03/01/2026
📌 بعد أن تنقضي الحياة، وينفخ إسرافيل عليه السلام نفخة الصعق، يموت من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. ثم يمرّ زمنٌ لا يُعلم مقداره إلا الله—قيل أربعون، ولا يُدرَى أربعون ماذا: سنة؟ شهراً؟ يوماً؟—كما قال النبي ﷺ: «ما بين النفختين أربعون». قالوا: يا رسول الله، أربعون يوماً؟ قال: «أبيت أن أقول». ففي هذا السكون العميق، لا حياة، لا حركة، لا صوت، لا نبض، إلا تراب القبور.
ثم يأذن الله بالحياة من جديد. فيُحيي إسرافيل، ويؤمر أن يلتقم الصور. وينزل من عند الله ماءٌ من السماء، كطلّ الندى—كما في رواية مسلم—وفي رواية أخرى: «كمنيّ الرجال». فيصيب هذا الماء الأراضي، فينبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الزرع من الأرض بعد المطر. وليس ذلك النبات من العدم، بل من أصلٍ حفظه الله: عَجْبُ الذنب. ذلك الجزء الصغير في نهاية العَجُز، كحبة العدس تقريباً، لا تأكله الأرض ولا تميّزه المياه. قال رسول الله ﷺ: «كلُّ ابن آدم تأكله الأرض إلا عَجْبَ الذنب، منه خُلق، ومنه يُركّب» (رواه مسلم).
فمن حول هذه العظمة، يجمع الله ما تفرّق من جسد الإنسان: ما أكلته السباع، وما غرق في البحار، وما تبدّد في الهواء، وما تفتّت في التراب. فلا يغيب عن علم الله ذرةٌ واحدة، ولا يضيع لعبدٍ شيءٌ مما كان له. فيُعَاد الجسد كاملاً، سليماً، جاهزاً لاستقبال روحه.
ثم ينفخ إسرافيل نفخة البعث—الثالثة—والتي تُحيي الأجساد وتعيد الأرواح. فتنزل الأرواح من العلى: أرواح المؤمنين تتوهّج نوراً، وأرواح الكافرين يكتنفها ظلمة. وينادي الله جل جلاله: «لَتَرْجِعَنَّ كلُّ روحٍ إلى جسدها»، فيدخل كل روح في جسدها الذي بُعِثَ من تحت التراب.
وفي تلك اللحظة، تزلزل الأرض زلزالها، فتنشقّ من كل جانب، وتطرح من جوفها ما حملت من أثقالٍ عبر القرون. قال الله تعالى: «إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا». فتنهض القبور، وتتفتّت الصخور، وينسف الله الجبال نسفاً، فيتركها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.
ويخرج الناس من تحت التراب حفاة عراة غُرْلاً—لا نعال في أقدامهم، ولا ثياب على أجسادهم، ولا ختان في فروجهم، كهيئتهم الأولى عند الخلق. قال رسول الله ﷺ: «يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا». فتتلوهم الرعب، والوجل، والدهشة، لا يلتفت أحدٌ إلى أحد، حتى يُنسى الأب ولده، والولد أباه.
وينادي منادٍ من السماء، يسمعه الخلق كلهم في آنٍ واحد، يدعوهم إلى المحشر. فيتبعونه لا عوج له، لا يتخلف منهم أحد، ولا يتأخّر. وقد بلغت القلوب الحناجر من الفزع، فلا صوت يُسمع إلا همساً، كما قال الله: «وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا».
ويُنشر الناس أشتاتاً، فيعرض عليهم أعمالهم. فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. لا ظلم، ولا غبن، ولا شفاعة إلا بإذن الله. وفي ذلك اليوم، لا حميم يرحم ظالماً، ولا شفيع يُطاع. يعلم الله خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
هكذا يبدأ يوم الحشر، ليس كقصةٍ تُروى، بل كحقيقةٍ ستُعاش. فلا تغفل عنها يا عبد الله، ولا تستهين بيومٍ قال فيه ربك: «أَزِفَتِ الْآزِفَةُ».
لو وصلت لحد هنا صلى على حبيبك 💚