21/11/2025
تخيّل أنك تمشي في مبنى إداري مهجور قرب الغروب. الهواء ثقيل، والغرف فارغة إلا من صدى خطواتك. تدخل غرفة صغيرة لتتفقد شيئًا نسيته… وفجأة تشعر أن البلاط تحت قدمك يهتز اهتزازًا خفيفًا، ليس قويًا، لكنه يكفي ليفتح شقًّا في الهواء نفسه. تحاول الرجوع خطوة، لكن اللحظة تنغلق عليك، وتجد نفسك تسقط… ليس نحو الأسفل، بل بين الواقع وثقوبه.
تفتح عينيك على ضوء أصفر يلسع نظرك. أنت الآن في مكان لم تكن يومًا جزءًا من عالم البشر. جدران صفراء باهتة، مضاءة بمصابيح فلوريّة تصدر طنينًا متواصلًا يذكّرك بأنك مراقَب، حتى لو لم تر أحدًا. الأرضية مفروشة بسجاد مبلل، رائحته خانقة، وصوته تحت قدميك يشبه أنينًا رطبًا لا يشبه أي صوت سجاد عادي. تحاول أن تلتقط أنفاسك، لكن الهواء نفسه ثقيل وكأنك داخل غرفة أُغلقت منذ عشرات السنين.
تمشي خطوة، ثم أخرى. الممرات لا تنتهي. كل زاوية تشبه التي قبلها، وكل غرفة تبدو نسخة طبق الأصل، ومع ذلك تشعر كل مرة أن شيئًا تغيّر، ولو بشكل لا تلاحظه العين فورًا. كأن الجدران تتحرك عندما تدير ظهرك. تنظر خلفك وتتأكد… أنت لا تعود أبدًا إلى نفس المكان مرتين بنفس الشكل. الأماكن هنا تتنفس، تتمدّد، وتضيق، وكأنها على قيد الحياة.
الأصوات التي تسمعها تبدأ همسًا بعيدًا. قد تظن أنها تهيؤات، لكن كلما طال وجودك، يصبح الهمس أوضح. حركة ما خلف الجدار. زحف بطيء، أو تنفّس شيء كبير، أو خطوات ليست بشرية. تحاول ألا تلتفت بسرعة، لأنك قرأت يومًا أن الكائنات هنا تتحرك فقط عندما تشعر أنك خائف. وأن المكان نفسه يقتات على ضياعك. تستمر في المشي، رغم أن قلبك يضرب كطبلة حرب.
بعد فترة لا تعرف كم دامت، تصل إلى غرفة مختلفة قليلًا. أغمق. أبرد. ورائحة العفن فيها أقوى. حين تخطو داخلها، تدرك أنك لم تعد في المستوى الأول من المكان… بل دخلت مرحلة أخرى، مستوى أعمق وأخطر. كل خطوة داخله تشعرك بأن هناك عينًا تتبعك. عيونًا ربما. لكنك لا تتوقف، فلا أحد توقف هنا وخرج بعدها ليحكي القصة.
وهنا، قبل أن تذوب تمامًا في هذا الجحيم الصامت، تبدأ الحقيقة العلمية للـ Backrooms في التشكل داخل رأسك.
---
ما هي الـ Backrooms؟
الـ Backrooms ليست مجرد قصة رعب، بل ظاهرة ثقافية ضخمة بدأت كصورة واحدة نُشرت سنة 2019 على الإنترنت. صورة لجدار أصفر باهت، أرضية مبللة، وإضاءة فلوريّة مزعجة. هذه الصورة وحدها أشعلت خيال الناس: ماذا لو كان هناك مكان كامل يشبه المكاتب المهجورة، مكان بلا نهاية، بلا خروج، بلا منطق؟
من هنا وُلدت أسطورة الـ Backrooms.
الناس تخيّلوه كمساحة خارج حدود الواقع، عالم يُمكن أن تسقط فيه إذا "نوقليبت" — أي إذا خرج جسمك من إطار الفيزياء بشكل غير مقصود. ليس سقوطًا حقيقيًا، بل انزلاق من بين طبقات العالم، كأنك أوقعت نفسك بين شقوق الكون.
التصور الشعبي يقول إن الـ Backrooms تتكون من مستويات لا تحصى. أشهرها:
المستوى الأول: الغرف الصفراء
لا نهاية لها، رائحتها خانقة، وأصوات الأجهزة فيها لا تتوقف. هي الأكثر شهرة لأنها المكان الذي يقع فيه الجميع أول مرة. ممراتها تتغير، تلتف على نفسها، وتضلّل الداخل حتى يفقد الإحساس بالوقت والمسافة.
مستويات أعمق
كل مستوى له منطق خاص. بعضها بارد جدًا، بعضها مظلم بالكامل، وبعضها يشبه مصانع صدئة مهجورة، أو ممرات فنادق لا تنتهي. وكل مستوى له "كيانات" — مخلوقات غير واضحة الشكل — قد تُصادفها، وقد لا تراها أبدًا، لكنك تشعر بها دائمًا.
من أين جاءت الفكرة؟
نشأت من مزج بين الرعب النفسي، الهندسة غير المألوفة للمباني، والتجارب التي يمر بها البشر في الأماكن الشاسعة الفارغة. مكاتب بلا موظفين، مستودعات ضخمة، مدارس مغلقة… تلك الأماكن التي نشعر فيها بأن شيئًا غريبًا مختبئ خلف الصمت.
الإحساس الأساسي هو “القلق الوجودي”: شعور أنك في مكان لم يُصمّم للبشر، وأنك قد تبقى فيه إلى الأبد مهما حاولت الهرب.
لماذا هي مرعبة؟
لأنها تضرب في أعمق نقاط الضعف البشرية:
الخوف من التيه، الخوف من الأماكن الخالية، الخوف من فقدان الزمن، والخوف من أن هناك شيئًا يراقبك دون أن تستطيع رؤيته.
الـ Backrooms ليست مجرد قصة… بل تجربة نفسية جماعية ينغمس فيها الملايين. عالم ضبابي بين الخيال والفساد المعماري… عالم يبدو قريبًا منا بشكل مزعج، كأنك لو فتحت الباب الخطأ في حياتك الواقعية، ستجد نفسك فجأة هناك، أمام تلك الغرف الصفراء التي لا تنتهي.
وكل من يقرأ عنها، ولو لم يعترف بذلك، يشعر في داخله بشيء واحد:
ربما… فقط ربما… هذا المكان موجود فعلًا.