20/05/2014
أثارت جدلاً فقهيًا وقانونيًا
الطبيبة المرتدة.. (الإعدام) يحرِّك حفيظة المنافحين عن الحقوق
تقرير: خالد فرح
ليست هي المرة الأولى أن تتصدر حادثة معزولة تقع في بقعة من العاصمة الخرطوم عناوين الإعلام الدولي وتقوم لها الدنيا بمنابرها الإقليمية والدولية. فقصة (الفتاة المرتدة) التي ملأت الدينا هتافًا وضجيجًا ما بين القضارف ومحكمة الحاج يوسف هي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة خاصة أننا أدمنا تحول السلوك والتصرفات الشخصية لبعض منسوبي الدولة إلى منابر القضاء ومنابر المساجد، والذي يضع أحيانًا القضاء أمام مرمى الانتقاد القانوني ويشير لمنابر الإفلاس الديني لبعض رجال الدين الذين جوزوا عملية إعدام الفتاة، وكل تلك الملابسات صاحبت حادثة كان يمكن معالجتها بقليل من الحكمة بعيدًا عن الأضواء.
أصل الحكاية
روايات متضاربة نقلتها الصحف ووكالات الأنباء عن القصة الحقيقية لفتاة جاءت بها ظروف الدارسة من منطقة القضارف لتهوي بها الأيام في محكمة الحاج يوسف محكومًا عليها بالإعدام.
(الصيحة) تقصت في أصل الحكاية وتحدثت لأحد أقاربها الذي فضل حجب اسمه وأشار إلى أن الأسرة الآن تواجه ضغوطًا كبيرة لتتنازل عن البلاغ الموجه ضد ابنتهم أبرار. ومضى في القول بأن كل مافي القصة أن أبرار تلك فتاة عادية بعثت بها الأسرة إلى دراسة المختبرات الطبية بجامعة الخرطوم وليس كلية الطب كما يُشاع، شهدت منطقة (القريشة) بريفي القضارف صرخة ميلادها.
تخرجت في العام 2012 وهو العام الذي اختفت فيه تمامًا عن أسرتها، التي لم تترك مكانًا للبحث عن أبرار، وتشهد على ذلك بلاغات الشرطة التي عثرت على دليل بعد أكثر من عامين متواصلين، وتفيد مضابط التحري بحسب المصادر، أن الشرطة عثرت على هاتفها لدى شقيق زوجها الذي قال إن هذا الهاتف ملك لزوجة شقيقه وبمتابعة لصيقة تم العثور عليها في منزلها بأحد أحياء شرق الخرطوم.
أبرار أنكرت أهلها على الفور في مضابط الشرطة وقالت إنها لا علاقة لها بـ(أبرار) هذا الاسم المدعى عليها وأنها تحمل اسم مريم آدم يحيى إسحق مسيحية لام إثيوبية تعود جذورها لدارفور.
الوالدة تقول هي ذاتها (أبرار) التي حملتُ بها في جوفي، وأنا التي أرضعتها من ثديي، ومايخالف وقائع بعض الحقائق التي استندت إليها مريم أن التحقيقات لم تثبت أنها طبيبة كما ادَّعت، وأثبتت نتائج التحري أنها لا علاقة لها بجامعة الخرطوم.
حالة من الوهم أصابت شقيق (أبرار) الأكبر والذي ظل يتوسل إليها للرجوع إلى كنف الأسرة وقال لها إنهم سيعملون على علاجها من مرض نفسي ألم بها في هذه الفترة وجعلها تتنكر لوالدتها، ولكن كل هذه المحاولات لم تجدِ نفعًا في إقناع مريم التي تتمسك بالمسيحية وزوجها.
وتفيد معلومات (الصيحة) أن أبرار أو مريم هي من قبيلة مشهورة بالقضارف قبيلة محافظة على عاداتها وتقاليدها ولا تدين بأي نوع من السفور أو الانفتاح ناهيك أن تعتنق ابنتهم المسيحية وتتزوج من مسيحي، وتفيد المتابعات بأن والدها رجل معتدل وذائع الصيت وهو الأمر الذي دفع الأسرة للبحث عنها ومن ثم مواجهتها قضائيًا.
لكن يبقى السؤال: لماذا تتمسك الأسرة بالمحاكمة التي تؤدي ببنتها إلى حبل المشنقة، ولماذا تتنكر أبرار أو مريم، على أسرتها، هل أُصيبت بمس شيطاني أم ماذا، وما هو سر تمسكها بزوجها الجنوبي في مقابل ترك كل قبيلتها، على كل حال فإن القصة اتخذت أشكالاً متعددة من الغموض واتخذت مناحي أخرى من التصعيد في المنابر الدولية.
سروال لبنى
على ضوء ما سبق تعددت في السنوات الأخيرة حالات التبرع بالأزمات التي وضعت الخرطوم في موزاين حقوق الإنسان الدولية وشهد العام 2009 أشهرها وفتحت قضية (سروال لبنى) بابًا واسعًا لدخول الانتقادات الدولية لقانون النظام العام، الذي أصر على محاكمة لبنى بالجلد لجهة أنها ترتدى (بنطال) الأمر الذي عُرف بسروال لبنى في المنابر الدولية، لبنى حسين المشهورة بعمودها كلام رجال آنذاك كانت تقضي أمسيتها مع الأقارب في نادٍ صغير، وتحولت القصة إلى الحكم عليها بالجلد والغرامة ومضت القصة إلى أبعد من ذلك بعد خروجها إلى غير عودة وشكلت قصتها في تلك الفترة قضية رأي عام عالمي احتشد حولها الناشطون الحقوقيون، والذين كالوا لنظام القضاء في الخرطوم باتهامات وانتقادات كبيرة.
فتاة الفيدو
لم يمضِ عام على قضية لبنى حتى ظهرت قصة أخرى كانت بطلتها في ديسمبر من 2010 فتاة الفيدو تلك الفتاة التي تم جلدها في الشارع العام على ضوء قانون النظام العام، والتي أثارت جدلاً كبيرًا في الإسفير وتم تداول الفيدو على قطاع واسع من الدول الأوربية وخرجت حينها عددٌ من منظمات حقوق الإنسان ببياناتها تدين الخطوة، وكانت الشرطة قد نفذت حكم الجلد (50) جلدة على فتاة تبلغ من العمر (16) عامًا وهي ترتدي ملابس ضيقة وصفها القاضي (بالخليعة).
فتاة الديم
مارس من العام 2012 كان على موعد آخر مع قصة أخرى تختلف في شلكها وتتفق في المضمون مع الأخريات من القصص، عادل عجبنا شاب كان يجلس أمام منزله في وقت متأخر من الليل فيتحول هذا الجلوس إلى وفاة شقيقته بعد أن استيقظت الأسرة على استغاثة الشاب الذي دار حوار بينه وبين دورية النظام العام، والتي كانت تسير في أحياء الديم بوسط الخرطوم ليلاً.
قضية عوضية عجبنا التي لم يتوقف نبضها بالمحاكم حتى الآن اتخذت بُعدًا سياسيًا كبيرًا حيث اتخذ أهل المنطقة التي تنتمي إليها أسرة عجبنا موقفًا صارخًا ضد النظام واحتشدت الأسرة في مظاهرات كادت تتحول إلى مواجهات كبيرة مع الشرطة والأسرة التي لا تزال تطالب بالقصاص.
القضاء في الواجهة
بما أن العلماء اختلفوا حول الحكم على الفتاة المرتدة بالإعدام إلا أن القضاء سيضع نفسه في الواجهة إذا تم تنفيذ ذلك الحكم بعد أكثر من عامين.
فيما شنَّ شيخ رزق خطيب المسجد الكبير هجومًا لاذعًا على مناصري الطبيبة وذهب علماء دين في اتجاه آخر ببطلان الحكم واستند بعضهم إلى أن العلماء مختلفون حول حكم الردة، ومضى رزق بوصفه للمتعاطفين مع الفتاة بالأغبياء موضحًا أن الأمر متعلق بالدين وليس بالتعاطف مع حقوق الإنسان واصفًا قرار المحكمة بالصحيح.
ويرى بعض المراقبين من التيارات الإسلامية أن المسألة سلاح ذو حدين إما أن يحسم القضاء مسألة الردة بإعدام الفتاة وإلا فسيفتح الباب للذين يستهدفون تبشير المسلمين.
حكمة (تكتوك)
يبدو أن البرلمان كان أقرب إلى حكمة (فرح ود تكتوك) حينما وافق على تعليم الإبل القراءة والكتابة خلال ثلاث سنوات بناء على طلب مغلظ من الأمير، وحينها قال الشيخ فرح وسط دهشة الحاضرين (ثلاث سنوات، لا في البعير ولا في الأمير ولا في الفقير).
بمعنى أن البرلمان أشار إلى أن هناك مساحة للاستئناف قد تتيح للقضاء فرصة للعدول، ووصف رئيس البرلمان الفاتح عز الدين حكم القضاء بأنه ابتدائي سيتدرج في مراحل القضاء حتى الدستورية، والفرصة الأكبر التي ينظر لها ود تكتوك هي أن الحكم سينفذ بعد عامين ونصف العام وهي فترة الإنجاب والحضانة وهي الفترة التي يراهن عليها شيخ فرح.