20/12/2025
كل الحب والامتنان منصة الحرة 🌹🫶🏾
بين الثورة والحرب: كيف انهارت الدولة السودانية بعد ديسمبر
💠متابعات -- منصة الحرة
◾ عصام إبراهيم — كاتب ومحلل سياسي
الحرب في السودان ليست مجرد تصادم مسلح، بل انكشاف فلسفي لمسار اختطفت فيه الثورة ذاتها معنى الوجود السياسي. فالثورة ليست لحظة عابرة، بل فعل تراكمي يُعبّر عن إرادة تاريخية لتحويل المجتمع. وعندما تُفرغ من جوهرها، تتحول السلطة إلى غاية، والسياسة إلى صراع على الامتلاك، ويصبح العنف الشكل النهائي لجدلية الإقصاء. الخامس عشر من أبريل لم يكن حدثًا منفصلًا، بل امتداد متأخر للثغرة التي فتحتها النخب حين أسقطت الدولة المدنية في امتحان الشرعية، وحوّلت العقد الاجتماعي إلى لعبة نفوذ، وذاكرة الشعب إلى ملكية خاصة. هنا، تصبح الحرب استمرارًا للفشل في إنتاج معنى، وامتدادًا طبيعيًا لانهيار السياسة، حيث يغدو السقوط التاريخي للدولة انعكاسًا لفشل الإنسان في تحقيق مشروع الحرية المشتركة.
هذا المقال لا ينطلق من المبالغة الخطابية، ولا يستهدف النيل من تضحيات ثورة ديسمبر، بل من مقاربة تحليلية تفكك ما أعقب الحدث الثوري، لا تمجيده. فالإشكال الجوهري لم يكن في الثورة نفسها، بل في كيفية التعاطي معها سياسيًا، حين تحولت من فعل وطني جامع إلى غنيمة تتنازعها النخب، التي تصرفت، صراحة أو ضمنيًا، بعقلية الامتلاك وكأن الدولة ملكية خاصة لا تعبيرًا عن إرادة شعب متعدد وذو تاريخ نضالي طويل.
ديسمبر مثّل لحظة كشف للواقع السياسي السوداني، لكنه فضح أيضًا هشاشة الوعي السياسي بعد سقوط النظام. ذلك الوعي، المشبع بالرومانسية الثورية، اختزل التغيير في إسقاط رأس السلطة، وتغافل المهمة الأعمق: تفكيك بنية الدولة العميقة، وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي على أسس المواطنة والعدالة والشراكة. ومن هنا بدأ المسار الانحداري؛ حيث جرى نهب الذاكرة الثورية، وتجريدها من مضمونها السياسي، وتحويلها إلى رمز استهلاكي بدل مشروع تأسيسي يُبنى عليه.
سرقة الثورة لم تكن مجرد انحراف أخلاقي، بل خطأ سياسي فادح ترتبت عليه نتائج كارثية، أبرزها الانزلاق إلى حرب الخامس عشر من أبريل. القوى التي اختطفت الثورة، وأقصت شركاءها، واحتقرت مساهمات أجيال ناضلت لعقود قبل ديسمبر، هي نفسها التي أسست لشروط الانفجار. لقد تصرفت هذه النخب بعقلية الغنيمة لا الشراكة، وبمنطق الإقصاء لا التوافق، ففككت الجبهة المدنية، وأضعفت الثقة، وفتحت المجال أمام عسكرة السياسة وانهيار الدولة.
سياسيًا، لم تُدار مرحلة ما بعد ديسمبر بعقل الدولة، بل بعقل الجماعة. بدل بناء مؤسسات انتقالية راسخة، جرى الارتهان لتوازنات هشة، وتقديم تسويات قصيرة الأجل على حساب المشروع الوطني طويل المدى. هذا الفراغ السياسي لم يكن محايدًا، بل شكّل بيئة خصبة لإعادة إنتاج العنف، إذ تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات صفرية، وحلّ السلاح محل السياسة، وكانت النتيجة حربًا مدمرة دفعت البلاد ثمنها من دم أبنائها ووحدة كيانها.
تهميش القوى الاجتماعية والسياسية التي راكمت نضالها عبر سنوات طويلة قبل ديسمبر شكّل خطيئة استراتيجية. الثورة، في جوهرها، فعل تراكمي لا لحظة مبتورة من التاريخ. وعندما تُلغى هذه الحقيقة، ويُعاد تعريف الثورة بوصفها ملكًا لجيل أو فئة أو مركز نفوذ، تفقد قدرتها على الحماية الذاتية، وتتحول من إطار جامع للتغيير إلى ساحة صراع مفتوح.
من زاوية أعمق، حرب أبريل ليست حدثًا منفصلًا، بل أحد تجليات مأزق ما بعد ديسمبر الأكثر عنفًا. عندما تُفرغ السياسة من محتواها، وتُفرغ الدولة من بعدها المدني، يصبح العنف احتمالًا راجحًا، لا استثناءً. فشل النخب في إنتاج رؤية وطنية جامعة، وتحول الصراع من صراع على بناء الدولة إلى صراع على السيطرة عليها، سرّع سقوطها في هاوية الحرب.
استعادة معنى ديسمبر لا تتحقق بالشعارات أو باستدعاء الذاكرة العاطفية، بل عبر مراجعة نقدية شجاعة تعترف بالأخطاء، وتحمّل المسؤوليات، وتفكك عقلية الغنيمة التي حكمت المرحلة الانتقالية. الدولة لا تُبنى بمنطق الوصاية، ولا تُدار بعقلية الامتياز، بل بعقد اجتماعي يقر بتعدد الفاعلين، ويعترف بتراكم النضال، ويؤسس لشراكة حقيقية لا تقصي أحدًا.
في المحصلة، مأزق ما بعد ديسمبر لم يكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات سياسية خاطئة. وإذا لم تُستخلص الدروس بوعي نقدي صارم، ستظل ذاكرة الثورة منهوبة، وستبقى الدولة عرضة للسقوط المتكرر. فإما ثورة تُستعاد بوصفها مشروع دولة، أو ذاكرة تُحتفى بها بينما يتآكل الوطن.