29/05/2026
الجزء الأول .. Echo Room .. 👇
الصوت اللي طالع من مروحة الكيسة بتاعة الكمبيوتر هو الصديق الوحيد اللي مبيخونيش في الليالي اللي زي دي. الساعة تلاتة الفجر، النور الوحيد في الأوضة جاي من شاشتين "بريميير" اللي قدامي، خطوط الصوت والترددات واصلة لآخرها، وأنا قاعد لابس الهيدفون، بقص وبعدل في مشاهد لواحد "يوتيوبر" بيشرح إزاي تعمل ميزانية للسفر وأنا أصلاً بقالي سنة مخرجتش برا حدود الشقة دي غير للضرورة القصوى.
الشغل في المونتاج بيخليك تشوف العالم كادرات، تفصص نظرة العين، وتعرف امتى النفس بيتقطع قبل الكلمة ما تطلع.. وده خلاني شخص "مُلاحظ" زيادة عن اللزوم، أو يمكن ده اللي كنت بوهم نفسي بيه عشان مأعترفش إني بدأت أتجنن من القعدة لوحدي. الشقة هنا في وسط البلد، سقفها عالي بزيادة، والحيطان شايلة آثار دهانات من عصور فاتت، وفيها ممر طويل بيوصل للصالة، الممر ده هو اللي دايماً بحس إنه بيبص لي وأنا شغال، كأنه كائن حي ساكت ومستني حاجة تحصل.
أنا عايش هنا من سنة، بعد ما استقليت تماماً وقررت إن عزلتي هي "مملكتي". حياتي عبارة عن "تايم لاين"طويل، بيبدأ بقهوة ساقعة وبينتهي بعينين محمرة من قلة النوم. مفيش حد بيخبط، مفيش تليفونات بترن، بس الصمت هنا مش سكوت، الصمت هنا له "تردد" بيصفر في ودني طول الوقت.
في ليلة من الليالي، وأنا واصل لمرحلة الملل وخلاص دماغي فصلت، كنت بقلب في الموبايل بملل، لقيت تطبيق نزل قدامي في المقترحات اسمه "EchoRoom". اللوجو بتاعه كان غريب، دايرتين داخلين في بعض ولونهم أرجواني باهت. مكتوب في الوصف: "تحدث مع صدى روحك..
قولت لنفسي "أهو أي هري يضيع الوقت بدل ما أنا بكلم الحيطة كده"، حملته وفتحت الأكونت، وسميت نفسي "شهاب" عادي. التطبيق واجهته بدائية جداً، عبارة عن زرار واحد مكتوب عليه "بحث عن صدى". دوست عليه، وكنت فاكر إني هلاقي واحد زيي سهران بيشتم في عيشته أو حد بيحاول يبيع لي كورس تداول.
فضل الموبايل يطلع صوت "وش" خفيف، زي الراديو القديم لما تفتحه على محطة مش موجودة، وفجأة، الوش سكت.
"ألو؟.. في حد هنا؟"
الصوت كان لبنت. صوت هادي جداً، وصافي بطريقة غريبة، مفيش فيه أي تشويش بتاع مكالمات الإنترنت اللي نعرفها. مكنش فيه صدى صوت، مكنش فيه تقطيع.
رديت وأنا بعدل الهيدفون على ودني: "أيوه.. معاكي شهاب. إنتي مين؟"
ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة فيها نوع من الارتياح: "أنا نهي .. أخيراً البرنامج ده نطق، أنا بقالي ساعة بجربه وكنت فاكرة إن العيب من الموبايل بتاعي، أصل النوكيا ده بدأ يخرف."
استغربت جملتها، "نوكيا؟" قولت في بالي يمكن بتهزر أو ماسكة موبايل قديم " من باب المنظرة. كملت كلامي ببرود: "أهلاً يا نهي .. سهرانة بتعملي إيه في الوقت ده؟"
قالت بتلقائية: "قاعدة بخلص ترجمة مقال سخيف عن الأدب الفرنسي، والكهرباء عمالة ترعش كل شوية، والجو في الشقة هنا بقى غريب، بحس إن الحيطان بتنشف ريقي من كتر السكوت. إنت ساكن فين يا شهاب؟"
سرحت شوية في الممر اللي ورايا وقولت لها: "أنا في وسط البلد، شقة قديمة شوية بس مريحة.. إنتي شقتك عاملة إزاي؟"
ردت بسرعة وكأنها كانت مستنية حد يسألها: "زي شقق زمان، السقف عالي والمواسير بتعمل أصوات ترقع طول الليل، وفيها ممر طويل كأنه مبيخلصش.. بس عارف، أحلى حاجة فيها إنها هادية، هدوء بيخليك تسمع دقات قلبك."
في اللحظة دي، حسيت بقشعريرة خفيفة في ضهري، مش عشان كلامها مرعب، بالعكس، كلامها كان عادي جداً، بس الطريقة اللي وصفت بيها الممر كانت "دقيقة" بزيادة، كأنها شايفة الممر اللي ورا ضهري دلوقتي. هزيت راسي وقولت لنفسي "كل شقق وسط البلد ممراتها طويلة يا شهاب، بلاش شغل المونتاج ده يلحس دماغك".
فضلنا نتكلم حوالي ساعة. كلام عن الشغل، عن الزهق، عن القهوة اللي بردت. كانت مكالمة طبيعية جداً لدرجة إني نسيت إني بكلم واحدة مجهولة على تطبيق مجهول. مكنش فيه أي حاجة تشكك، مكنش فيه أي حاجة تقول إن في حاجة غلط.. غير حاجة واحدة بس لاحظتها لما المكالمة قفلت.
نهي قالت لي وهي بتقفل: "يا رب بكرة حوار الصحافة ده يهدي شوية عشان أعرف أنزل أجيب ورق من المكتبة."
قفلت المكالمة وأنا ماسك الموبايل وببص لشاشته بذهول. "حوار صحافة ؟ إيه اللي يهدا ؟". رميت الموبايل على المكتب وقولت أكيد البنت دي بتهزر، أو يمكن ده "تريند" جديد أنا مش متابعه.
قمت وقفت عشان أدخل المطبخ، وبمجرد ما دخلت الممر، حسيت بهوا ساقع جداً عدى من جنبي، وكأن في باب اتفتح واتقفل في ثانية.. مع إن كل الشبابيك مقفولة. بصيت على الأرض، وشفت خيال سريع جداً لقطته عيني "كمونتير" محترف، خيال عدى من تحت عقب الباب بتاع الأوضة المقفولة اللي في آخر الممر.
وقفت مكاني، وقلبي بدأ يدق. فركت عيني وقولت: "دي قلة نوم.. دي أكيد قلة نوم."
يتبع.. 👇
لو عجبتك القصة أعمل لايك وقولي رأيك في التعليقات 🌹
#رعب