20/02/2026
المواطن البسيط أذكى من النخب .. الصمت وعيًا، والعزلة موقفًا
كتب د.محمد الكتيابي- جامعة النيلين
ليس هناك شىء أخطر على المجتمعات من النخب، حين تفقد علاقتها بالواقع، ولا أكثر ظلمًا من الصورة التي رسمتها هذه النخب للمواطن العادي: جاهل، منساق، غير واعٍ، يحتاج دائمًا لمن “يُرشده”.
لكن التجربة السودانية الحديثة – بكل انكساراتها – كشفت حقيقة مزعجة للنخب: أن المواطن البسيط لم يكن غبيًا كما ادّعوا، بل كان أكثر حدسًا منهم… وأكثر صدقًا مع نفسه. طوال عقود، احتكرت النخب حق تفسير الوطن:
الإسلاميون تحدثوا باسم الدين، اليساريون باسم الجماهير، الليبراليون باسم الحداثة،
والأكاديميون باسم العقل. لكن النتيجة واحدة: دولة فاشلة، مجتمع منهك، وثقة منهارة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: إذا كانت هذه هي حصيلة "العقل النخبوي"، فمن الأجدر بالاتهام: الشعب أم من ادّعى قيادته؟
المواطن البسيط، ذلك الذي تسخر منه المنصات الثقافية بوصفه “غير مسيّس”، طوّر عبر التجربة ما لم تطوره النخب عبر الكتب: حسًا عميقًا بالريبة. ذاكرة طويلة للخذلان.
فهمًا عمليًا لطبيعة السلطة. وعيًا غريزيًا بأن كل خطاب جميل يخفي مصلحة قبيحة.
حين اختار كثيرون الانسحاب من السياسة، لم يكن ذلك جهلًا كما فسّره المثقف المتعالي، بل كان استنتاجًا منطقيًا بعد مراقبة طويلة لسلوك القوى السياسية.
"حزب الكنبة" لم يكن ظاهرة سلبية بقدر ما كان شكلًا من أشكال الاحتجاج الصامت:
رفض المشاركة في لعبة قذرة، لا عجزًا عن فهمها.
النخب، على العكس، كانت تعيش وهمًا أخطر:
أن امتلاك المفردات يمنحها امتلاك الحقيقة.
أن حفظ النظريات يغني عن فهم المجتمع.
أن تكرار الشعارات يعوّض غياب الأخلاق.
المواطن البسيط لا يكتب بيانًا سياسيًا، لكنه يفهم جيدًا من يكذب عليه.
لا يتحدث عن الديمقراطية، لكنه يميز الظلم حين يراه.
لا يقرأ الفلسفة، لكنه يدرك intuitively أن من يغير موقفه كل أسبوع ليس جديرًا بالثقة.
ولذلك، حين انهارت المشاريع الكبرى، لم يُفاجأ المواطن العادي كما تفاجأت النخب.
هو كان يتوقع الخيانة، كان يشك في الطهر الثوري، كان يرى المصالح حيث كان الآخرون يرون الشعارات.
المفارقة المؤلمة أن النخب لم تفشل فقط في قيادة المجتمع، بل فشلت حتى في فهمه.
تحدثت عنه بلغة متعالية، حللته بأدوات مستوردة، واحتقرته حين لم يصفق لها.
ثم حين انفضّ عنها الناس، وصفتهم بالجحود، لا لأنها أخطأت، بل لأنهم "لم يفهموا عظمتها".
الحقيقة الأقسى: إن وعي المواطن البسيط أكثر التصاقًا بالواقع من وعي النخبة المغلقة داخل فقاعة الأيديولوجيا، هو لا يعيش في خطاب، بل في تجربة، لا يحلل الدولة كمفهوم، بل يختبرها كقمع أو كخبز أو ككرامة.
لهذا فإن أي مشروع نهضوي حقيقي لا يبدأ بإصلاح السلطة، بل بإعادة الاعتبار للعقل الشعبي، لا بوصفه تابعًا يحتاج للتنوير، بل بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى.
المجتمع لا ينهض حين تقوده النخب المتعالية، بل حين تتواضع النخب لتتعلم من الناس.
وفي السودان تحديدًا، ربما كانت أكبر خديعة تاريخية هي الادعاء بأن المشكلة في الشعب…
بينما الحقيقة أن المشكلة كانت دومًا فيمن تحدثوا باسمه