا من الاكتئاب، الإحباط السياسي، أو الاغتراب الداخلي، لكن نهاياتهم لم تكن في الغالب بالانتحار العلني المعروف ويرجع ذلك إلى عدة اسباب منها الوصمة الاجتماعية والدينية للمنتحر إذ تجعل التفكير فيه او الحديث عنه غير مقبول وفوق هذا وذاك يتحلى السودانيون بالصبر الاجتماعي حتى في اقسى الظروف وهم يستمدون ذلك من النزعة الصوفية والتي تعزز الصبر على الابتلاء كما ان النظام الاجتماعي الذي يقوم على العائلة الممتدة يخفف من الضغوط الاجتماعية من خلال التضامن والتواصل العائلي الوثيق فضلاً عن تشارك المعاناة ولكن هذا لا ينفي وجود حالات لم تنتشلها هذه الاشياء من معاناتها العميقة والتي قد تجعل هناك حالات انتحار مخفية لم تجد التوثيق الكافي .
فالشاعر محمد الفاتح الجزولي كتب عن واقعة إنتحاره الكاتب محي الدين محمد في صحيفة الوطن مقال تحت عنوان "شاعر الدفوفة" قائلاً : " هل مات بظلم الناس الذين إستجار بهم ولم يجيروه أم قتلته قبيلة الجن التي سكنت عقله وقلبه أم أن العصف الذهني في أعماقه كان أقوى منه فعصف به أم ان الرجل مات ولكل أجل كتاب". كانت هذه التساؤلات منساقة بعد إيراد الكاتب مقطع للشاعر قال عنه أنه خانه وفضح عذاباته ومعاناته وهو : "عدت بين يدي تهويماً وحيرة .. عدت وا لهفي على قلب تشتت في بيوت الناس يستجدي مجيره .. ظلت الآلام تأبى أن تجيره .. كانت الآلام في صدري خطيرة " وهناك نموذج آخر يعد من الحالات القليلة التي تم توثيقها في رحلة معاناة الشاعر السوداني حيث انهى حياته بالانتحار وهو احمد الطيب عبد الحفيظ والذي كان معروفاً بثقافته الواسعة وشغفه بالأدب العالمي وقد عانى من صراعات فكرية ونفسية عميقة سجلت عنه بعض الأقوال والنصوص الصغيرة منها قوله : "الحياة لعبة خاسرة .. يولد الإنسان ليهزم... الموت ليس نهاية، بل راحة" هذا النص يعبر عن رؤية سوداوية عميقة لفكرة الوجود والذي في نظره لا يعدو ان يكون مجرد خيبات متكررة اما فكرة ان الموت "راحة" تشير إلى أنه لا ينتظر أملاً ولا ينتظر خلاصاً دنيوياً وهذه الرؤية تأثرت إلى حد ما بكتابات شعراء غربيين تأثر بهم تتقارب كتاباتهم مع فلسفات العدمية والوجودية التي تعتبر مادة رئيسية في كتابات الشعراء السودانيين المنتحرين الذين مزجوا الألم بالجمال وفاضت اعمالهم بإحساس العدم واللاجدوى وان الحياة ليست الا مجرد مشاهد في مسرح العبث .
هناك نموذج ثالث لم ينتحر ولكن توفي في ظروف مأساوية تعكس الإهمال الذي يواجهه المبدعين حيث وجد متجمداً من البرد والجوع في شوارع القاهرة وهذا النموج هو الشاعر والفنان التشكيلي محمد بهنسي والذي لم يحظى بالاهتمام والتقدير وقد واجه الرفض من مجتمع الفن الرسمي رغم موهبته الفذة وعاش تجربة من التشرد والغربة العنيفة فمن بعض كلماته المسجلة شفاهة "العالم...
جدارٌ عالٍ لا نبلغ قمته... وحدهم الساقطون... يرون السماء." وتسجل هذه المقولة الأدبية رؤية قاسية للعالم فكاتبها فقد اي ايمان بإمكانية الانتصار او حتى النجاة وهي حالة من الاحباط واليأس الكامل والاحتراق الداخلي بسبب الظلم الاجتماعي والتهميش إذ ان كل من يبذله من جهد يذهب جفاءً امام ريح قاسية لا ترحم "برد... جوع... وجدار لا يد تمتد، لا نافذة تنفتح سأرسم ظلّي فوق الإسفلت، وأترك للريح الباقي." كل مفرداته ترتكز على الافتقار الكامل: لا دفء، لا طعام، لا تواصل إنساني فكرة "رسم الظل" ثم تركه للريح تدل على الإحساس بأن الوجود ذاته أصبح عبثيًا، لا يستحق الاحتفاظ به لهذا فإن موته المجازي كان يحدث كل يوم قبل أن يتجسد فعليًا بموته متجمدًا.
مما سبق نجد ان الشعراء الثلاث بينهم رابط مشترك وهو الشعور العميق بالاغتراب عن الذات والمجتمع وتكررت معهم رموز السابقين مثل : الليل والغربة والسقوط والصمت والريح والموت وعكست فلسفتهم مزيج من الرومانسية السوداوية والتمرد العاجز فهؤلاء الشعراء لم يكتبوا عن الانتحار بوصفه "فعلًا" فقط، بل كتبوا عن الموت كحالة شعورية مزمنة، بدأت في النصوص قبل أن تتحقق في الواقع.
يقول الخبير في علم النفس دكتور نصرالدين محمد إدريس : الشعراء هم فئة من الناس تدخل فيما يسمى بالمبدعين ومفهوم الإبداع في علم النفس يعنى به قدرات محددة تبرز في الشخص سواء كانت فنية أو غيره وبالتالي فالشعراء يعبرون عن نوع من الإبداع في شكل شعر وملكة الشعر حسب النظريات التي تناولت قضاياه تقول أنها تجربة إنسانية فريدة ومعاناة في شكل قوالب شعرية وبتفكيكها فهي تتناول جوانب الفرح وكثير منها جوانب الحزن والمعاناة
ويضيف : من هذا المدخل نرجع إلى مفهوم الإنتحار في علم النفس والذي يشير إلى أن الشخص المعني ( المنتحر ) قد وصل إلى مرحلة نفسية سئية نتيجة لمجموعة من الإحباطات مما دعاه ليقرر أن يضع حداً لحياته وبالتالي فإذا كانت هنالك ظاهرة لإنتحار الشعراء فيعني ذلك ان الشاعر يعاني من مشكلات تأصلت داخل بناءه النفسي عززها نوعية التنشئة الإجتماعية التى تأثر بها بجانب البيئة المحيطة كل ذلك يجعل بعضهم يعيش معاناة معينة لايستطيعون تحملها مما يؤدي بهم إلى الإنتحار ويرى ان هذه المعاناة تتلخص في جزأين هما انها سبب في إبداعه وإنتاجه للشعر والآخر انها سبب في إنهاء حياته ويستبعد ادريس ان يكون الفعل الشعري ضرباً من ضروب التفريغ المعتمد في العلاج النفسي والذي هو يعرف بمفهوم التفريغ الإنفعالي كواحد من ادوات العلاج لدى مدرسة التحليل النفسي معللاً ذلك بأن هذا التقنية لها ادواتها وخطواتها ومقاصدها وكذلك لها طريقة تنفيذها وبالتالي فإن النظر إلى الشعر من نفس الزاوية غير صحيح فالشعر من حيث كونه تفريغ هو كذلك لكنه لايأخذ بمتطلبات التفريغ الإنفعالي في مدرسة التحليل النفسي لعدم وجود نظام متبع : بمعنى أنه في حلقات التفريغ الإنفعالي هنالك أخصائي نفسي وطبيب ومريض يبدأ الطبيب بنقاش الموضوعات كما يوجه الأشياء في صالح المريض لكن الشاعر يعبر عن أشياءه كما يراها هو قد تأخذ المسار الصحيح أو الخطأ وبالتالي يمكن لقصيدة يقولها الشاعر ان تؤسس لمشكلة أخرى أكثر سوءا.
خاتمة :
إنتحار الشعراء ظاهرة عالمية يكتنفها الكثير من الغموض وتظل من بعدهم سراً طوياً يصعب على الكثيرين فهم مغزاه أو تأويل مسبباته رغم محاولاتهم الجدية في فك طلاسمه بالتحليل تارة وبالتأويل تارة اخرى .
وبما يعرف عن الشعراء من رهافة الحس والرومانسية الزائدة والغرق في الخيالات لابد وأن يلمح المقربون إليهم خيباتهم العديدة في الحياة سواء كانت خيبات شخصية أو قومية – وطنية كما تلمح عليهم جراء ذلك النزوع نحو الوحدة والتوتر والتألم لأسباب شبه مجهولة .
ومع ذلك نجد أن أغلب الشعراء (المنتحرين) على مستوى العالم قبل إقدامهم على الخطوة تفوح من كتاباتهم رائحة الموت فالأديب والشاعر الأردني تيسير السبول قبل إنتحاره كتب : ( انا يا صديقي اسير مع الوهم ...ادري ايمم نحو تخوم النهاية .. نبيا غريب الملامح امضي الي غير غاية ... سأسقط لابد ، يملأ جوفي الظلام ... نبيا قتيلا وما فاه بعد بآية ) قال عنه الكاتب والمحلل أسامة فوزي : ( قد خلصت في بحثي عن تيسير السبول أنه انتحر لاسباب فلسفية فقد تصوف في ايامه الاخيرة وكان دائم السؤال عن الحياة بعد الموت كان يري ان هناك حياة اخري لا يعرفها احد .. اقتنع بان الحرية التي هي جزء من الحقيقة طريق لا يمكن ادراكه الا بمواجهة الموت ) وربما سار على طريقته من قبل ومن بعد الشاعر خليل حاوي حين قال : (فلأمت غير شهيد/ مفصحاً عن غصّة الإفصاح/ في قطع الوريد…) وكذلك الأرجنتينية مارتا لينش من قبل أن تكتب : (ان الموت وحده يتيح لنا ان نعيش مرة اخري ، فلا احدا لا يعرف ما هو الموت ، انه شكل اخر من الحياة وانا متاكدة من ذلك ) وقال زوجها : (ان مارتا سمحت لنفسها ان تقول للموت : لقد تعادلنا في المباراة فقد نلتني ولكنني انا التي اخترت التوقيت ) وأخيراً الإيطالي الشهير تشيزاره بامنيزه ترك رسالة لصديقته يقول فيها : ( كلما فكرت في الانتحار بدا لي انه أمر هين ، حتى النساء الضعيفات يملكن القدرة عليه".

في مايو... الخرطوم حرة والمليشيات تترنح تحت ضربات قوات الشعب المسلحةتقرير : نبوية سرالختمفي لحظة تاريخية فارقة، استطاعت ...
20/05/2025

في مايو... الخرطوم حرة والمليشيات تترنح تحت ضربات قوات الشعب المسلحة

تقرير : نبوية سرالختم
في لحظة تاريخية فارقة، استطاعت قوات الشعب المسلحة "الجيش والقوات المساندة له" خلال شهر مايو 2025 تحقيق انتصارات عسكرية نوعية أعادت رسم خارطة السيطرة على الأرض، ووضعت حداً لصراع دام أكثر من عامين مع مليشيات الدعم السريع. من غرب البلاد في معارك الخوي والتقدم العملياتي غرب الفاشر إلى معسكر صالحة شمال الخرطوم، توالت النجاحات العسكرية التي مهدت لإعلان الجيش السيطرة الكاملة على العاصمة الخرطوم في بداية الثلث الأخير من الشهر. هذه الانتصارات لم تكن مجرد انتصارات ميدانية، بل نقطة لبداية جديدة ستفتح آفاقاً نحو استعادة الأمن والاستقرار في السودان، وسط تحديات إنسانية وسياسية كبيرة.
مايو شهر الفتوحات الكبيرة واعلان تحرير الخرطوم :
خلال الأيام الأولى من شهر مايو 2025، عمل قوات الشعب المسلحة على إعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها القتالية، مستفيدةَ من أسلحة نوعية وذخائر متطورة حصلت عليها خلال العمليات. كما طورت استراتيجيات متقدمة لتنفيذ عمليات مركزة في نقاط حساسة، من ضمنها معسكر صالحة ومنطقة الخوي، بالإضافة إلى التقدم العملياتي غرب الفاشر، مع التركيز على استعادة مناطق محورية محيطة بالعاصمة.
شهد غرب السودان خلال مايو معارك عنيفة في منطقة الخوي، حيث حققت قوات الشعب المسلحة نجاحات كبيرة في السيطرة على مواقع استراتيجية. في الوقت ذاته، سجلت تقدماً عملياتياً غرب الفاشر، مع استمرار المواجهات التي لم تؤدِ بعد إلى تحرير المدينة، إلا أنها قلصت من قدرة مليشيات الدعم السريع على التمركز والسيطرة في تلك المناطق.
تمكنت قوات الشعب المسلحة من استعادة السيطرة على معسكر صالحة بعد معارك مكثفة، ما قلل بشكل ملحوظ من قدرات مليشيات الدعم السريع على شن هجمات قرب الخرطوم. يمثل تحرير المعسكر إنجازاً استراتيجياً مهماً ضمن الحملة العسكرية الأوسع لتأمين العاصمة.
في بداية الثلث الأخير من مايو 2025، أعلنت قوات الشعب المسلحة اكتمال السيطرة على العاصمة الخرطوم، مستعيدة جميع المواقع الحيوية والمرافق الحكومية، وفرض الأمن على أغلب أحياء المدينة، ما يشكّل نقطة تحول مهمة في مسار الصزاع.
حصول الجيش على أسلحة نوعية:
تمكنت قوات الشعب المسلحة من الحصول على أسلحة نوعية وذخائر متطورة بعد تحرير المناطق التي كانت تسيطر عليها مليشيات الدعم السريع، مما يعكس نقطة ضعف بارزة في قدرات هذه المليشيات. فرغم امتلاك مليشيات الدعم السريع لأسلحة نوعية لم تكن بحوزة قوات الشعب المسلحة في البداية، إلا أن هذه الأسلحة ظلت محفوظة في المخازن ولم تُستخدم بشكل فعال خلال المعارك.
ويعود ذلك إلى عوامل عدة، منها ضعف التنسيق والقيادة داخل صفوف المليشيات، بالإضافة إلى نقص التدريب الفني والتكتيكي اللازم لاستخدام هذه الأسلحة بفعالية في ساحات القتال. كما أن الطبيعة الفوضوية والبنية غير النظامية لهذه المليشيات أثرت على قدرتها في استغلال التفوق التكنولوجي الذي توفره هذه الأسلحة.
شهدت معارك معسكر صالحة والتقدم في غرب الفاشر تقارير ميدانية تشير إلى استخدام قوات الشعب المسلحة للأسلحة النوعية بشكل متقن ومخطط، ما ساهم في تحقيق مكاسب تكتيكية مهمة. على سبيل المثال، أفادت مصادر ميدانية أن وحدات الجيش استغلت بنجاح الأسلحة المضادة للدروع وأنظمة الاتصالات الحديثة التي تم الاستحواذ عليها من مخازن مليشيات الدعم السريع، ما مكنها من تفكيك دفاعات العدو والسيطرة على مواقع استراتيجية بسرعة.
بالمقابل، أشارت شهادات ميدانية إلى أن مليشيات الدعم السريع، رغم امتلاكها لأسلحة متطورة مثل أنظمة الدفاع الجوي المحمولة وصواريخ مضادة للدبابات، لم تستطع توظيفها بشكل فعال خلال المعارك، حيث كانت تعاني من انعدام التنسيق بين الفصائل المختلفة، ونقص التدريب اللازم لاستخدام هذه الأنظمة المعقدة. علاوة على ذلك، وثقت تقارير محلية حالات تخزين هذه الأسلحة في مواقع آمنة بعيداً عن خط المواجهة، مما أفقدها عنصر المبادرة والفاعلية القتالية.
هذا الواقع الميداني يبرز الفارق الكبير في الخبرة والتنظيم بين الجيش النظامي والقوات المساندة له وبين مليشيات الدعم السريع، وهو عامل رئيسي في الانتصارات التي حققتها قوات الشعب المسلحة ممثله في الجيش والقوات المساندة له خلال مايو 2025.

مستقبل المليشيات والحكومة الموازية
تواجه مليشيات الدعم السريع حالة من الانهيار والتراجع الحاد، ورفضًا شعبيًا واسعًا وزاد من عزلتها على الصعيد الداخلي الجرائم الكبيرة التي ارتكبتها ضد المدنيين والبنية التحتية، والتي وثقتها تقارير حقوقية محلية ودولية
بالتالي، من الصعب تصور أي دور مستقبلي لهذه المليشيات ضمن المشهد السياسي أو الأمني في السودان، إذ يطالب المجتمع السوداني بنزع سلاحها بشكل كامل ومحاسبة قادتها على الجرائم المرتكبة. هذا الرفض الشعبي يشكل عقبة رئيسية أمام أي محاولة لإعادة دمج هذه المليشيات في مؤسسات الدولة أو إضفاء شرعية على وجودها.
ومع ذلك، يظل خطر استمرار بعض الفصائل المسلحة خارج القانون قائمًا، ما يحتم على السلطات والحكومة الانتقالية اتخاذ إجراءات أمنية صارمة لضمان استقرار البلاد وحماية المدنيين، فضلاً عن دعم جهود العدالة والمصالحة الوطنية.
اما في مايلي مشروع إنشاء حكومة موازية من قبل مليشيات الدعم السريع فالأمر يواجه تحديات سياسية كبيرة، أبرزها رفض المجتمع الدولي والإقليمي لهذا التوجه، حيث تركز معظم القوى الكبرى والفاعلة في السودان على دعم مؤسسات الدولة الشرعية واستقرارها. وبالتالي فإن أي محاولة لتقسيم السلطة أو إقامة كيانات موازية سيتم التعامل معه باعتباره تهديدًا لوحدة الدولة وتهديدًا للاستقرار الإقليمي.
إضافة إلى ذلك، الدول المجاورة والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية تدعو إلى الحلول السلمية والتسوية السياسية، وترفض أي محاولات لتقويض السلطة المركزية. هذا السياق يجعل من الصعب على المليشيات أن تحصل على شرعية دولية أو إقليمية لأي كيان موازٍ.
وبما أن إنشاء حكومة موازية يعتمد بشكل رئيسي على السيطرة الميدانية والقبول الشعبي. ومع استمرار خسائر مليشيات الدعم السريع على الأرض وفقدانها لمناطق استراتيجية، تقل قدرتها على فرض سلطتها أو تقديم خدمات فعالة للمواطنين.

أما على الصعيد الشعبي، تعاني هذه المليشيات من عزلة واسعة بسبب الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها بحق المدنيين، مما تسبب في فقدان الثقة والدعم الشعبي. ضعف الشرعية الداخلية يجعل من الصعب بناء حكومة تحظى بقبول واسع أو حتى حاضنة سياسية قوية.
وتفتقر مليشيات الدعم السريع إلى قيادة موحدة ومنظمة يمكنها تنسيق مشروع سياسي معقد كالقيام بحكومة موازية. الطبيعة الفوضوية والقبائلية لهذه المليشيات تعيق بناء مؤسسات سياسية متماسكة، كما أن الصراعات الداخلية وانقسامات الصفوف تزيد من هشاشة المشروع السياسي.
حتى وفي حال نجحت المليشيات في إعلان كيان موازٍ، فإن استمرار النزاع المسلح وعدم الاستقرار الأمني في مناطق نفوذها سيحد من قدرتها على حكم فعال وتوفير الأمن والخدمات، مما سيزيد من معاناة السكان ويعزز رفض المجتمع المدني لهذا الكيان.
رغم محاولات مليشيات الدعم السريع إقامة حكومة موازية، فإن التحديات السياسية، الأمنية، الشعبية والتنظيمية تجعل من هذا المشروع ضعيفاً جداً وغير قابل للتطبيق في المرحلة الراهنة. يتطلب نجاح أي مشروع سياسي وجود شرعية شعبية وميدانية وإقليمية، وهي جميعها مفقودة حالياً لدى هذه المليشيات. بدلاً من ذلك، ستستمر المليشيات في مواجهة ضغوط متزايدة من الدولة والمجتمع الدولي، مع احتمالية تفككها أو استيعابها في إطار الدولة إذا ما توفرت إرادة سياسية.
عودة الجيش السوداني لاستعادة العاصمة وتأمينها مع دعم شعبي ومؤسسي كبير، يجعل من الصعب تقبل أو تحمل وجود حكومة موازية. الجيش يمثل المؤسسة الرسمية القادرة على فرض القانون والنظام، وهو مطالب بمواصلة جهوده لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الأمن.

مليشيات الدعم السريع .. تحليل للموقف العملياتي والاستراتيجيتحقيق : نبوية سرالختموالحرب السودانية تسير نحو عامها الثالث، ...
11/05/2025

مليشيات الدعم السريع .. تحليل للموقف العملياتي والاستراتيجي

تحقيق : نبوية سرالختم

والحرب السودانية تسير نحو عامها الثالث، تبرز تساؤلات متزايدة حول مستقبل مليشيات الدعم السريع: هل لا تزال رقماً صعباً في معادلة الصراع ؟ أم أن ترهّلها الميداني وتآكل حواضنها الاجتماعية والسياسية قد وضعاها على حافة التفكك؟ يهدف هذا التحقيق إلى تحليل موقف هذه القوات من منظور عملياتي واستراتيجي، مستندًا إلى معطيات ميدانية، شهادات من الداخل، ومصادر عسكرية وتحليلية متعددة

شبكات مصالح عجلت بالمواجهة ولكن !

تأسست مليشيات الدعم السريع في الأصل كوحدة ميدانية مقاتلة تحت مظلة جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني لكن سرعان ما تحولت إلى قوة عسكرية مستقلة بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي". لعبت دوراً محورياً في حروب دارفور ثم في الثورة السودانية، قبل أن تجد نفسها في مواجهة مفتوحة مع القوات المسلحة السودانية منذ أبريل 2023.
مليشيات الدعم السريع، التي سعت للهيمنة على العاصمة الخرطوم وبعض مدن غرب السودان منذ البداية ، كانت تظن أنها ستحقق انتصارًا عسكريًا، ولكن نتائج الواقع كانت عكس ذلك تماماً بالرغم من ما اظهرته من قدرات عسكرية ضاربة على الأرض والتي كانت تسندها قوة وهيمنة اقتصادية بالسيطرة على الموارد لا سيما قطاع الذهب في دارفور مثل سيطرتها على "جبل عامر" والذي استطاعت عبره تأمين مصدر تمويل مستمر يضمن استمرار عملياتها ويمنحها تأثير سياسي فعال.
واستفادت كذلك من الموقف الدولي المتباين الذي تراوح ما بين الإدانة والصمت والتأييد الضمني وبرغم الدعم المالي واللوجستي الذي تلقته من قوى إقليمية ودولية والذي سمح لها بمواصلة حملاتها العسكرية دون إنقطاع ومكنها من كسب ولاءات محلية كانت ضرورية لتزويدها بالعنصر البشري واستمرار وجودها في الميدان بالرغم من كل ذلك فإن عدم قدرتها في الحفاظ على المواقع وتنقلها بين الاحياء السكنية العشوائية جعلها هدف سهل امام ضربات سلاح الجو السوداني وقوات العمل الخاص خصوصاً تحركاتها بالقرب من مواقع استراتيجية مثل قاعدة وادي سيدنا والمدرعات .

سلاح مليشيات الدعم السريع غير التقليدي

استخدمت مليشيات الدعم السريع خلال حملاتها على القرى والمدن السودانية العديد من الاسلحة غير التقليدية منها سلاح هتك النسيج الاجتماعي والإبادة الجماعية والإزلال العنصري والتجويع وهتك الاعراض بجانب استخدام ادوات القوة الناعمة والدعاية والإعلام فضلاً عن التحالفات السياسية ومحاولة توسيع نفوذها السياسي
فالوجود المكثف لمليشيات الدعم السريع في الأحياء السكنية أسهم بشكل كبير في تفكيك وهتك النسيج الاجتماعي، وخلق موجات نزوح كبيرة داخل العاصمة وبعض المناطق الأخرى. كما تسببت الممارسات القسرية، مثل الاحتجاز القسري في المنازل والمنشآت وممارسة التجويع والضرب والاغتصاب وهتك الاعراض بجانب التجنيد الإجباري للأطفال واستخدام المدنيين كدروع بشرية، ساهمت هذه الممارسات في تأجيج المشاعر المعادية لهذه المليشيات، ما جعل من المستحيل عليها بناء قاعدة شعبية ثابتة أو ضمان استقرار الوضع في المناطق التي تسيطر عليها.
وفي سبيل محو انتهاكاتها الجسيمة في حق المدنيين لجأت مليشيات الدعم السريع إلى أدوات القوة الناعمة، متبنية دعاية إعلامية قوية عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومع تزايد التقارير حول انتهاكاتها ، حاولت هذه القوات تقديم نفسها كحامي للمدنيين، مستفيدة من تصوير وسائل الإعلام لحملات الدعم الإنساني التي قدمتها في بعض المناطق. لكن تلك المحاولات لم تكن كافية لتغيير الصورة السلبية التي رافقت وجودها في كثير من المناطق.
حاولت كذلك مليشيات الدعم السريع توسيع دائرة نفوذها السياسي من خلال عقد تحالفات مع الحركات المسلحة في دارفور وفصيل عبد العزيز الحلو في جنوب كردفان إلا أن هذه المحاولات، في ظل توجيه اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضدها، كانت محكومًا عليها بالفشل، إذ فشلت في بناء قاعدة جماهيرية ثابتة أو كسب الدعم السياسي المؤثر في الداخل والخارج.

تحليل المواقف العملياتية والاستراتيجية

خلال السنة الأولى من الحرب، حققت مليشيات الدعم السريع مكاسب ميدانية كبيرة، مستفيدة من سرعة الانتشار والمرونة اللوجستية، إضافة إلى التحالفات مع عناصر خارجية، خاصة من غرب إفريقيا. سيطرت بفعلها على مواقع استراتيجية في العاصمة الخرطوم ومدن رئيسية مثل نيالا وزالنجي والجزيرة لكن مع حلول عام 2025، تراجعت قدرتها على المناورة بسبب الخسائر البشرية التي تكبدتها في معارك المدن والتآكل المعنوي داخل صفوفها نتيجة الانقسامات والانتهاكات بجانب العمليات النوعية لسلاح الطيران السوداني والتي استهدفت مراكز القيادة والإمداد
كانت قوات الدعم السريع في البداية سريعة في استيعاب أساليب الحرب غير التقليدية، حيث استفادت من قدرتها على التحرك بشكل غير نظامي في المدن الكبرى والأرياف. استهدفت قوات الدعم السريع مراكز الجيش والمرافق الحيوية، إلا أن مواجهتها مع سلاح الطيران السوداني قلبت الموازين، حيث أسفرت الضربات الجوية الدقيقة عن تراجع كبير في قوتها الميدانية.
لكن على الرغم من تفوق الجيش في الجو، كانت قوات الدعم السريع قد أكسبت نفسها قاعدة عسكرية ثابتة داخل مناطق كثيرة في البلاد، مما مكّنها من الاستمرار لفترات طويلة في المعركة. هذا التفوق الإقليمي على الأرض منح مليشيات الدعم السريع القدرة على الحفاظ على توازن معين، على الرغم من الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات
في حين كانت مليشيات الدعم السريع تتمتع بمرونة ميدانية أكبر، لاسيما في المناطق الريفية والصحراوية، حيث استخدمت التقنيات الحديثة مثل الطائرات بدون طيار والصواريخ المحمولة، وكان هذا تفوقًا لها على الجيش الذي لا يملك تجهيزات ميدانية مرنة بهذا الشكل.
ومع ذلك فقد تكشفت في قلب هذه المعركة العسكرية المتطورة جوانب ضعف داخل صفوف الدعم السريع. حيث كان هناك تزايد في مظاهر التفلت والفوضى بين مقاتليها، حتى أن غياب التنسيق بين الوحدات المنتشرة بات أكثر وضوحًا. ومع ازدياد حالات النهب والعنف ضد المدنيين في دارفور والخرطوم وكردفان والجزيرة ، وجدت هذه القوات نفسها في موقف حرج، يقلل من قدرتها على الحفاظ على استقرارها الداخلي حتى في المناطق سيطرتها
تحاول قيادة مليشيات الدعم السريع تعويض الانحسار الميداني بالتحركات السياسية والإعلامية وتسويق مشروع "الحكومة الموازية" بالتنسيق مع بعض الفصائل في نيروبي مثل التحالف مع عبد العزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية- شمال وذلك عبر اتفاق غير معلن حول "قضية الهامش"، رغم التباين العقائدي بين الطرفين وأيضاً الاعتماد على قنوات خارجية لدعم المشروع، وسط تقارير عن علاقات استخباراتية مع أطراف إقليمية ودولية.

تحليل المواقف السياسية والاستراتيجية

كان الجيش السوداني منذ بداية النزاع يسعى إلى إعادة السيطرة على الأراضي التي استولت عليها قوات الدعم السريع والميليشيات الموالية لها. بالإضافة إلى العمليات العسكرية، استخدم الجيش السياسة لضمان دعم داخلي وخارجي، واستعاد بعض المناطق من خلال تشكيل تحالفات مع قوى إقليمية ودولية
في المقابل، كانت مليشيات الدعم السريع تعتمد على شبكة من العلاقات السياسية الإقليمية والدولية، بما في ذلك مع حركات مسلحة أخرى وقوى إقليمية من غرب أفريقيا. وركزت قوات الدعم السريع في ترويج مشروع "الحكومة الموازية" مع الحركات المتمردة مثل حركة عبد العزيز الحلو، في خطوة تهدف إلى تعزيز موقفها السياسي والإقليمي.
تتمحور استراتيجية مليشيات الدعم السريع حول ضمان السيطرة على أكبر عدد ممكن من المناطق الحيوية، ثم تأمين تحالفات مع فصائل سياسية وقبلية. تمسكت مليشيات الدعم السريع بشعار "قضية الهامش"، لكن هذا الشعار تعثر مع تصاعد التحديات الداخلية من بعض الفصائل القبلية التي كانت تساندها سابقًا.
على الرغم من أن الجيش السوداني يواجه تحدياته الخاصة في استعادة السيطرة على الأرض، فإنه في ذات الوقت يحتفظ بولاء فصائل متعددة في داخل السودان. هذه الفصائل منحت الجيش القدرة على نشر قواته في مناطق مختلفة داخل السودان، في وقت أضعف فيه غياب الوحدة مليشيات الدعم السريع وجعلها معزولة اجتماعية حتى في حواضنها القبلية
وبينما يقاتل الجيش السوداني لاستعادة السيطرة على الأرض ولم يقتصر تمركزه في مناطق استراتيجية فقط فإنه اتبع خطط ركزت على إضعاف خصمه عبر استنزاف الموارد والإمدادات لديه فضلاً عن استعانته بتحالفات إقليمية ساعدته في الحصول على دعم استخباراتي وتقني ساهم في تحسين قدراته على المواجهة والمواصلة في فرض ضغط مستمر على وحدات الخصم من خلال تكتيك طويل الأمد، وهو أمر يصعب على الأخيرة مجاراته حيث تواجه تحديات ميدانية واستراتيجية، بما في ذلك تآكل دعمها الداخلي حيث بدأت الحواضن القبلية التي كانت تدعمها تشعر بالخيانة نتيجة الانتهاكات التي ارتكبتها ضدها بجانب تورط هذه المليشيات في جرائم حرب مع تصاعد التهديدات القانونية، مما يجعلها تواجه ضغوطًا دولية قد تهدد وجودها على المدى الطويل.

خاتمة :

لم تعد مليشيات الدعم السريع قادرة على فرض معادلة استراتيجية لصالحها، بل باتت عبئًا حتى على الجهات التي ساندتها سابقاً. ما لم يحدث تفكيك منظم لها ضمن ترتيبات أمنية مستقبلية وهو خيار مستبعد في ظل الجرائم المرتكبة فإن بقاءها بصيغتها الحالية وتفككها إلى مجموعات إجرامية اصغر يعزز خطر تمرد طويل الأمد بما يهدد وحدة السودان ومستقبله الأمني.

Address

Khartoum
183

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الحقيقة Truth posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share

Category