05/11/2025
بيان أدبي فلسفي المتنبي بين غزة ونيويورك
فكره لقراءة سياسية
بقلم : الشريف محمد بن علي الحسني
مفكر مؤرخ رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
ثمة لحظات لا تُقاس بالأحداث، بل بنبض الضمير.
ولحظةُ انتصار زهران ممداني في قلب نيويورك، ثم ظهور زوجته بثوب فلسطيني مطرَّز، هي من تلك اللحظات التي لا تُفسَّر بالأرقام، بل بأوردة الزمن.
في هذه اللحظة، نام المتنبي قرير العين، غير مُضطرّ ليصرخ في وجه الدنيا مرةً أخرى؛
فقد رأى بيتَه القديم وهو يعبر القرون ويستقر في ضمير الحاضر:
بِذا قضَتِ الأيّامُ ما بَينَ أَهْلِها
مَصائِبُ قَومٍ عِندَ قَومٍ فَوائِدُ
ولكن أيُّ فوائد؟
ليست فوائد الربح والانتهاز، ولا الغنيمة على حساب الجراح؛
بل فوائد الوعي، حين يتحوّل الألم إلى يقظة، والقهر إلى ضمير عالمي، والمأساة إلى حركة جماهيرية تطرق أبواب نيويورك كما طُرقت قلوب العالم.
غزة لم تكن جرحًا عربيًا فحسب، بل مرآة الإنسانية حين ترى نفسها عارية أمام حقيقة الظلم.
ومن نارها خرج وعيٌ جديدٌ، أوقدته دموع الأمهات، وحملته أقدام الطلاب في جامعات العالم، حتى وصل إلى صندوق الاقتراع.
لم يكن ممداني وجهًا مسلمًا في السياسة فقط؛
كان سيرةً تمشي على قدمين: مولود في أوغندا، من جذور هندية، عين على الشرق وقلب في كل مظلوم.
هذه الهوية لم تُستعمل للتزيين الانتخابي؛
بل أصبحت ذاكرة نضال، تقول للغرب:
لسنا غرباء… نحن شراكة الإنسانية التي حاولتم إسكاتها.
ثم جاءت الإطلالة: ثوبٌ فلسطيني أسود، لا صراخ فيه ولا شعارات؛
صمتٌ يشهد بما لا تستطيع الكلمات حمله.
الثوب وطن يُرتدى، خيط من خيوط القدس، وشظية من جديلة أمّ شهيد.
قال المتنبي:
ومن شرفِ الإِقدامِ أنَّكَ فيهِمِ
على القَتلِ مَوموقٌ كَأنَّكَ شاكِدُ
فلمَّا وقف ممداني في وجه ماكينة المال والإعلام والنفوذ،
ولم يتراجع عن تسمية الإبادة إبادة،
كان يكرر المعنى ذاته: الشرف أن تواجه وأنت تعلم كلفة المواجهة.
غزة ليست مصيبة قوم تنتهي؛
بل معيار قومٍ تُقاس به إنسانيتهم.
والثوب الفلسطيني في قاعة الحكم الأميركية إعلانٌ بأن الهوية لا تُقصف، والعدالة لا تختنق تحت الركام، وأن الشعوب — مهما طالت محنتها — تجد طريقها إلى التاريخ… وإن بدأت بخيط.