24/08/2026
هل الحكومة الإثيوبية جادة "حاليًا" في إعلانها عن بناء ثلاث سدود جديدة على النيل؟
في مارس 2026، دعت إثيوبيا شركات دولية لتطوير 3 مشروعات في شكل سدود كهرومائية جديدة على النيل الأزرق: الأول ماندايا بقدرة 2,000 ميجاواط، وكارادوبي بقدرة 1,600 ميجاواط، وبيكو آبو بقدرة 2,100 ميجاواط. إجمالي القدرة المعلنة 5,700 ميجاواط، باستثمار 10.5 مليارات دولار، ومدة تنفيذ 7 سنين. (صورة 01)
الإعلان ما نشرش الإحداثيات المساحية لمحاور السدود، ولا مناسيب تشغيل الخزانات، ولا حدود الغمر، ولا توزيع التكلفة. في نفس الوقت، أرقام القدرة والارتفاع والطاقة قريبة جدا من تصميمات قديمة درستها إثيوبيا بين 2005 و2015. عشان كده، السؤال الأدق مش عن قدرة إثيوبيا على بناء 3 سدود جديدة، لكن: هل النسخ القديمة المطابقة للإعلان ينفع تتجمع فعلا في شلال مائي واحد؟
المواقع كلها فوق سد النهضة على المجرى الرئيسي للنيل الأزرق, بالترتيب التالي من المصب للمنبع: سد النهضة، وبعده ماندايا قرب ملتقى نهر ديديسا، ثم بيكو آبو قرب جسر طريق نكيمتي–بحر دار، وفي الآخر كارادوبي أعلى النهر. محور سد ماندايا الأصلي هو الموقع الوحيد اللي ليه إحداثي منشور في دراسة جدوى، أما باقي النقط فحددنا مكانها بشكل تقريبي من خرائط وجداول قديمة. بالتالي بقت المواقع دي مناسبة للفحص سواء الجوي أو الجيلوجي أو الطبوغرافي، لكن نقاط الفحص مش بدقة رفع مساحي لتصميم أو تنفيذ المشروعات. الخريطة الطبوغرافية بتوضح مواقع السدود بالنسبة لبعضها على تضاريس حوض النيل الأزرق، الألوان بتعبر عن الارتفاع، وخط النهر بيربط المواقع من سد النهضة في الغرب لحد كارادوبي في الشرق. ا (صورة 02)
المقطع الطولي بيوضح منسوب قاع النهر بالاتجاه من «سد النهضة» للمنبع. الخط بيرتفع تدريجيًا، لكن مستويات الخزانات والسعة الكُلية بتاعتها بتكشف تعارض، في وجود السدود دي مع بعضها، أولًا "منسوب الملء الكامل" لـ "سد النهضة"، 640 متر، ودا منسوب أعلى من سد "ماندايا" الأصلي اللي بيظهر في
"نموذج الارتفاع الرقمي" عند حوالي 625 متر. وفي الجزء الأعلى من النهر، منسوب "بيكو آبو" العالي، بيوصل 1,065 مترًا، أعلى بحوالي 110 أمتار من نقطة فحص "كارادوبي" اللي بتظهر عند نحو 954.5 متر.
ده مش معناه استحالة بناء أي سد أساسه أقل من خزان السد ال بعده في اتجاه المصب؛ بل معناه إن المياه بتاعت السد التالي هتوصله، وبالتالي لازم حساب فرق المنسوب الفعلي وإعادة تصميم محطة القوى والمنشآت للسد بالكامل، وفي ذات الوقت بيضيف تكاليف وأعباء مالية ضخمة، وصعوبات هندسية، بيرفعوا مع بعض تكلفة الوقت والفلوس.(صورة 03)
تعاولوا ناخد سد بسد من التلاتة، علشان نفهم الكلام السابق دا معناه أيه:
نبدأ بـ"ماندايا" الأصلي ال اتصمم في 2005 بخزان يوصل "منسوب الملء الكامل" فيه لـ 800 متر، ومحطة بقدرة 2,000 ميجاواط, لكن دراسة 2015 قالت إن خزان «سد النهضة» هيغمر الموقع المقترح للبناء، الدراسة الأصلية لـ«ماندايا» حددت ارتفاع السد بما يقارب 619 مترًا، ونموذج الارتفاع الرقمي بتاعنا بيقدره بحوالي 625 مترًا، بينما «منسوب الملء الكامل» التصميمي لـ "سد النهضة" بتوصل لـ 640 مترًا، زي ما قولنا.
هنا بقي المُشكلة تبدأ تبان ليه؟ لإن التصميم بتاع 2005 حدد أنبوب السحب عند 593.2 متر، والتوربين عند 605.4 أمتار، وأرضية المولد عند 616.5 متر، ومنصة المحولات عند 631.5 متر، وساحة المفاتيح عند 640 مترًا. ده معناه إن المياه الراجعة من بحيرة "سد النهضة" ممكن تأثر على معظم منشآت محطة القوى وبرنامج تحويل النهر المنشور.
بس هنا لازم نفرّق بين حاجتين: السد ممكن يولد كهرباء حتى لو أساسه أقل من منسوب خزان "سد النهضة"، بشرط إن سطح خزان «ماندايا» يفضل أعلى من مياه المصب. ولو افترضنا مياه مصب عند 640 متر وخزان "ماندايا" بين 760 و800 متر، يبقى "الفرق المائي" الصافي التقريبي بين 116 و156 مترًا. ده «رأس مائي» موجب، لكنه لو وصل لحده المُنخفض عند 116 متر هيبقى أقل من نطاق تشغيل التصميم القديم؛ وبالتالي ما ينفعش نفترض إن قدرة الـ 2,000 ميجاواط والطاقة القديمة هيفضلوا زي ما هم، وهنا الحل إما نقل المشروع لـ "ماندايا العليا"، أو إعادة تصميم محطة القوى والتوربينات والتحويل بالكامل. (صورة 04)
صور "سنتينل-2" بتقدم دليل مستقل على وصول مياه بحيرة سد النهضة للموقع الحالي، والمساحة المائية المتصلة حوالين منطقة السد الحالية زادت من 0.96 كيلومتر مربع في أبريل 2019 لـ 5.41 كيلومتر مربع في سبتمبر 2025، قبل ما تقل موسميًا في مارس 2026، المفقارنة دي بتوضح تأثير الملئ على مكان السد قبل ملئ البحيرة وبعدها (صورة 05)
نروح لـ "كارادوبي" ال اتصمم بقدرة 1,600 ميجاواط، و"منسوب الملء الكامل" 1,146 متر، و"الرأس المائي" الإجمالي بين 185 و236 متر. تحته على النهر موجود "بيكو آبو العالي"، ومنسوب خزانه القديم 1,065 متر، يعني "كارادوبي" عند حوالي 954.5 متر، أقل من منسوب «بيكو آبو العالي» بحوالي 110 متر. (صورة 06)
نظريًا، ممكن تتبني منشأة جوه نطاق مياه راجعة بعد تجفيف مؤقت، بس المشكلة الحقيقية في التشغيل. خزان «بيكو آبو العالي» هيبقى مياه مصب مرتفعة لـ "كارادوبي"، وده هيقلل "الرأس المائي" الإجمالي لـ"كارادوبي" لنطاق تقريبي بين 35 و131 متر حسب حالة الخزانين. ومع ثبات التدفق، القدرة بتقل لما فرق المنسوب يقل. عشان كده ما ينفعش نحتفظ تلقائيًا بتوربينات «كارادوبي» القديمة أو قدرته الاسمية. (صور 07) بتستعرض مكان السد والتطورات الإنشائية المُحتملة فيهم وال لسة ملهاش أي أثر
مواصفات إعلان 2026 مطابقة تقريبًا لنسخة السد التالت ال هو "بيكو آبو العالي": سد ارتفاعه 285 مترًا، وقدرته 2,100 ميجاواط، وسعته التاريخية 37.5 مليار متر مكعب. النسخة دي بتغمر موقع "كارادوبي" وتستبعده من الشلال القديم. أما «بيكو آبو المنخفض» فمشروع مختلف: قدرته 935 ميجاواط، و"منسوب الملء الكامل" 910 أمتار، وسعته 1.751 مليار متر مكعب. النسخة المنخفضة ممكن تتجمع مع «كارادوبي»، لكن ساعتها القدرة والتخزين هيكونوا أقل من أرقام الإعلان.
إذن المشكلة مش إن بيكو آبو نفسه ما ينفعش يتبني. المشكلة إن اختيار النسخة العالية بيفرض إلغاء «كارادوبي» أو إعادة تصميمه جذريًا، مع إن الطريق والجسر الظاهرين متوافقين مع وصف الموقع القديم الموجود في الدراسات (صورة 08)
الكلام ال فوق دا معناه ببساطة إن المشروعات التلاتة بالإضافة لسد النهضة ما ينفعش يتبنوا مع بعض ولا يشتغلوا مع بعض بالأرقام المُعلنة عن قدراتهم التشغيلية وسعاتهم التحزينية، بالتالي الإعلان عنهم تم على عجل شديد، وبدون مُراجعة أو حتى تدقيق، والكلام دا له مدلولاته عند أصدقائنا السياسيين والعسكريين يحطوه في مكانه من التحليل.
الكلام السابق دا هيتأكد أكتر من التقديرات التاريخية للتكلفة ال كانت 2.472 مليار دولار لـ«ماندايا»، و2.232 مليار دولار لـ«كارادوبي»، و2.838 مليار دولار لـ«بيكو آبو العالي» في 2007، على أساس أسعار 2005. لكن بعد لما إحنا عملنا إعادة تسعير لبنود الخرسانة والتوربينات والطرق والنقل بمؤشرات إنشاء سعرية متوسطة لحد أبريل 2026، التكلفة ارتفعت لتصل 4.998 مليار دولار لـ "ماندايا"، و4.482 مليار لـ "كارادوبي"، و5.714 مليار لـ "بيكو آبو العالي".
يعني مجموع التصميمات الـ3 زاد من 7.542 مليار دولار عند التقدير بتاع 2007 لحوالي 15.194 مليار دولار بأسعار أبريل 2026، بزيادة حوالي 101%، ونطاق تخطيطي أولي بين 12.2 وقد يصل إلى 22.8 مليار دولار. مبلغ الإعلان، 10.5 مليار دولار، أقل بحوالي 31% من التكلفة التقديرية بتاعتنا، بس مهم جدًا نأكد إن التكلفة التقديرية ليست عرضًا تعاقديًا، والـ15.194 مليار دولار دي مجرد مجموع حسابي للتصميمات، والتقديرات الحالية ما بتشملش أي تجديد للتصميمات، ولا كل مخاطر التمويل وسعر الصرف وتضخم فترة الإنشاء. (صورة 09)
الكلام ال فوق برودوا مش معناه إن مفيش سدود ينفع تتنفذ، لكن معناه إن الحزمة دي كلها على بعضها غير قابلة للتنفيذ، ودا يخلينا قدام بديلين تنفيذيين للحزمة دي، الأول خلينا نسميه (الممر المنخفض): ودا بيشمل "ماندايا" العليا + "كارادوبي" + "بيكو آبو المنخفض"، ودا تكلفته كانت 8.469 مليار دولار بأسعار 2015 وشاملة فوايد فترة الإنشاء، وتقديره الحالي وفقًا لدراستنا 13.159 مليار دولار، بنطاق 10.5–19.7 مليار. قدرته 4,235 ميجاواط، وسعته 69.653 مليار متر مكعب، وطاقته 23.0715 تيراواط ساعة سنويًا.
التاني هو «الممر العالي»: ودا بيشمل"ماندايا" العليا + "بيكو آبو العالي" فقط، مع استبعاد "كارادوبي"، وتكلفته 6.128 مليار دولار على أساس أسعار مختلط 2005/2015، وتقديره الحالي وفقًا لدراستنا 10.824 مليار دولار، بنطاق 8.7–16.2 مليار. قدرته 3,800 ميجاواط، وسعته 65.202 مليار متر مكعب، وطاقته 19.7823 تيراواط ساعة سنويًا. المقارنة النهائية لازم تعرض المجموع المعلن كخيار «غير متوافق»، والبديلين المتوافقين، وتفرق بصريًا بين الأرقام المؤكدة من الدراسات وأرقام الفحص اللي اتعاد تسعيرها. (صورة 10)
تقديرنا النهائي
الأدلة ما بتقولش إن بناء إثيوبيا لـ3 سدود إضافية على النيل الأزرق مستحيل. اللي بتقوله إن الخطة المنشورة بالأسماء والأرقام للمجموعة الحالية صعب جدًا تتنفذ مع بعض: "ماندايا" الأصلي محتاج يتنقل أو يتعاد تصميمه بسبب "سد النهضة"، و"بيكو آبو العالي" بيستبعد "كارادوبي"، في حين إن "بيكو آبو المنخفض" بيسمح ببقاء "كارادوبي" مقابل تقليل القدرة والتخزين.
ده بيفتح احتمالين: يا إما الإعلان جمع مواصفات دراسات قديمة علشان العرض وجذب الاستثمار والدخول في جدل أو حتى دفع مصر للصراع قبل حسم التصميم، يا إما فيه فعلًا نسخ جديدة بس مناسيبها ومحاورها وتكلفتها لسه ما اتنشرتش. ولحد ما البيانات دي تظهر، التقدير الأكثر تحفظًا هو إن الحزمة المعلنة غير قابلة للتنفيذ هندسيًا وغير محسوب تكلفتها بدقة من الناحية التمويلية، البدايل القديمة المتوافقة بتوصل في نقطة الفحص الحالية لحوالي 10.8–13.2 مليار دولار، وبنطاق تخطيطي 8.7–19.7 مليار، قبل تكلفة أي إعادة تصميم جديدة. أما جمع الأسماء التلاتة زي ما جت في الدراسات القديمة فبيقرب من 15.2 مليار دولار بأسعار دلوقتي، لكنه بيفضل مجرد مجموع حسابي لمشروعات متعارضة، مش مشروع جاهز للتعاقد.
وإحنا هناقش مع حضراتكم في الجزء التاني من سلسلة السدود ال تلاتة مدى قُدرة الحكومة الإثيوبية على تمويل السدود دي في ظل وضعها المالي الحالي علشان يكتمل عندنا منظور عن الإعلان دا ربما يكشف بأي شكل أي تفاصيل عن كواليسه... إنتظرونا!