02/04/2026
ياسر: رحلة الصمت المبتسم
في زوايا بيتنا القديم، لا تزال أصداء ضحكاته تسكن الجدران، وكأن تسعة وعشرين عاماً لم تكن إلا يوماً واحداً أشرقت شمسه ثم غابت فجأة. لم يكن ياسر مجرد ابن عمتي، كان "أخي الذي لم تنجبه أمي"، والقطعة التي أكملت فسيفساء طفولتنا.
بدأت حكاية ياسر بوجع مبكر، حين خطف الموت أمه وهو لا يزال طفلاً في الرابعة، غادرت وهي تترك له "إرثاً ثقيلاً" من المرض، ذاك الوحش الصامت الذي لا دواء له سوى مهدئات تسكن الألم ولا تقتل الداء. فتحت له أمي ذراعيها، فصار ابناً لها، يقتسم معنا الخبز والأحلام والسرير.
كبرنا معاً، وكانت براءته هي البوصلة التي توجهنا. كان ياسر "صاحب الابتسامة التي لا تنطفئ"، بشوش الوجه حتى في أحلك الظروف. لكن، ومع دخولنا مرحلة الدراسة المتوسطة، بدأ "الظل" يتربص به. بدأت الخطوات تثقل، والجسد الذي كان يركض خلف الكرة بدأ يخذله تدريجياً. غادر مقاعد الدراسة مكرهاً، وبدأ ينظر إلى العالم من نافذة غرفته، بينما كان المرض ينهش حركته ببطء شديد وقسوة بالغة.
عشر سنوات من الصمت المقاوم..
لم نسمعه يوماً يتأفف. كان يتألم بصمت الأنبياء، يقاوم التيبس بابتسامة، ويواجه العجز برضا لم أرَ له مثيلاً. كان يرى حزننا في أعيننا فيواسينا هو، وكأنه هو المعافى ونحن المبتلون. تسعة وعشرون عاماً، لم تكن مجرد أرقام، بل كانت ملحمة من الصبر الجميل.
كانت الليلة الأخيرة في المستشفى هادئة بشكلٍ موجع، لم يكن هناك صوت سوى طنين الأجهزة الذي يقطع سكون الغرفة. جلستُ بجانبه، وكانت تلك الليلة هي البرزخ بين ذكريات العمر ورحيله الأبدي.
كان ياسر هناك، بجسده الذي أنهكه الصبر، لم يكن قادراً على النطق، لكن روحه كانت تفيض من عينيه. عندما التقت عيناي بعينيه، توقف الزمن تماماً. لم نحتج إلى كلمات، فالكلام في تلك اللحظة كان أصغر بكثير مما نشعر به.
كانت عيناه تحكيان قصصاً لم تُروَ، وتودعانني بسلامٍ غريب. لم يشتكِ، لم يئنّ، بل كان ينظر إليّ بنظرة طمأنينة، وكأنه يخبرني أنه يرى الآن "النهاية السعيدة" لآلامه، وأنه مستعد للقاء الذي انتظرته روحه طويلاً منذ كان في الرابعة من عمره.
لقد كانت تلك الليلة هي "زكاة الوفاء"، حيث تلاقت الأرواح قبل أن تفترق الأجساد. رحل ياسر في اليوم التالي، تاركاً خلفه تلك النظرة محفورة في سويداء قلبي، نظرة كانت تقول بوضوح: "انتهى التعب يا أخي، وحان وقت اللقاء بأمي".
"يقولون إن العيون لا تكذب، وفي ليلة رحيل ياسر، كانت عيناه أصدق كتاب قرأت فيه معنى الحب، الصبر، والوداع المرّ."
رحم الله ياسر وغفر له، وربط على قلبي. إن هذا الوداع بالعيون هو أسمى أنواع التواصل، ويبقى ذكراه عزاءً لي طول العمر.