29/10/2025
◾نحن نقص عليك أحسن القصص.
أحسن قصة في تاريخ البشرية.
وردت بتفاصيلها كلها في القرآن.
عن الصدق.
عن الغدر.
عن الظلم.
عن العوض.
عن السقوط.
عن الصعود.
عن تبدل القدر والأحوال.
لما تعرف التفاصيل، هتشوف حياتك بنظرة مختلفة، هتبدل أفكارك كلها، ومش هتفكر في بكرة، لأنك هتتأكد إن بكرة بإيد ربنا.
يا عزيزي أنا جاي احكي لك أحسن قصة في التاريخ.
ربنا قال عنها (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)) سورة يوسف.
فأنا عاوزك تسيب كدا كل حاجة في إيدك، وصدقني، رغم طول القصة، اللي هتقرأه هنا وهتعرفه أهم كتير من أي حاجة بتعملها.
كان ممكن أجزأها، بس حبيت إنك تعرفها كلها مرة واحدة، لأن من جمالها، هتحس إنك مش قادر تسيبها غير لما تعرف كل تفاصيلها.
أحسن القصص.
زي ما قال عنها ربنا.
جاهز؟
يلا بينا.
النبوة مع سيدنا (يوسف) بدأت لما كان طفل صغير، شاف رؤيا في المنام إن فيه 11 كوكب والشمس والقمر بيسجدوا له، ومكنش بالنضج الكافي اللي يخليه يصدق رؤيا زي دي، فراح لأبوه سيدنا (يعقوب) -عليه السلام- الملقب بإسـ* ـرائيل علشان يقول له اللي شافه.
سيدنا (يعقوب) كان نبي وفوق دا كان حكيم وذكي، فكان من الطبيعي إن اللي شافه (يوسف) رؤيا مش مجرد حلم، وإنها علامة بتؤكد إن (يوسف) هيكون له في المستقبل شأن عظيم أو نبوه، فوصاه إنه مايحكيش لإخواته، فسمع (يوسف) كلامه ونفذه.
وأغلب الظن إن إخواته كانوا بيكرهوه للدرجة اللي تخليه ميثقش فيهم أو يحكي لهم عن شيء.
كان له عشر إخوات من أم تانية، وسيدنا (يوسف) كان ابن (راحيل)، وأخوه الشقيق من أم وأب كان (بنيامين).
في يوم من الأيام اجتمع إخواته العشرة وقالوا إنهم 10 رجالة أشداء وقادرين على جلب المنفعة، فمش من حق أبوهم تفضيل (يوسف) وأخوه عليهم، (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8)) سورة يوسف.
ومن كتر الحقد الشيطان قدر يقنعهم إن الحل الوحيد لمشكلتهم هو قتـ* ـل أخوهم (يوسف)، أو إلقائه في مكان بعيد علشان يموت لوحده، ومع الوقت هينساه أبوهم ويبقى حبه كله ليهم، وبعدها يتوبوا عن فعلتهم ويرجعوا صالحين، (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)) سورة يوسف.
واحد منهم أشفق على (يوسف) من الموت أو استكبر عليه الموت فقال لهم:
- نلقي به في بئر، فيمر أحدهم ويأخذه معه فننتهي منه.
وافقوا على الفكرة وبدأوا في إقناع سيدنا (يعقوب) إنهم عاوزين ياخدوا (يوسف) معاهم وهمَ بيرعوا الغنم يشم هوا ويلعب شوية، سيدنا (يعقوب) كان عارف كويس مدى كرههم لـ(يوسف)، فخاف يأذوه، ورفض.
عاتبوه وقالوا له إنه مينفعش يخاف على أخوهم وهو معاهم، فاتحجج إنه مش هيقدر يبعد عن (يوسف) وخايف عليه من الذئب ياكله وهمَ مش واخدين بالهم، (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)) سورة يوسف.
فتظاهروا بقوتهم مأكدين إنهم 10 رجالة أقوياء، ومش هيقدر الذئب يقرب منهم لحظة، فوافق سيدنا (يعقوب) من الضغط والإلحاح علشان تتحقق المشيئة الإلهية وتبدأ مسيرة (أحسن القصص).
سيدنا (يوسف) لما مشي مع إخواته سحبوه معاهم لحد ما استقروا جنب بئر بيمر من عنده الناس، وفجأة هجموا عليه وقلعوه قميصه وبعدين رموه في البئر، بعدها دبحوا حيوان ويُقال إنه أرنب ولطخوا القميص بالدم، وسابوا (يوسف) اللي فضل يستنجد بيهم من داخل البئر ومشيوا لبيت أبوهم.
وقفوا قدامه وبدأوا يتصنعوا البكاء، وقالوا له إنهم كانوا بيتسابقوا وسابوه جنب أشيائهم فجيه الذئب وأكله، ولكنك مش هتصدق حتى لو كنا بنقول الحقيقة، (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)) سورة يوسف.
حقدهم عمى بصيرتهم في إكمال الكذبة كاملة، ولو كانوا أذكياء مكنوش عملوا فعلتهم في أول مرة يسمح لهم أبوهم إنهم ياخدوا (يوسف) معاهم علشان يطمن لهم، ولكن الاستعجال خلاهم يغلطوا كذا غلطة.
الأولى: لجلجتهم في الكلام واهتزازهم.
التانية: إنهم قالوا إن الذئب أكله وهو محذرهم منه أصلًا.
التالتة: يُقال إنهم مقطعوش القميص لطخوه بالدم بس.
فمصدقهمش سيدنا (يعقوب)، خد منهم القميص وحطه على وجهه وفضل يبكي بحرقة على ابنه اللي مش عارف إيه حصله، وقال لهم إن نفسهم الأمارة هي اللي أقنعتهم بالخبث وزينت لهم الحرام وحللته وأوهمتهم بإنه هيصبر وهتمر حادثة ابنه بسهوله، وبعدين استعان بالله علشان يصبروا على أنفسهم وخطأهم الكبير، (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18)) سورة يوسف.
سيدنا (يوسف) فضل قاعد في البئر، ربنا هون عليه السقطة وكمان مغرقش، فكان فيه صخرة قعد عليها.
لحد ما مرت قافلة ضخمة من جانبه متجهة ناحية مصر، شخص منهم رمى دلو علشان يجيب مياه فسيدنا (يوسف) مسك في الدلو وهو بيسحبه.
الراجل افتكر إن الدلو امتلأ ولكنه اتفاجئ بطفل، فهلل فرحان سعيد بعد ما بقى ملكه كما لو إنه حصل على قطعة ذهبية، وبعدين سكت فجأة بعد ما فكر في مسئولية العناية بطفل مش هتفيده في شيء، فخده معاه عازمًا إنه لما يوصل مصر هيبيعه في سوق العبيد.
وفي السوق وكل منادي بينادي على عبيده وعرضه، وقف الراجل يعرض سيدنا (يوسف)، لحد ما جيه وقف قدامه شخص ذو شأن يبدو إنه من صفوة المجتمع، واشترى سيدنا (يوسف).
أغلب الظن إن الشخص دا كان وزير، والقرآن أطلق عليه لقب "العزيز"، وأرجح الآراء بتقول إن العزيز لقب وزير الوزراء.
ربنا زرع حب سيدنا (يوسف) في قلب "العزير"، فلم يتخذه كعبد، سلمه هدية لزوجته علشان تربيه.
امرأة "العزيز" مكنتش بتملك الوقت الكافي لتربيته، فاتربى وسط الخدم، إلا إنه كان ذو مكانة عالية وسطهم بسبب "العزيز".
سيدنا (يوسف) كان أجمل الناس في زمانه، وغير إن طيبة قلبه ونقاءُه الداخلي أضافوا على وجهه النور والجمال، كمان كان حكيم في الحكم على الأمور بالطريقة الصحيحة، عنده رزانة في العقل واللسان بتجبر الناس إنها تسمع له، نبيل وعفيف لدرجة إنه أصبح شخصية كاملة لا تُقاوم، ولو شافه أي شخص يعجب بيه من أول لحظة.
"العزيز" بعد ما عرف سيدنا (يوسف) كويس، عرف إن جواه شخص أمين يُعتمَّد عليه، فزاد شأنه وخلاه مسؤل من بيته وعامله كابن له.
بدأ الابتلاء التاني لسيدنا (يوسف)، فكان أقوى من الأول، امرأة "العزيز" اللي أكرمه في بيته طول حياته، أُعجبت بجمال وكمال (يوسف)، فاشتهته في الحرام.
أغلب الظن إن لما حضر (يوسف) في بيت "العزيز" كان عمره 12 سنة، وكانت امرأة "العزيز" 20 سنة، وبعد ما كبر ونضج وأصبح عمره 20 أُعجبت بيه وكانت وقتها في التلاتينات من عمرها وفي كامل نضجها.
وفي يوم دخلت عليه وقفلت الباب وراها وقالت له إنه مش هيهرب المرة دي، ودا يبين لنا إنه كان فيه مرات تانية.
حاولت تغريه بحبها له وتقرُبها منه، فقال لها أستعيذ بالله من أن أخون الرجل الذي انتشلني من الضياع وأعطاني كل شيء دون مقابل، (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23))سورة يوسف.
فزادت في الإغراء وقربت منه أكثر، (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)) سورة يوسف.
اتفق المفسرين على إنها همت بالمعصية، واختلفوا على ما هم بيه هو.
فيه أقاويل إن اللي منعه ظهور سيدنا (يعقوب) أو سيدنا (جبريل) قدامه فافتكر ربنا وبعد [ودي إسرائيليات بعيدة عن التصديق وفيها تهمة تلفيق].
قيل إنه هم بيها بمعنى حاول يضربها، وقيل إنه هم بالمعصية ولكنه لم يفعلها (هم بها بمجرد النية)، ولأنه رجل زي أي رجل ومن السهل تتحرك مشاعره من الإغراء العظيم اللي اتعرض له، خصوصًا إن يُقال إن إمرأة العزيز كانت جميلة جمال لا يُقاوم، لكنه لم يفعلها خوفًا من الله.
وقيل بإنه لولا لاحظ إن اللي بيحصل ابتلاء من الله لكان فعلها.
(إبليس) لما كان بيتكلم مع ربنا قال له: وعزتك لأغوين من لا حيلة له إلا عبادك منهم المخلصين.
وربنا ذكر في القرآن، (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)) سورة يوسف.
سيدنا (يوسف) نبي معناه إنه عبد مخلص، فاللي بيقول إن الشيطان أغواه كذب، ومننساش إنه راجل له مشاعر داخلية كبيرة.
سيدنا (يوسف) قرر ينهي الموقف علشان ميتطورش فجري ناحية الباب، ولكنها مسكتتش، مسكته من قميصه وسحبته ناحيتها فاتقطع القميص، في اللحظة دي دخل عليهم "العزيز".
مكر النساء اقتضى بإنها تبعد التهمة عنها وتبرأ نفسها وتلزقها بسيدنا (يوسف)، فقالت للعزيز:
- ماذا تفعل مع من يحاول انتهاك حرمة بيتك ويتعدى على زوجتك؟
فاقترحت العقاب السريع المأمون فورًا واللي هيبعده عن القتـ* ـل، فقالت له بإن من الواجب إنه يعذبه، سيدنا (يوسف) مسكتش، دافع عن نفسه وحكى اللي حصل، متذكرش في القرآن رد "العزيز" عليه ولكنه انتقل لمشهد البراءة على الفور.
احتكموا لشخص من أهل البيت، يُقال رجل عجوز، ويُقال اللي اتكلم طفل في المهد والله أعلم.
فقال:
- ننظر في القميص إن قُطع من الأمام فهو من حاول أن يتقرب لها، وإن قُطع من الخلف فهي من حاولت أن تشده ناحيتها.
فظهر الحق عن طريق شخص من أهل بيتها، (فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)) سورة يوسف.
تأكد "العزيز" من خيانة زوجته ولكنه منفعلش ولا قال كلمة واحدة حفاظًا على مكانته وسط الدولة، واتهم كيد النساء إنه السبب في اللي حصل، وقال لها استغفري لذنبك، بعدين التف لسيدنا (يوسف) وقال انسَ الأمر، (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)) سورة يوسف.
مظهره قدام صفوة المجتمع بالنسبة له كان أهم من أي شيء تاني.
قفل "العزيز" على الموضوع وقال لهم ينسوا اللي حصل ومفصلش بين (يوسف) وزوجته، وفضلوا في بيت واحد، وافتكر إن الموضوع هيتنسي وينتهي، ولكن الموضوع كان أصعب بكتير.
القصر كان مليان بالخدم فالخبر انتشر بسرعة بينهم لحد ما وصل للقصور المجاورة، فكانت فضيحة مسلية لسيدات الطبقة الراقية.
انتشر الكلام عن الموضوع لحد ما رجع لزوجة "العزيز"، فعرفت إن الناس بتتكلم عليها، مسكتتش وبدأ مكر النساء يشتغل تاني وقالت إنها هتخليهم يندموا، وهتثبت لهم إن حبها لـ(يوسف) غصب عنها.
أمرت بتجهيز حفلة ضخمة فيها كل ما تشتهي الأنفس من طعام، وحطت جنب كل طبق سكين، ولما انشغلوا في تقطيع اللحوم والفاكهة، جابت سيدنا (يوسف) وطلبت منه يدخل عليهم، فلما شافوه قدامهم قطعوا إيديهم من غير ما يحسوا، وقالوا مستحيل يكون دا بني آدم، دا أكيد ملاك.
بدأت زوجة "العزيز" في التبجح بعد ما حست إنها تشفت منهم واتكلمت بفخر قدامهم بإن (يوسف) في بيتها هي، هو رفضها مرة ولكنها هتحاول كتير لحد ما يقبل، ولو موافقش بيها هتتسبب في سجنه.
الموضوع منتهاش عند انبهار السيدات بس، لا دول حاولوا إغراءُه همَ كمان، فاتمنى من ربنا إنه يسجنه أفضل من اللي بيتعرض له كل يوم في بيت "العزيز"، (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33)) سورة يوسف.
استمرت الإغراءات وسيدنا (يوسف) بيصدها، لحد ما الموضوع بقى أصعب مما يكون، همَ سيدات طبقة راقية، جميلات وعندهم أموال كتير، وبيبعتوا هدايا وجوابات وبيزوروه ويعرضوا عليه نفسهم، وهو في النهاية راجل وهيسقط، فلجأ لربه، وطلب منه إنه يتسجن.
ربنا استجاب من عبده الصالح بإنه أدخل اليأس في قلوبهم فقالوا إنه مستحيل يستجيب، وأدخل الصبر في قلبه علشان يصبر أكتر ويتحمل أكتر.
ولكن كبراء الطبقة الراقية -وعلى راسهم العزيز- مقدروش يتحملوا الفضايح أكتر من كدا، فقرروا إبعاد سيدنا (يوسف) أو سجنه، (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ (35)) سورة يوسف.
سجنوا سيدنا (يوسف) من غير محاكمة، ورغم دا كان ثابت وراضي، أقرب من الفرح منه للجزع، لإنه تخلص من فتنة امرأة "العزيز" ومثيلاتها، والسجن عنده أهون من إن ربنا يغضب عليه.
السجن كان بالنسبة له مكان هادي يفكر فيه ويتعبد ويدعو الله، وكان بالعقل يهدي المسجونين لدين التوحيد، وهمَ استريحوا ليه وحبوه.
وفي يوم حضر له اتنين من المساجين حلموا حلمين غريبين، سيدنا (يوسف) طمأنهم بإنه قادر على تفسيرهم، ودي كانت معجزة من الله، وقال لهم بإنه يقدر يفسر أي حلم وقبل أن يأتي لهم الطعام هيفسر لهم الرؤيا، (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)) سورة يوسف.
وقال لهم إن ربنا أنعم عليه هو وأجداده بالهداية والمعجزات، وبكدا طمنهم بإنه يقدر يفسر الأحلام، وكمان قدر يزرع حب الدين بداخل قلوبهم.
فسر لهم الرؤيا بإن واحد منهم هيُصلَب ويموت، والتاني هيخرج وينعم بالحياة.
ولكنه محددش مين هيموت ومين هيحيا رأفة بيهم.
الحكاية إن الرجلين دول كانوا شغالين في قصر الملك، واحد منهم طباخ والتاني سقا، وكانت تهمتهم إنهم سمموا الملك، فقال لهم (يوسف) إن واحد منهم هيصلب ويموت وتاكل الطير من راسه، والتاني هيعيش.
وبعدين وصَّاهم إن اللي هيخرج لقصر الملك يحكي له عن حاله ويقول له حكايته وإنه اتسجن ظلم لعله يرأف بحاله ويعفو عنه.
ولما خرج الشخص نسي وكمل حياته من غير ما يذكر سيدنا (يوسف)، ففضل سيدنا (يوسف) كام سنة كمان في السجن، ودا كان عقاب من ربنا علشان لجأ لعبد وملجأش له، ففضل ندمان، (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)) سورة يوسف.
وكأن الله حب يفكره بإنه هو اللي قادر ينجيه من أي شيء، زي ما نجاه من إخواته والبئر والسيدات وهو القادر ينجيه من السجن.
ويُحكى إن سيدنا (جبريل) نزل له في السجن وقال:
- يا يوسف من نجاك من إخوتك؟
قال:
- الله.
قال له:
- من أنقذك من الجب (البئر)؟
قال:
- الله.
قال له:
- من حررك بعد أن صرت عبدًا؟
قال:
- الله.
قال له:
- من عصمك من النساء؟
قال:
- الله.
قال له:
- فعلام تطلب النجاة من غيره؟
ودا في حد ذاته كرم من عند ربنا، لأنه مسابش فضل حد عليه، فحمل كل الأفضال على الله، هو من فعل له كل شيء، فلمَ يطلب العون من غيره؟!
بعد كام سنة في قصر الملك، كان قاعد الملك مع حاشيته وبيحكي لهم عن حلم شافه وعاوز حد يفسره له لأنه حاسس إنه رؤيا، (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)) سورة يوسف.
الحاشية معرفوش يفسروها، وقالوا له بإن الحلم دا مجموعة من الأحلام المتداخلة في بعضها وملوش تفسير محدد.
الملك ماقتنعش وبدأ يدور على حد تاني من خارج القصر يفسر حلمه، ويُقال سبب بحثه وإصراره على تفسير الرؤيا إنها كانت بتتكرر معاه كتير، هنا واحد من الحاشية كان السجين اللي فسر له سيدنا (يوسف) الحلم، وغالبًا كان السقا بتاعه، افتكر إن (يوسف) هو اللي فسر له حلمه وكان صحيح، فقال للملك محدش قادر على تفسير حلمك سوى (يوسف).
شوف هنا حكمة ربنا وازاي قلب الأمور، بدل من إن سيدنا (يوسف) يحتاج للملك، الملك هو اللي احتاج لسيدنا (يوسف)، سُبحان الله.
أرسل الملك الخادم اللي قال له عن (يوسف) للسجن علشان يحكي له الحلم ويفسره، سيدنا (يوسف) مساومهمش على خروجه مقابل التفسير، ومقالش في عقل باله إنهم همَ الحكام الظالمين اللي كانوا سبب في سجنه، لا دا فسر لهم الحلم ومكتفاش بالتفسير، دا كمان قدم بعض الحلول.
قال لهم إن مصر هيمر عليها سبع سنين فيها محاصيل كتير ومطرة ووفرة في الطعام، ولكن ماتسرفوش لأن هيجي بعدهم سبع سنين غاية في الصعوبة، مفيهمش محاصيل ولا مطرة ولا طعام.
والحل إنهم ياكلوا قليل في السبع سنين الأولى وميسرفوش ويخزنوا اللي متاكلش للسبع سنين التانيين، واحتفظوا بالسنابل من غير تقشير علشان مايغلبهاش السوس.
وبكدا تكون انتهت رؤيا الملك ولكنه زاد في بُشرته وقال بإن فيه سنة هتمر عليهم وهيكون فيها محاصيل وماء كتيرة جدًا ووفيرة لدرجة إنهم هيعصروا السمسم والزيتون وهياخدوا منهم الزيت.
رجع الخادم للملك وحكى له على تأويل رؤياه، فاتعجب الملك من المسجون الغريب اللي قادر يفسر ويقدم الحلول، وماطلبش في المقابل أجر أو مكافأة أو إنه يخرج من السجن.
أمر الملك بإحضار (يوسف)، ولما راح له الرسل رفض خروجه وقال:
- لن أخرج إلا بعد إثبات براءتي، حينها سأخرج رافعًا الرأس، عودوا إلى الملك واسألوه عن قصة النساء الذين جرحوا أيديهم بسببي، فليحقق من جديد في الأمر وإن أثبت براءتي سأخرج، (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)) سورة يوسف.
سيدنا (يوسف) فهم الدرس اللي علمه له ربنا، ومبقاش يفرق معاه وجوده في السجن من عدمه، المهم إنه يثبت برائته علشان ميكونش فضل خروجه من السجن عند حد.
بعث الملك للنساء علشان يسألهم عن اللي حصل، وبدأت الحكاية تتفتح من جديد.
قالوا له:
- حاشا لله لم نرَ منه شيئًا خاطئًا.
وبعدها اعترفت امرأة العزيز اعتراف كامل من غير ضغوطات إنها راودته عن نفسها وإنها لسه بتحبه. واعترافها كان سببه إنها تحسن صورتها للراجل اللي اتهمها، وهو سيدنا (يوسف)، وحبت تثبت له بإنها مش سيئة للدرجة دي، وإن بيها خير، فقالت، (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)) سورة يوسف.
فيه تفسير بيقول إن المقصود زوجها وعلشان تثبت له إنها راودته بالنية فقط من غير ما تقع في المعصية وبعدها تابت، وبرأته قدام الناس واعترفت بكل حاجة، (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف.
الآية دي بتؤكد اعتناقها لدين سيدنا (يوسف).
أصدر الملك أمر الإعفاء عن سيدنا (يوسف)، فبعد كل دا عرف إنه قدام راجل عالم، صادق، صابر، أمين، فطلب إنه يحضر إليه، مش لشكره والإثناء عليه، بل غرضه كان أكبر، قرر إنه يبقى مستشاره، مستشار الملك.
سيدنا (يوسف) ماقبلش بالسلطة، بل وضح للملك إيه هي الحاجات اللي يقدر على إدارتها في الفترة اللي جاية علشان يقدر يكون على قدر من الأمانة، انبهر الملك، كان متعود دايمًا على المتملقين، اللي بيسعوا ورا السلطة، واتعجب من الشخص الغريب اللي قدامه، ولما حس سيدنا (يوسف) بثقة الملك ناحيته طلب منه باطمئنان، (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) سورة يوسف.
تحمل مسئولية إطعام شعوب هتجوع سنين، والشعب لو جاع يقتـ* ـل الحكام، كانت تضحية ومسئولية كبيرة من سيدنا (يوسف)، وبكدا اتحول حاله من الظلم والإهانة للملك والكرامة.
سبع سنين مرت في رخاء، وبعدها سبع سنين عجاف.
وبدأ القرآن في الوصف، والملحوظ في الوصف دا إن القرآن مذكرش أي من الوزراء ولا حتى الملك نفسه، ذكر سيدنا (يوسف) فقط، وكأن كل شيء بقى في إيده، وكأنه بيتحكم في كل اللي بيحصل في الدولة.
أما عن السبع سنين العجاف وضحها القرآن في إخوة سيدنا (يوسف) اللي سافروا مسافة طويلة جدًا من فلسطـ* ـين لمصر علشان يحصلوا على الطعام.
أيوه، ربنا أراد إن الإخوات يلتقوا مرة تانية، ولكن الوضع هنا اختلف تمامًا.
بعد سنين طويلة، وبعد معجزات وحكاية تقشعر لها الأبدان، وبعد ما طفل البئر بقى أمين خزائن دولة عظيمة زي مصر، جت لحظة اللقاء من تاني، لحظة لقاء الإخوة، ولكن كل حاجة مختلفة، الزمن مش هو الزمن، و(يوسف) مش هو (يوسف)، دا أهم شخصية في مصر.
أول ما إخوات سيدنا (يوسف) دخلوا عليه قدر يتعرف عليهم بسهولة، ملامحهم ماتغيرتش كتير، ولكنهم مقدروش يتعرفوا عليه نهائي، ودا بسبب إنه كبر في السن وشكله اتغير، ومين دا اللي يقدر يتخيل إن الطفل اللي اترمى في البئر بقى دلوقتي أشبه بحاكم مصر، الدولة الوحيدة الغنية في العالم واللي بتنعم بالرخاء والطعام والمياه في الوقت دا، (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58)) سورة يوسف.
ماعرفهمش بنفسه ولكنه أكرمهم وسلمهم اللي محتاجينه، وطريقة الشراء وقتها كانت إنهم جابوا معاهم بعض النقود والجلود والمحاصيل الصحراوية علشان يستبدلوها بخيرات مصر. ومن الواضح إن سيدنا (يوسف) تودد لهم لحد ما حكوا له عن أخيهم (بنيامين) -شقيق يوسف من أمه وأبيه-، وماحضرش معاهم لأن أبوه بيخاف عليه ومبيقدرش يبعده عنه.
فطلب منهم يجيبوه معاهم المرة الجاية وهيديهم ضعف اللي خدوه، (وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59)) سورة يوسف.
فكان من الطبيعي يصدقوه بعد ما شافوا كرمه وتودده الكريم، وطالما وعد هيوفي بوعده.
ولأنهم عارفين أبوهم كويس وإنه مش هيوافق بعد اللي عملوه بـ(يوسف)، فكان ردهم عدم التأكيد، (قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)) سورة يوسف.
وقبل ما يرحلوا أمر سيدنا (يوسف) الخدم يحطوا أشياءهم اللي جابوها معاهم -النقود والجلود والمحاصيل الزراعية- في حقائبهم تاني. ودا علشان يحثهم على العودة تاني ويبين لهم مدى كرمه، وفيه تفسير تاني بيقول إن دا معناه إنه مش هيبيع لهم تاني غير لو رجعوا بأخوهم، (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)) سورة يوسف.
رجع الإخوات لبلدهم، دخلوا على أبوهم وطلبوا منه أخوهم، قالوا له إنه لو مأرسلوش معاهم "عزيز" مصر مش هيديلهم شيء تاني، ووعدوا الوعد من جديد، (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)) سورة يوسف.
كلامهم كان سبب في إن الأب يفتكر ابنه (يوسف) اللي بكى عليه لحد ما قرب يفقد بصره، وضَّح لهم بإنهم لا يحفظون أحد وإن ثقته في الله هي اللي تحفظ له أولاده، (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)) سورة يوسف.
رجع الإخوات يشوفوا حقائبهم فاتفاجئوا بأشيائهم مع البضاعة اللي خدوها من سيدنا (يوسف)، جريوا على أبوهم وقالوا له إنهم مابيكدبوش، (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)) سورة يوسف.
دا رد لنا تمن اللي خدناه، مش هيبيع لنا مرة تانية من غير أخونا، قالوا له بإن حبه الزائد لابنه بقى دلوقتي ضد معيشتهم وإنهم هيحفظوه.
استمر الحوار بينهم وقت كبير جدًا لحد ما استسلم الأب لإلحاحهم مرة تانية، ولكنه أوصاهم مايدخلوش مصر من باب واحد وهمَ 11 راجل، ويدخلوا من أبواب متفرقة.
القرآن موضحش المعنى اللي كان في نفس (يعقوب) من الوصية دي، ولكن أغلب الظن إنه خاف عليهم من الحسد أو من إنهم يتسرقوا.
رجع الإخوات لسيدنا (يوسف)، فانفرد بأخوه (بنيامين) لوحدهم لأي سبب كان، طمنه وقال له إنه أخوه (يوسف)، وميحزنش من أفعالهم، (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69)) سورة يوسف.
سيدنا (يوسف) كان عاوز يحتفظ بأخوه وفي نفس الوقت يجيب أبوه سيدنا (يعقوب) لمصر علشان يشوفه بعد الغيبة الطويلة دي.
فعمل حاجة ذكية جدًا، خد كاس دهب كانوا بيستخدموه كمعيار للوزن، وحطه في حقيبة (بنيامين)، وقبل ما يرحلوا من مصر اتقفلت الأبواب وتم الإعلان عن سرقة كأس الملك الذهبي، (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)) سورة يوسف.
كان الاتهام عام لكل القوافل المتواجدة والتفتيش كان عام برضه، ربنا ألهم سيدنا (يوسف) إن يسألهم عن عقاب السارق عندهم، فقالوا بإنه بيفضل عبد عند اللي سرقه، ولولا الإلهام اللي جعل سيدنا (يوسف) يسأله، مكنش هيحتفظ بأخوه، لأن القانون السائد في مصر وقتها إن السارق يسجن، (كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه) سورة يوسف.
بدأ بحقائبهم وساب حقيبة أخوه في النهاية، ولما أخرج الكاس من حقيبة أخوه خده عبد بعد ما بقى متهم. الإخوات خدوا نفسهم لما مخرجش الكاس من حقيبة أي واحد منهم، فاتهموا أبناء (راحيل) بإن دا طبع فيهم، وقالوا إن (يوسف) أخوه سرق قبله، (قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ) سورة يوسف.
{سبب اللي قالوه كان حادثة قديمة، فيه عمة لسيدنا (يوسف) بتحبه جدًا، ولما كان صغير عاش معاها فترة من الزمن ولما طلبه سيدنا (يعقوب) منها اتهمته بسرقة حزام ليها علشان تحتفظ بيه فترة من الزمن زي اللي بيعمله سيدنا (يوسف) مع أخوه دلوقتي}.
وكأنهم استغلوا الحادثة علشان يثبتوا إن أبوهم مكنش محق بتفضيل (يوسف) و(بنيامين) عليهم. سيدنا (يوسف) سمع اتهامهم له بودانه فقال بينه وبين نفسه، (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)) سورة يوسف.
بعد ما رموا اتهامهم عليه افتكروا سيدنا (يعقوب) ووعدهم له بإنهم هيحافظوا على (بنيامين)، فبدأوا في استعطاف سيدنا (يوسف) إن يأخد حد غيره لأن أبوهم شيخ كبير مش هيتحمل فقده له، (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)) سورة يوسف.
رفض سيدنا (يوسف) وحجته بإن العدل من الواجب إنه يُطبق على المذنب، وبعد ما يئسوا من إقناعه، قعدوا مع بعض يفكروا في اللي هيعملوه، (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) سورة يوسف.
قال أكبرهم بإنه هيفضل في مصر لحد ما يأذن له أبوه بالعودة أو يحكم له الله، وحث عليهم يروحوا لأبوهم ويقولوا له اللي حصل، وقولوا له بإن ابنه سرق ودا اللي شوفناه ومنعرفش إذا كان سرق ولا لا، ولو مصدقش قولوا له يسأل القوافل التانية اللي كانت معانا، (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81)) سورة يوسف.
لما رجعوا لأبوهم كان وصل لقمة الابتلاء من يوم فقده لـ(يوسف)، ورد عليهم نفس الرد الأول، إن أنفسهم الأمارة بالسوء هي اللي زينت لهم معصيتهم، وقال لهم بإنه هيصبر عسى إن يرجعهم الله له وهو الوحيد العليم الحكيم، (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)) سورة يوسف.
سابهم وقعد لوحده يبكي ويشكي لله، وفضل يبكي لحد ما فقد بصره، (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)) سورة يوسف.
ورغم حزنه ولاده مسكتوش وعاتبوه على حزنه لـ(يوسف)، (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)) سورة يوسف.
قال لهم اتركوني لوحدي أنا بشكي همومي للي خلقني وهو قادر يطمني بطرق لا تعلموها، (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)) سورة يوسف.
وبعدين وصاهم يدوروا على (يوسف) تاني وإنهم هيلاقوه هو وأخوه، ولا ييأسوا فلا أحد ييأس من كرم الله إلا الكافـ* ـرين، (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)) سورة يوسف.
اتحركت القافلة مرة تاني نحو مصر علشان ياخدوا منها بضاعة، ولكن المرة دي بذل وكسرة نفس، وغالبًا كان فات سنين على المرة اللي قبلها.
في المرة دي حالتهم الاقتصادية والنفسية تدهورت تمامًا، للدرجة اللي جعلتهم ميملكوش أي شيء علشان يقايضوا بيه سيدنا (يوسف)، ولما وصلوا له كانوا بيشحتوا منه، فقالوا تصدق علينا إن الله يكرم المتصدقين، (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)) سورة يوسف.
هنا سيدنا (يوسف) بدأ في الكشف عن نفسه لما شافهم في ذل مهين، وفكرهم بخطيئتهم القديمة، فقال لهم:
- ألا تتذكرون ما فعلتوه بأخيكم يوسف؟
ولما اتكلم معاهم بنفس لهجتهم وفي خطيئة تخصهم وميعرفش عنها حد عرفوا بإنه (يوسف)، فقال لهم:
- نعم أنا يوسف، ومعي أخي، وقد مَن الله علينا بخيرٍ كثير.
فقالوا له:
- لقد أبعدك الله عن أبينا وزاد حبه لك في قلبه، وفضلك علينا وكنا نحن من الخاسرين، (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)) سورة يوسف.
سيدنا (يوسف) حس بخوفهم من العقاب بسبب جملتهم الأخيرة، فقال لهم ميخافوش عقابه رغم إن بإيده العقاب، بل دعا لهم بالمغفرة، (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)) سورة يوسف.
بعدها افتكر أبوه فسلمهم قميصه وقال لهم:
- القوا به على وجه أبي فيرتد بصره وسيعلم بأنني ما زلت على قيد الحياة، وأحضروه هو وأهلكم أجمعين.
وبمجرد خروج قافلة الإخوات من مصر، حس سيدنا (يعقوب) في فلسـ* ـطين، فقال للناس حواليه:
- إني أشم رائحة يوسف وهو قريب، وأنتم إن لم تروني رجلًا عجوزًا أخرف فكنتم ستصدقونني دون تكذيب، (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ (94)) سورة يوسف. اللي حواليه مصدقوش، (قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95)) سورة يوسف.
وحصلت المفاجأة بعد ما وصل الإخوات ومعاهم قميص سيدنا (يوسف) اللي وضعوه على وجه سيدنا (يعقوب) فارتد له بصره، فقال لهم:
- صدقتموني الآن.
فقال الأبناء:
- لقد تُبنا عن فعلتنا، استغفر لنا ذنوبنا.
فوافق الأب وقال:
- إن الله غفور رحيم، (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)) سورة يوسف.
جمع الإخوات زوجاتهم وأبناؤهم وأبويه والعائلة كلها واتحركوا لمصر، واختلفت الأقاويل حول أبويه فمنهم من قال أنهم أبوه وأمه، ومنهم من قال إن أمه اتوفت من زمن واللي راح له عمته اللي حبته وهو صغير.
ولما دخلوا عليه كان هيسقط من السعادة وفضل يحضنهم ويرحب بيهم مش مصدق إنه اجتمع بيهم بعد كل السنين دي، (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99)) سورة يوسف.
لكن ازاي ادخلوا مصر إن شاء الله وهمَ دخلوا بالفعل وبقوا عنده.
أغلب الظن إنه لما عرف باقتراب قافلتهم من رسله، خرج لهم لاستقبالهم تعظيمًا لهم ولشأنهم ومن شدة فقدانه لهم، فكانت المقابلة خارج بوابات مصر. ولما وصلوا للقصر أجلس سيدنا (يوسف) أبوه وأمه على العرش تكريمًا لهم، وبعدها تحققت الرؤيا اللي شافها وهو صغير، وسجد أبوه وأمه وإخواته الـ11.
{وكان سجود تكريم مش سجود عبادة، زي سجود الملائكة لسيدنا آدم، ومكنش سجود التكريم وقتها محرم، وجيه القرآن وحرمه فيما بعد}.
في آخر مشهد من قصة سيدنا (يوسف)، أحس بكرم الله عليه، فشكره وافتكر كل نعمة أنعم بها، فقال:
- يا رب جعلت لي ملكًا، وعلمتني تفسير الرؤيا، وأنعمت علي بنعم كثيرة.
متعظمش وحس إنه عظيم، ولكنه تذلل قدام الله وافتكر نعمه، ودعاه دعوة أخيرة أن يتوفاه الله على دين التوحيد ويلحقه بالصالحين. (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)) سورة يوسف.
بنو إسـ* ـرائيل سكنوا مصر بعدها، وبقوا من صفوة المجتمع، وامتلكوا الحكم تحت راية سيدنا (يوسف)، لحد ما سيدنا (يوسف) وسيدنا (يعقوب) ماتوا.
فضلوا يتكاثروا ويكتروا، وعددهم بقى مهول، وبقوا شعب كبير جدًا، وبعدين بدأت الحكام في اضطهادهم، لحد ما بقوا عبيد لـ(فرعون)، ومن هنا تبدأ قصة سيدنا (موسى).
ربنا لما حكى قصة سيدنا (يوسف) في القرآن ميزها عن باقي القصص بإنه حكاها كاملة في سورة لوحدها وسماها سورة (يوسف). بعكس باقي القصص اللي اتحكت بشكل متقطع في سور كتير.
في بداية سورة (يوسف) ربنا وصفها بإنها (أحسن القصص). فاختلف العلماء ليه تم تسمية القصة دي بالأخص بالاسم دا.
قيل لأنها أكتر قصة فيها عالم كامل من الحكم والعبر، وقيل لإن سيدنا (يوسف) سامح إخواته وصبر عليهم، وقيل لإن اتذكر فيها كل حاجة (الأنبياء والصالحين، العفة والغواية، سير الملوك والمماليك، الرجال والنساء، مكر النساء، التوحيد والفقه، تفسير الرؤيا).
وقيل لأن كل من كان فيها نهايتهم كانت سعيدة.
بس بالإضافة لكل اللي فات دا أقدر أقول إن فيها حاجة مميزة بتخلي أي حد يقرأها يرتاح ويطمن، هي إنها بتزرع دايمًا جواك يقين إن ربنا دايمًا واقف مع عبده، وبينصره حتى لو اجتمع كل الناس على إيذاؤه.
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)) سورة يوسف.
الآية دي بتختصر كل معاني الثقة بالله، وبتوضح حقيقة إن ربنا الغالب دايمًا مهما طال البلاء ومهما كثر الأعداء.
-
في النهاية، دا مجهود اتبذل علشانك، علشان يوصل لك معلومة وتعرفها، فيا ريت إنتَ كمان متبخلش على المعلومة إنها توصل لغيرك.
شير ولايك وكومنت، دي حاجات ممكن تساعد بيها في انتشار المعلومة، علشان تكون جزء منها.
ولو جديد اعمل لايك للبيدج وحطني في المفضلة وادخل خد لفة هتتبسط.
المصادر:
القرآن الكريم.
الميسر.
ابن كثير.
الطبري.
القرطبي.