24/11/2025
لم تكن "أيسل" مجرد رقم في دفاتر القضايا، بل كانت مشروع طبيبة، وحافظة لكتاب الله، اغتالتها يد الغدر في لحظة عبثية بقرية سياحية، في جريمة هزت الوجدان المصري في أغسطس 2023. الجريمة لم تكن مجرد اعتداء، بل كانت إزهاقاً لروح بريئة وسلباً لأمن مجتمع بأكمله. وبعد تحقيقات مضنية، صدر الحكم "الحد الأقصى" بحبس المتهم 15 عاماً.
هنا، أنا لا أعلق على أحكام القضاء الذي التزم بصحيح القانون، ولكنني أقرع الجرس أمام "المشرّع المصري". القاضي وجد نفسه مكبلاً بنصوص قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008، وتحديداً المادة (111) التي تمنع الحكم بالإعدام أو السجن المؤبد أو المشدد على المتهم الذي لم يتجاوز الـ 18 عاماً وقت ارتكاب الجريمة.
هذا النص القانوني، الذي وُضع بوازع إنساني لحماية "الأطفال" وتقويمهم، أصبح اليوم ثغرة ينفذ منها "ذئاب" في هيئة أطفال. نحن أمام متهم شارف على سن الرشد، ارتكب جريمة مكتملة الأركان بوعي وتخطيط وجرأة إجرامية تفوق عتاة المجرمين البالغين.
(موطن العوار: الفلسفة العقابية) إن العوار هنا يكمن في المساواة بين "حدث" ارتكب جنحة بسيطة نتيجة طيش، وبين "مشروع مجرم" ارتكب جناية قتل مقترنة بجناية أخرى (هتك عرض/اغتصاب). إن الاكتفاء بعقوبة مانعة للحرية حدها الأقصى 15 عاماً في جرائم الدم والانتهاك الجسيم يُفقد العقوبة وظيفتها الأساسية وهي "الردع العام"، ويترك في نفوس أهالي الضحايا جرحاً لا يندمل لشعورهم بغياب القصاص العادل، وتوليد ذلك الشعو شعوراً آخراً بالرغبة في الانتقام والقصاص، ما يرجع بنا قروناً إلى الوراء، تحديداً عصور قانون الغاب الذي كان يأكل فيه القوي الضعيف، ويقتص فيه الإنسان لنفسه لغياب السلطة الحاكمة، وهو ما قضت عليه الحضاة الإنسانية والأديان السماوية السامية بتشريع العقاب ووضع المجرمين في إطار العقوبة الرادعة التي توازي ما ارتكبوه من جرم.
إن قضية الطفلة "أيسل" -رحمها الله- تضعنا أمام استحقاق تشريعي عاجل. نطالب مجلس النواب بضرورة إعادة النظر في قانون الطفل، لسن استثناءات تتيح للقاضي إنزال عقوبات أشد (تصل للمؤبد أو الإعدام) في الجرائم الجسيمة (القتل العمد، الاغتصاب) لمن هم في الفئة العمرية (15-18 سنة) أو دون ذلك حتى، فإن أصحاب هذه الأفعال لا يجب أي يحاطوا بأي حماية، وإنما يجب أن نحمس المجتمع من خطورتهم إذا ما شبوا وشابوا بهذه العقلية الإجرامية الفجة.
الحماية القانونية للطفل المتهم لا يجب أن تكون على حساب حق الطفل المجني عليه في الحياة، ولا على حساب حق المجتمع في الأمن.