05/09/2026
تزوجت ليان من رجلٍ لم تطأ قدماه قاعة الزفاف قط كمن أبرمت عهداً مع شبحٍ لا يجرؤ على مواجهة الضوء.
كان السرير المزيّن ببتلات ورودِ حمراء يبدو كإهانةٍ صامتة... فجناح العروس فاخر لكنه خالٍ من أي معنى.
شعرت ليان بمرارةٍ... حتى زواجها لم يكن اختيارًا، بل صفقة والدها الطامع في المال إذ قدّمها لعائلة جبريل مقابل إنقاذ شركته من الانهيار مستندًا إلى دينٍ قديمٍ بين العائلتين... بالنسبة له كانت فرصة أخيرة... وبالنسبة لهم التزام لا يمكن رفضه.
أما يعقوب فرفض بطريقته—غاب عن الزفاف، وأرسل رسالة واضحة:
لا تعلن نفسها زوجةً له خارج العائلة.
وهكذا وجدت ليان نفسها في ليلة زفاف بلا عريس… وزواج بلا اعتراف.
لم يسألها أحد عن رأيها وكأن وجودها مجرد تفصيل زائد في قصة محسومة.
ابتسمت بسخرية تخفي وراءها تمردًا... وبينما ظلت تفكر كيف ستمر هذه الليلة وصلتها رسالة من المشفى تطلب منها تغطية نوبة عمل.
بهدوء خلعت فستان الزفاف… واستبدلته بمعطفها الأبيض.
لكن الليل في المختبر لم يكن عاديًّا إذ دوّى انفجارٌ مباغت في سكون الممرات، كأن الأبواب ذاتها انشقت عن فزعٍ وفجأة اندفع باب العيادة وارتطامه الجاف يشبه قصفًا قصيرًا فارتجفت ليان وهمّت برفع رأسها حين انطفأت الأنوار بسرعة صاعقة تاركةً المكان يغرق في سوادٍ كثيف فارتجف جسدها تحت وطأة خوفٍ تسلل إلى أعماقها وتساؤل يتشبث بشفتيها المرتعشتين فهمست برعب:
«مَن…؟»
لم يُتح لها إتمام السؤال؛ فقد داهمها ظلّ عنيف في لحظة إذ اندفع جسدٌ ثقيلٌ نحوها وأطبق على حركتها يضغطها إلى مكتبها حتى تهاوت الأدوات والملفات في ارتطامٍ حادّ على الأرض وعلى حين غرة لامس رقبتها نصلًا بارداً كهمسة موت… حادًا كبرقٍ يتربص بسلامها النفسي… وفي ومضةٍ من الضوء الخافت لمحت وجه رجلٍ ملطخٍ بالدماء… عيناه كسيفين يلمعان تحت القمر يلهث فيهما تهديدٌ مميت بينما ارتجفت الكلمات من بين شفاهه المزيونة بلحية خفيفة زادته خطورة:
«اصمتي…»
رائحة الدم النفاذة داهمت أنفها… حادةً… قريبة… تؤكد أنّه جريح ينزف ومع ذلك ورغم الرعب الذي ينهش أطرافها ظلّت ليان ساكنةً كطبيبٍ يعرف أن الذعر أول بابٍ للموت؛ فعملها علّمها كيف تصغي حتى لأنفاس الخطر وكيف تحبس فزعها في قاعٍ سحيق بانتظار اللحظة الفاصلة.
حركت ليان قدمها في محاولةٍ يائسة كأنها ترسل صرخةً صامتة من جسدها إلى جسده علّ الركلة تفكّ أسرها لكن الرجل التقط الإشارة في اللحظة ذاتها فشبك فخذيه حول ساقها كقيدٍ فولاذي يحبسها في مكانها بينما خارج الغرفة انسابت أصواتٌ مشوشة تتخلل الظلام بهمسات متداخلة كطيف ضالّ يلاحق أثره الأخير:
«لقد رأيته يركض في هذا الطريق!»
ارتجّ الممر بخطواتٍ متلاحقة إيقاعها كقرع طبول الحرب وفي ذروة التوتر انحنى الرجل فجأةً وقبّل شفتيها قبلةً متعمقة.
ارتجفت ليان كمن لسعها جمرٌ تدفع صدره بعيدًا بحدسٍ غاضب لكن ومضةً خاطفةً في عقلها لمعت: لقد فعلها لا عشقًا ولا تطاولاً بل ليفرض الصمت وليحول دون انكشافه أمام مطارديه.
طَقطقَ مقبض الباب بصوت كطلقٍ صغيرٍ يشقّ السكون فشعرت ليان بنبض قلبها يتسارع لكنها كبحت خوفها واستجمعت كل خيوط جرأتها ثم لفّت ذراعيها حول عنقه رافعةً وجهها إليه كمن تعقد حيلةً مع القدر فطبعت قبلةً ثانية على شفتيه بملء الإرادة في مسرحية لحماية لا تعرف مآلها بينما خرج صوتها متكسّرًا لكنها أجبرته على الثبات:
«لا تخف… أستطيع أن أساعدك.»
ابتلع الرجل ريقه بينما نظراته تومض بشيءٍ لم تدركه ليان إلا عندما انحنى أكثر حتى لامست أنفاسه الدافئة أذنها وجاء صوته عميقًا، جذابًا، يحمل في طبقاته وعدًا غامضًا:
«سأتولى مسؤوليتك… حتمًا.»
تسللت الكلمات إلى مسامعها كتعويذةٍ مبهمة بينما ارتدّت أفكارها إلى داخلها تتصادم كأمواجٍ متمردة:
*يا إلهي… لقد أساء فهمي… كنت أتظاهر فحسب…*
ارتجف مقبض الباب وانشقّت فتحة ضيقة من الضوء تسللت منها أنفاس الممر الباردة وفي لحظةٍ خاطفة انطلقت ليان في حيلةٍ مرتجلة تطلق أنينًا خافتًا مموّهًا يحاكي ما سمعته يومًا في لقطاتٍ عابرة في أفلام الهوى تستدعي ظلالًا توحي بأن الغرفة مأهولة بعاشقين.
تردّد الصدى في الظلام فارتبك الواقفون بالخارج وعلت همساتٌ متضاربة:
«يا للجرأة… مرحٌ في المستشفى؟»
أجاب آخر بنبرةٍ مرتبكة هامساً بصوت بالكاد سمعه المجاورون له:
«مستحيل أن يكون الرجل الذي معها هو يعقوب جبريل… إصابته لا تسمح له بالحركة.»
وتداخلت ضحكةٌ مكبوتة مع نفَسٍ متوتر:
«مهما يكن… الصوت يوحي بما لا يُقال.»
لكن صوتًا آخر شقّ الهمسات، حادًا كصفعة:
«تحرّكوا! ابحثوا عنه قبل أن نفقد أثره!»
وعليها قد تقهقروا واحدًا تلو الآخر حتى تلاشت وقع أقدامهم في عمق الممر.
بينما في الداخل ساد سكونٌ لا يسمع فيه سوى دقات القلوب وبالرغم من أن الرجل الذي يعتليها أدرك أنهم رحلوا غير أنّ شيئًا في عينيه أضاء باضطرامٍ غريب… نارٌ أشعلتها لحظة الخطر وحرارة القرب.
أما ليان فقد اجتاحها إحساسٌ متناقض—خليطٌ من الخوف وشعورٍ جديد بالتمرد لعلها كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن زمام القرار بيدها وأن بوسعها أن تختار حتى وسط الفوضى.
رفعت نظرها إليه تتأمل عينيه المتعبة التي لا تزال تلتمع ببريق الهروب وعلى وجنتيها حطت لمسةٌ خفيفة من شفاهه أقرب إلى وعدٍ تشكل في صورة قبلةٍ عابرة وصوته العميق يهمس فيه رنة امتنانٍ مبحوحة:
«سأجدك… يوماً ما.»
ثم تراجع بخفة وغادر كما جاء تاركًا خلفه هواءً مشبعًا بوقع الحادثة وارتجاف الأسئلة بينما بقيت ليان ممددةً على المكتب قلبها يطرق كسندان وجسدها يئن من أثر الصراع الذي خاضته للتو.
بدأ الهاتف على حافة المكتب يرنّ بإلحاحٍ أشبه بصوت منبهٍ يحاول انتشالها من دوامة مشاعرها.
مدت ليان يدها المرتجفة تلتقط السماعة فاندفع إليها صوتٌ قلق متقطع الأنفاس:
«دكتورة تينا؟ وقع حادثٌ مروّع ولدينا مصابٌ في حالة حرجة… نرجوكِ تعالي فورًا!»
أغلقت عينيها لحظةً لتستعيد أنفاسها وأجابت بهدوءٍ مصطنع:
«تينا غير موجودة… أنا من تنوب عنها الليلة… سأكون هناك حالًا.»
وضعت السماعة ببطءٍ والصمت الذي تلاها كان ثقيلاً كستارٍ مخملي يهبط على مسرحٍ انقضى عرضه ولحظاتٌ قليلة فصلتها عن الحقيقة التي أخذت تعصف بداخلها فنظرة واحدة إلى ملابسها المبعثرة وإلى الوجع الخفي الذي يسري في فخذيها كانت كافية لتؤكد أن ما حدث لم يكن حلمًا عابرًا… لقد انقضت ليلة زفافها في فعلٍ لم تتخيله يومًا… مع رجلٍ مجهول الوجه والقدر.
تسارعت ضربات قلبها وأحست بالخجل يلتف حولها كحبلٍ خشن غير أنّ صوت الواجب كان أقوى من ارتجافة الندم تحث حالها قائلة:
هذا ليس وقت الانهيار.
جمعت ليان ملابسها على عجل ترتديها بيدين ترتجفان وانطلقت إلى قسم الطوارئ تاركةً وراءها الغرفة تعجّ بعبقٍ ثقيل وذكرياتٍ لا اسم لها.
قضت ليان الليل بكامله وسط أروقة المستشفى… وجهها قناعٌ من احتراف فيما كان داخلها يعج كبحر من الفوضى وعندما عاد الفجر بضيائه الشاحب عادت هي الآخرى إلى مكتبها فإذا بالمكان ما زال يئنّ من أثر الليلة الماضية؛ أوراق مبعثرة وأثاثٌ يحكي بصمتٍ ما عجز اللسان عن قوله… قبضت ليان كفّيها حتى شعرت بعظامها تتألم وتجسدت في أعماقها صورةٌ مباغتة لما جرى.
في تلك اللحظة انفتح الباب ودخلت تينا بوجهٍ يفيض بالامتنان تبتسم قائلة:
«شكرًا لكِ دكتورة ليان على تغطية نوبتي الليلة.»
أجابت ليان بابتسامةٍ واهنة تشبه شقًّا في جدارٍ ينهار:
«على الرحب والسعة… على أي حال انتهى عملي وأحتاج الآن إلى بعض الراحة.»
همّت تينا بمواصلة الحديث لكن عينيها التقطتا الفوضى التي تعمّ المكان فارتفع حاجباها دهشةً وهي تقول:
«ما الذي حدث هنا؟»
استدارت ليان بسرعة تحاول أن تخفي في بؤبؤيها ارتجافة الذعر:
«أوه… أسقطتُ بعض أغراضي عن غير قصد… لا شيء مهم… بما أنكِ عدتِ سأغادر الآن.»
تأملتها تينا لثوانٍ ثم اكتفت بهز كتفيها ودخلت لتنظف الفوضى.
لكن سكون الصباح لم يدم طويلًا؛ إذ انفتح الباب مجددًا وهذه المرة ظهر رئيس المستشفى متجهّم الملامح وبجانبه مساعد يعقوب جبريل.
الفصل 2
تسلّل صوتُ رئيس المشفى:
«إنّها هي… تينا… كانت الطبيبة المناوبة الليلة الماضية».
اندفع آدم مساعدُ يعقوب بنظرةٍ متفحّصة نحو بطاقة اسمها المعلّقة على صدرها، وقال بصرامةٍ لا تحتمل جدالًا:
«تعالي معي».
ارتبكت تينا فتعثّر السؤال على لسانها:
«لماذا؟!»
لكنّ مدير المستشفى قطع عليها تردّدها وهو يشدّ على ذراعها بخفّةٍ لا تخلو من القوّة:
«اذهبي فحسب… لا تجعلي السيد يعقوب ينتظر».
---
كان الممر المؤدّي إلى مكتب المدير يزداد برودةً مع كلّ خطوة وكأنّ الجدران تهمس بخوفٍ مكتوم وحين دُفعت تينا إلى الداخل وجدت رجلاً ممدّدًا على أريكةٍ عريضة يفيض حضوره بسلطةٍ لا تُرى وأول ما يلتقطه البصر كانت قامته الطويلة العريضة ثمّ ذاك الشحوب الذي رسم على ملامحه الغامضة بينما رائحة المضادّات الحيويّة تتشابك مع أثرٍ خافتٍ للدم.
كان يعقوب يرتدي السواد كلّه، سوادٌ يلمع على بشرته كما لو كان درعًا من الليل ذاته… بينما نظرةٌ واحدة منه كافية لأن تزرع في الجسد قشعريرةً تشبه السقوط.
اقترب آدم بخطًى محسوبة وانحنى هامسًا في أذن يعقوب:
«تأكّدنا أنّ جميع الكاميرات مُعطَّلة لقد أرادوا أن يُخفوا كلّ أثر لهم… وهذه هي تينا… الطبيبة التي كانت في العيادة تلك الليلة…. سجلات المستشفى تؤكّد ذلك».
رفع يعقوب رأسه وعيناه كبرقٍ يخترق العتمة استقرّتا على وجهها فشهقت تينا بلا وعي تهمس بداخلها:
إنّه رئيس مجموعة النور نفسه!
قال يعقوب بصوتٍ عميق:
«أأنتِ من ساعدني الليلة الماضية؟»
خفضت تينا بصرها سريعًا كمن يخشى الاحتراق من وهج النظر:
«نعم…» همست غير متأكّدة ممّا حدث مدفوعةً فقط بغريزةٍ تخبرها أنّ التقرب منه قد يفتح لها أبوابًا كثيرة فاليوم سيُحسم اختيار الأطباء الذين سيتلقّون التدريب في المستشفى المركزي للمنطقة العسكرية الثانية… تدريبٌ يسمّونه لكنّ الجميع يعرف أنّه ممرٌّ إلى منصبٍ دائم وعلاقاتٍ لا تُقدّر بثمن.
أرخى يعقوب كتفيه قليلًا وصوته ينساب ببرودٍ مموّهٍ بحرارةٍ خفيّة:
«أستطيع أن أمنحكِ ما تشتهين… حتى الزواج إن أردتِ».
ارتجفت الكلمات على شفتيها كأنّ صاعقة داهمتها:
«ماذا… أنا…» لم تستطع أن تصوغ جملةً واحدة فالأحداث تتدافع حولها كتيّارٍ جارف.
نهض يعقوب واقفًا… قامته تُلقي ظلًّا طويلًا فوقها:
«تعالي إليّ عندما تُقرّرين» ثم أشار لآدم بهدوء:
«أعطها وسيلة للاتصال».
اقترب مدير المستشفى متملّقًا كي يرافقه إلى الخارج لكن يعقوب لوّح بيده:
«لا داعي… فقط اعتنِ بها جيّدًا كلّما كانت هنا».
ابتسم المدير بوداعة مصطنعة:
«لا تقلق، سأتولّى ذلك بنفسي».
---
حين غادروا الممرّ وأُغلق الباب تمتم آدم بتحفّظٍ وهو يساير خطى سيده:
«سيدي… أنت متزوّج».
لم يتوقّف يعقوب عن السير غير أنّ حاجبيه انعقدا، يزمجر بصوتٍ خافتٍ كما لو خرج من أعمق كهف:
«عن أي زواج تتحدث؟! لا أحد يمكنه أن يفرض علي شيئاً لا أريده».
عاد الليلُ يُلقي بظلّه المخمليّ على جدران القصر الذي انتقلت إليه ليان بعد زواجها الليلة الماضية.
استقبلتها السيدة كاميليا بابتسامةٍ دافئة تتخلّلها لمحةُ فضول فليان لا زالت عروس:
«سيّدة جبريل، أكنتِ خارج القصر بالأمس؟»
أجابتها ليان بصوتٍ واهنٍ والإنهاك يلوّن ملامحها:
«كان عليّ أن أُغطّي نوبةً عن أحدهم».
أدركت كاميليا من أول نظرةٍ أن لا فائدة من الأسئلة فاكتفت بإنحناءةٍ خفيفة.
---
في حوض الاستحمام الموشّى بالبخار تركت ليان الماء ينساب على كتفيها كمن تحاول غسل ذاكرتها لكن الصور التي تسلّلت إلى ذهنها كانت أعتى من أن يمحوها ماء فأغمضت عينيها ودفنت وجهها بين كفّيها فإذا بحرارة الخجل تتصاعد إلى وجنتيها كجمرةٍ لا تهدأ والأحداث التي جرت ليلة الأمس تشتعل في عقلها كحكايةٍ لا تريد لها أن تُروى والأسوأ أن قلبها يذكّرها بما لم تستطع إنكاره:
هي متزوّجة وما حدث كان خيانةً صريحة لرجلٍ تحمل اسمه كزوجة… إنه يعقوب جبريل.
---
ارتدت ليان ملابسها على عجل كمن يحاول ارتداء درعٍ يقيه وخز الضمير وهمّت بالخروج وعندما لمحَتها كاميليا عند أسفل الدرج بادرتها بقلقٍ أموميّ:
«خروجٌ آخر؟ ألن تتناولين فطوركِ أوّلًا؟»
رمقت ليان الساعة وعيناها تفصحان عن استعجالٍ:
«سأتأخّر عن العمل».
كانت كاميليا تعرف أنّ عمل ليان كطبيبةٍ يستدعي الرحيل مع الفجر ومع ذلك أسرعت إلى المطبخ وعادت تحمل كوبًا من الحليب يتصاعد منه دفءٌ كعاطفتها:
«اشربيه قبل أن تذهبي».
توقّفت ليان لحظة تتأمل ملامح المرأة التي تفوح طمأنينةً ثم همست بابتسامةٍ شاحبة:
«شكرًا لكِ».
ردّت كاميليا بابتسامةٍ عريضة ووجهها المستدير يشعّ بلطفٍ نادر:
«على الرحب والسعة».
ارتشفت ليان الحليب سريعًا ومن ثم سلّمت الكوب بهدوء لكاميليا ثم انطلقت خارج القصر تتعقبها نظرةٌ فيها دعاءٌ صامت.
---
لم تذهب ليان مباشرةً إلى مكتبها؛ بل ساقتها قدماها أولًا إلى وحدة العناية المركزة حيث تقيم والدتها… وهناك وسط رائحة المطهّرات وصفير الأجهزة خفَتَ قلب ليان وهي ترى أن شيئًا لم يتغير إذ كانت الأم تستلقي كطائرٍ أنهكه التحليق بينما قصور القلب ينهش جسدها النحيل فلم يعد أمامها سوى زرع قلبٍ جديد… عمليةٌ تتطلّب ثروةً تعجز عنها يدٌ عادية.
غامت عينا ليان بالدموع وهي تتذكّر كيف اضطرّت إلى قبول زواجٍ لم ترده إذ رفع والدها سيف التهديد عاليًا:
«لن أدفع فلسًا لعلاجها» وهكذا أُجبرت على إبرام صفقةٍ مع القدر لتُبقي أمها حيّة والآن لم يبقَ سوى انتظار معجزة على هيئة متبرّع يفتح نافذة الحياة.
اقتربت ليان من سرير والدتها تهمس بصوتٍ مبلّل بالرجاء والمرارة:
«سأُنقذكِ يا أمي… أقسم أنّكِ ستتعافين».
كانت تلك المرأة النائمة أمامها أكثر من أم؛ كانت صديقتها الأعمق وسرّها الأوحد.
ثوانٍ ورنّ الهاتف في جيب معطفها وعندما أجابت اندفع عبر السماعة صوتٌ يختلط فيه القلق برجفة الاستعجال:
«ليان؟»
الفصل 3
قال زاكاري بصوت مُلح:
«ليان؟ هل يمكنكِ مساعدتي أرجوكِ؟»
كانت ليان قد تخرجت هي وزاكاري من المستشفى التعليمي ذاته وإن كان يكبرها بفصلين دراسيين ولكن بعد عودته من بعثةٍ في الخارج صار اسمه يتردّد في أروقة الطب كوميضٍ لامع…. نجمًا يعرفه الجميع لكن عينيه ظلّتا تحملان دفء صداقةٍ قديمة لا تخطئه ليان؛ اهتمامٌ خافتٌ ودائمٌ يلتف حولها منذ أيام الدراسة.
وعندما رنّ هاتفها وجاء صوته مشوبًا بعجلةٍ حاسمة، أجابته دون تفكير:
«أطلق النار.. أنا هنا دائماً».
قال زاكاري بتعجل:
«لديّ موعدٌ عاجل في العيادة الخارجية لكن حدث طارئ… هل يمكنكِ أن تحلّي محلي؟»
نظرت ليان إلى ساعتها ترتب أفكارها فقد كان نهارها يضم عمليتين جراحيتين فقط بعد الظهيرة أمّا الصباح ففارغ.
تنفّست بعمق وأجابت:
«بالتأكيد».
انسكبت التعليمات في أذنها بصرامةٍ لا تحتمل الجدل وزاكاري يقول:
«الوحدة ٣٠٦، القسم (أ)، حديقة الورود… قولي للحراس إنكِ تبحثين عن السيد آدم سيفهمون فورًا. والأهم… لا تبوحي بهذه الحالة لأحد ولا توجّهي للمريض أي سؤال… عالجيه فقط، وانصرفي».
أومأت ليان رغم أنه لا يراها تؤكد:
«فهمت».
---
أغلقت ليان الهاتف وانطلقت نحو العنوان المحدّد.
كانت «حديقة الورود» حيًّا فخمًا يكتسي بحراسةٍ مشدّدة… حدائقه تموج بالعطر وأبوابه الحديدية تلمع كأنها حارس لليل… أوقفتها العيون المترصدة عند البوابة فقدّمت الاسم كما لُقّنت:
«جئتُ للقاء السيد آدم».
تبادل الحراس نظراتٍ مقتضبة قبل أن يرفع أحدهم سماعة الهاتف… دقائق ثقيلة انقضت ثم فُتحت البوابة على مهل تفسح لها الطريق إلى عالمٍ مغلق.
---
وقفت ليان أمام باب الوحدة ٣٠٦ ضاغطةً على الجرس ولم تمضِ لحظة حتى انفتح الباب ليكشف عن رجلٍ شامخ القسمات عيناه كجمرتين تحت رماد لكن تجمّد وجهه في عبوسٍ حذر يزن الغريبة التي تقف أمامه يسألها بوجوم:
«من أنتِ؟»
كانت ليان ترتدي قناعها الطبي، تخفي به هويتها وتلتزم الصمت الذي أوصاها به زاكاري… فأجابت:
«أرسلني الدكتور زاكاري».
ألقى آدم نظرةً خاطفة على الحقيبة التي تحملها… كانت الحقيبة كوثيقة تثبت مهنتها.
«هل تعرفين ما عليكِ فعله؟» سأل آدم وفي صوته ارتيابٌ.
أومأت بثباتٍ يحمل ثقة الطبيب وخبرة مهنية:
«نعم… لقد أرشدني الدكتور زاكاري بكل ما يلزم… اطمئن خصوصيتك مصونة».
ظلّ شيءٌ من التوتّر يلوح في عينيه ومع ذلك أفسح لها الطريق فخطت ليان إلى عالم جديد تفوح منه الأسرار.
قادها آدم عبر صمتٍ يقطعه صدى خطواتٍ مكتومة حتى بلغ بها غرفةً في الطابق الثاني، أبوابها موصدة على عتمةٍ كثيفة كأنها فمُ ليلٍ لا قاع له.
توقّفت ليان على العتبة تتلمّس الجدار بيدٍ مرتجفة وقالت بنبرةٍ خافتة امتزج فيها الاستياء بالحذر:
«الظلام دامس… كيف لي أن أعمل في هذا السواد؟»
من عمق الغرفة ارتجّ صوتٌ رجوليّ خشنٌ ومألوف على نحوٍ غامض يقطر برودًا:
«اشعل الأضواء».
التفتت نحو مصدره بينما ضغط آدم على المفتاح القريب فاشتعلت المصابيح دفعةً واحدة كومضة برقٍ.
---
في وهج النور المفاجئ، رأت ليان رجلاً ممدّدًا على السرير قميصه الأبيض ملطخ بآثار دمٍ جافّ وبالرغم من أن صوته بدا مألوفًا لكنّها كبحت فضولها، فالرجل كان يغطي وجهه بسترة فاخرة يعلن أنه لا يريد لها أن تعرف هويته.
فتحت ليان حقيبتها الطبية على الطاولة وأخرجت المقص تقصّ القماش الذي يغطي الجروح بحركةٍ محسوبة فبدت الضمادات التي انكشفت سريعة الإعداد كأنها وُضعت على عجل… أزالتها برفق فبانت جراحٌ غائرة يلمع سطحها تحت ضوء المصباح.
وضعت ليان المقص جانبًا وأعدّت أدواتها، ثم رفعت بصرها إلى صاحب الوجه المحجوب تسأله بصوتٍ يحمل صرامة المهنة:
«هل لديك أيّ حساسية تجاه المخدّر؟»
كانت الجروح رغم قسوتها بعيدة عن الأعضاء الحيوية لكن الخياطة لا تتمّ إلا بتخديرٍ موضعي.
صمت الرجل لحظةً ثم أجاب ببرودٍ جافّ:
«لا».
التقطت ليان حقنةً وأخذت تدور حول الجرح تغرز الإبرة بخفةٍ وثبات حتى بدأ الدواء يسري في أوصاله… دقيقتان وربما أقل قبل أن تنحسر قسوة الألم.
---
ساعةٌ كاملة انزلقت مثل قطرةٍ من زئبق وخيّمت على الغرفة رائحة المعقمات ونبض الصبر حتى أبرمت ليان آخر غرزة وأحكمت الرباط… خطواتها دقيقة وهادئة كأنها ترسم على جسده خريطة نجاة.
تأملت يديها الملطختين بدمٍ قانٍ، ثم التفتت نحو آدم وقالت بهدوءٍ عميق:
«أحتاج إلى الحمّام».
أجابها آدم دون أن يرفع عينيه:
«في الطابق السفلي… يمكنكِ أن تذهبي وحدك».
تردّد صدى خطواتها وهي تهبط الدرج في حين أن بقي آدم عند المدخل يراقبها حتى اختفت في الطابق السفلي ثم أوصد الباب ببطء واستدار نحو يعقوب.
كان الجريح يجلس في شبه ظلال الغرفة ساكناً كذئبٍ يترقب ومن ثم قال آدم بصوتٍ خافتٍ كأنما يُلقي جمرةً:
«عثرنا على الفاعلين… كوينسي هي من أرسلت أولئك الذين هاجموك… فقد ارتبكت حين طردت جواسيسها من جوارك فدبّ الرعب في أوصالها وأرادت أن تُنهيك قبل أن تنكشف».
تحرّك يعقوب ببطء ينهض من فراشه… ملابسه مبعثرة، وجهه شاحب ومع ذلك يلفّه هالة تهديدٍ… يرفع عينيه إلى آدم… عينان معتمتان كهاوية بلا قرار:
«أهي من حاكت خيوط ذلك الزواج وأجبرتني عليه؟»
تردّد آدم لحظة ثم أجاب بنبرةٍ تقطر يقينًا:
«أجل… اكتشفتُ أن ليونيل كان على اتصالٍ بها… كل ما جرى كان مريبًا منذ البداية فمن شبه المؤكد أنّها دبّرت الأمر ولهذا اختارك ليونيل زوجًا لابنته… لا إيان.
شهق يعقوب بضحكةٍ قصيرة خالية من البهجة كأنها طعنة في الفراغ يغمغم بحقد:
«حسنًا… ما دامت تغدق عليّ الهدايا فسيكون من قلة الذوق ألا أرد لها الجميل».
كان يعقوب قد عاد للتوّ من مهمةٍ خارج البلاد والمدينة ما تزال تجهل أنياب غيابه ومع ذلك انسكبت البرودة من ملامحه كسائلٍ معدنيّ مضيفاً:
«سمعت أن إيان يدير ملهى ليليًا في شارع سنترال… أم أنني واهم؟»
أدرك آدم الفكرة قبل أن تكتمل على لسان سيده قائلاً:
«ذاك الملهى مصدر دخلهم الوحيد بعد إقصائهم من الشركة، إذا سقط ستضيق عليهم الحياة حتى الاختناق».
أومأ يعقوب ببرودٍ قاتل:
«نفذ».
---
هبط آدم الدرج كصوتٍ مكتومٍ في ظلمة البيت ولمح ليان تصعد بخطواتٍ حذرة. نظر إليها بعينين حادتين، وقال بتحذيرٍ لا يقبل التردد:
«تذكّري… إن تفوّهتِ بكلمةٍ واحدة عمّا رأيتِ أو سمعتِ اليوم فلن تعرفي سوى موتٍ بطيء».
كان تهديده أشبه بطلسمٍ يعلّق بينهما، فأدركت ليان المعنى لكنها لم تدرك المغزى وراءه؛ لكن آدم يعي إن عرفت كوينسي أو إيان بما حدث فالفوضى ستشتعل.
أجابت بصوتٍ خفيض… ورأسها منحنٍ:
«لن أفعل… سأغادر بعد أن ألتقط حقيبتي».
عادت إلى الغرفة في الطابق العلوي… هناك توقّف الزمن للحظة فقد كان الرجل الذي خيطت جراحه قد تخلّى عن قميصه الملطّخ بالدم فانكشفت عضلات كتفيه العريضين وخصره الممشوق كلها خطوطٌ كأنها منحوتة بإزميل الضوء… جسدٌ يشي بالقوة وظهر صلد رغم الجرح كجبلٍ ما زال يقف في وجه عاصفة عتية.
التفت إليها من أعلى كتفه وهو يواليها ظهره يرميها بنظرةٍ خاطفة تحمل شيئًا من سخريةٍ هادئة وصوته ينساب ببرودٍ مخملي:
«ألن ترحلين؟»
ارتجف بصرها للحظة وتعثّر قلبها فخفَضت عينيها سريعًا إلى الأرض إذ أدركت متأخرةً أنها أطالت النظر إليه.
الفصل 4
أبقت ليان رأسها منخفضاً تحتمي من بقايا نظراته وسارت بخطًى مترددة نحو حقيبتها الطبية ورغم اضطراب قلبها ظلّ صوتها ثابتاً يحمل رصانة الطبيب:
«إيّاك أن تدع الغُرز تلامس الماء وضع المطهّر مرّة في اليوم وارتدِ ثيابًا فضفاضة لا تحتكّ بالجروح».
قالتها ووضعت على الطاولة علبًا صغيرة وأردفت وعيناها تتجنبان النظر إليه:
«هذه أقراص تُتناول فمويًا… وهذا مطهّر».
جاء صوته من خلفها باردًا:
«حسنًا».
لم يلتفت فلم ترَ منه سوى ظلٍ يزداد غموضًا في عينيها وعندما لم تجد ما تقوله اكتفت بجمع حقيبتها وغادرت.
---
كانت عقارب الساعة تقترب من الحادية عشرة عندما استقلت سيارة أجرة تعيدها إلى المستشفى وفي الكافتيريا تناولت وجبةً خفيفة لا طعم لها؛ فكل شيء من حولها بدا كأنه مجرد صدى بعيد وما إن عادت إلى العيادة حتى استُدعيت على الفور إلى مكتب المدير.
كان وجهه مشدودًا وفي عينيه شيءٌ من التردد وأخيرًا تنفّس وقال:
«سأسمح لتينا بالتدرّب في المنطقة العسكرية الثانية».
تجمدت الكلمات في حلق ليان قبل أن تنطق باحتجاجٍ مخنوق:
«لكن… ألم توافقوا من قبل على أن أذهب أنا؟»
ارتسمت على ملامحه نظرة اعتذارٍ يائس.
«أنتِ تعرفين أن أحدث معداتنا الطبية تبرعت بها مجموعة الضوء… صاحب المجموعة يعقوب جبريل طلب منّي أن أمنح المقعد لتينا… ولا أملك ما أفعله».
تشنج قلبها عند سماع الاسم… يعقوب جبريل… زوجها الذي لم يره أحد من عائلتها قط ولم تعرفه إلا من صورٍ في مجلات أو على شاشات التلفاز وفكرة أن يقترن اسمه الآن بتينا أشعلت في صدرها خليطًا من الدهشة والمرارة.
همست وهي تحاول أن تبقى هادئة:
«إذن… هكذا سيكون الأمر؟»
أومأ المدير بأسفٍ ثقيل مجيباً:
«نعم… لكن لا تقلقي نحن نعرف قدر احترافيتك… مكانتك محفوظة».
خفضت عينيها تتجرع الغصة التي علقت في حلقها مغمغمة:
«أفهم».
كانت تعلم في أعماقها أن كونها زوجةً فرضها والدها على يعقوب لا يعني شيئًا وأن كلماتها لن تغيّر مسارًا رُسم في غيابها فتنفست ببطء ثم قالت ببرودٍ يحجب العاصفة التي في صدرها:
«لدي عمليتان جراحيتان بعد الظهر… سأذهب».
تنهد المدير وفي صوته ظلّ من اعتذار لا يُجدي:
«بالتأكيد… تفضّلي».
غادرت ليان المكتب وبعد أن سكبت كل ما تبقّى من طاقتها في عمليتَين جراحيتين متتاليتين، خرجت من غرفة العمليات وهي تشعر بجسدٍ أثقل من الرصاص وروحٍ تتوق إلى لحظة سكون.
غسلت ليان يديها بإتقانٍ آلي وخلعت زيّها الأزرق ثم استسلمت لكرسيٍ في زاوية الغرفة، وبعد لحظات فُتح الباب بهدوءٍ يحمل رائحة عطرٍ متصنّع فظهرت تينا وعلى شفتيها ابتسامةٌ نصفها ودٌّ ونصفها حساب.
قالت بنبرة متأنّقة: «دكتورة ليان… ما رأيك أن نتعشى معًا الليلة؟»
رفعت ليان عينيها بصعوبة ثم هزّت رأسها برفقٍ حازم:
«آسفة، لديّ أمرٌ لا يحتمل التأجيل».
كانت كلماتها كحاجز زجاجي بينهما؛ واضح لكنه لا يُكسر فمنذ أيام الجامعة لم يتجاوز ما يجمعهما حدود الزمالة الباردة فتينا بطبعها المتباهِي المحبّ للتنافس، اعتادت أن تسير في الممرات كما لو كانت تسير على خشبة مسرح بينما ليان عاشت لكتبها ومشرطها، تؤثر العزلة عن الضوضاء.
توقفت تينا لحظة كأن شيئًا يلحّ عليها:
«حسنًا… في الواقع جئتُ لأخبرك بشيء».
نهضت ليان ببطء تعلّق زيّها في الخزانة ولم تلتفت نحوها ومن ثم قالت ببرودٍ رقيق:
«تفضّلي».
كان في قلب ليان نفور لها يتضاعف منذ سمعت همسًا عن خيوطٍ غامضة تربط تينا بيعقوب.
ترددت تينا ثم قالت بنبرة اعتذارٍ مصطنعة:
«ربما سمعتِ بما حدث… أنا آسفة لم أكن أعلم أن الرئيس سيتصرّف هكذا».
قاطعت ليان كلماتها:
«لا بأس».
خفضت تينا نظرها لثوانٍ لكن بريق فكرةٍ ما سرعان ما أضاء عينيها:
«أيضًا… أيمكنك ألا تذكري لأحدٍ أنني لم أكن في المستشفى الليلة الماضية؟ لا أريد مشاكل قبل بدء فترة تدريبي».
كان الطلب غريبًا لكن غرابة تينا لم تفاجئ ليان قط لذا أجابت بصوتٍ متزن يشي باللامبالاة:
«بالطبع، لن أفعل».
ففي هذا العالم الذي تعوّد المفاجآت كان استبدال الأطباء في اللحظة الأخيرة أمراً مألوفًا كأن الطوارئ جزءٌ من تنفّس المستشفى لا يجب أن يتوقف لغياب أحد.
خارج أسوار المستشفى كانت السماء قد ارتدت عباءة الليل والنجوم تتسلّل خجلى بين سُحبٍ رمادية فيما أضاءت مصابيح الشارع الطريق كحبات لؤلؤٍ تنثر ضوءها على الإسفلت الرطب وعند الرصيف اقتربت سيارةٌ فارهة متعدّدة الأغراض يتلألأ هيكلها تحت أضواء المصابيح.
في المقعد الخلفي جلس يعقوب متكئًا ببرودٍ ظاهري لكن عينيه كانتا تغزلان خيوط تفكيرٍ متشابك يحاول استعادة ملامح الطبيبة التي خاطت جراحه بيدٍ ثابتة وصوتٍ ساكن، فهدوؤها البارد يثير في داخله اعترافًا خفيًّا بمهارتها.
أمال زاكاري جسده إلى الأمام وهو يتباهى كعادته وقال مبتسمًا:
«إذن؟ ألا ترى أن زميلتي الصغيرة أبدعت؟»
لم يُجِب يعقوب إنما ظلّ يحدّق في ظلال الطريق، يعيد رسم ملامح وجهٍ لم يمنحه القدر فرصة لتأمله وقتها.
قطع آدم الصمت المفاجئ من المقعد الأمامي وهو يشير بإصبعه نحو الممر:
«تلك هي السيدة تينا».
خفض يعقوب زجاج النافذة فاندفع هواء الليل البارد إلى الداخل يحمل معه رائحة الياسمين الممزوجة بغبار الطريق كانت تينا تقترب بخطواتٍ واثقة شعرها يلمع تحت الأضواء.
رفع زاكاري حاجبيه بدهشة وهو يلمحها:
«تينا؟!»
التفت إليه آدم وقد ارتسمت في عينيه علامة استفهام:
«أتعرفها؟»
أجاب زاكاري وهو يميل برأسه:
«إنها أصغر منّي… زميلة من أيام الجامعة».
في تلك اللحظة التمعت عينا يعقوب ببريقٍ خاطف… بريقِ رجلٍ بدأ يربط الخيوط. لقد أنقذته طبيبةٌ في الليلة الماضية ثم عالجت جراحه هذا النهار وها هي الآن تقترب من سيارته لكن شيئًا في الصورة كان مقلقًا… لقد حسبها تينا وهو على سرير الألم وربما التبست عليه الأسماء والوجوه خطأ يضاعف ارتباكه.
همس آدم كمن يحدّث نفسه:
«أيمكن أن يكون سهم كيوبيد قد سبقنا جميعًا؟»
عقد زاكاري حاجبيه متبرّمًا:
«عن أي هراءٍ تتحدث؟»
بادر آدم يقول:
"السيد يعقوب….."
وقبل أن يتم آدم ردًّا كانت تينا قد وصلت تقطع بظهورها......
الفصل 5
ترجّل زاكاري بخطوةٍ واثقة يلتفت إلى يعقوب الذي بقي في الداخل فزاكاري قد أتى برفقتهما بعد إلحاح من يعقوب لمقابلة ليان كي يشكرها بشكل لائق إذ أن توتره بالأمس جعله يبدو كشخص سمج ناكراً للجميل وها قد التصق الفعل بغير أهله إذ ظن يعقوب أن تينا هي صاحبة اليد الماهرة ومنقذة الأمس أيضاً.
قال زاكاري بصوتٍ حاسم:
«سأغادر.»
لم ينتظر ردًا بل انسلّ إلى الظلام بينما دخلت تينا بعده تتقدّم بخطواتٍ مترددة… الأرض تتأمل ارتعاشة قدميها وجلست قبالة يعقوب داخل السيارة نظراتها تبحث عن ثباتٍ ضائع فقد كانت تعرف أنّه خلط بينها وبين أخرى وأنّ خطأه ذاك ما زال يتأرجح بينهما كحبلٍ ممدود فوق هاوية.
ومع ذلك كانت تعرف في أعماقها أنّ هذا الالتباس قد فتح لها أبوابًا لم تحلم بها فنفوذ يعقوب كان أشبه بمفتاحٍ سحريّ ومن خلاله حازت تدريبًا في المنطقة العسكرية الثانية وهو المكان الذي لطالما طمحت إليه ليان نفسها وفي الحين الذي كان فيه رئيس المستشفى يميل إلى إرسال ليان فبكلمةً واحدة من يعقوب انقلبت الموازين رأساً على عقب لذا أدركت تينا أنّها أمام هديةٍ نادرة من القدر… نعمة لا يهبها الحظ سوى مرّة يتيمة في العمر فشعرت أنّها إن لم تُحكم قبضتها عليها الآن فستتبدّد كما الضباب مع أوّل خيط فجر.
رفعت تينا عينيها إليه وارتسم على شفتيها إصرارٌ هادئ:
«لقد اتّخذت قراري.»
ارتعشت أنفاس يعقوب للحظة إذ لم يكن يتوقع حسمًا كهذا؛ بينما بدا عليه الجمود غير أنّ فضولًا دافئًا كان يتلوّى في أعماقه.
أكملت تينا بصوتٍ أقرب إلى الهمس:
«لا أريد شيئًا.»
كانت تعرف أنّ عرضه الخفيّ يلوح في الأفق—زواجٌ ربما أو وعدٌ بما هو أكبر لكنها لو طلبت أو طالبت لبدت جشعة في عينيه وربما أغلقت على نفسها بابًا لم يُفتح فاختارت أن تمسك الخيط برفق… فابتسمت ابتسامةً خافتة وقالت:
«دعنا نكون أصدقاء… الآن على الأقل.»
ضغط يعقوب شفتيه وشعورٌ مبهم يتكاثر داخله لا اسم له سوى الارتباك الممزوج بالإعجاب ثم رفع بصره إليها وسأل بهدوءٍ:
«أهذا حقًا قرارك؟»
أومأت تينا برأسها إيماءةً رصينة مصطنعة
لم يرد يعقوب أن يتطرق إلى اللحظات التي جمعتهما في المختبر… لحظات حفرت بحروف من نار توشم قلبه البكر ولكن ربما تلك اللحظات لم تعني لها شيئًا فقال بصوتٍ تلمع فيه الخيبة:
«سأحترم قرارك.»
في ذلك الوقت كانت ليان تغرق في سطور كتابٍ سميكٍ داخل صالة الاستراحة تحتمي بحروفه من ضجيج العالم فقد انتهت مناوبتها منذ زمن غير أنّ العودة إلى البيت أو إلى تلك المنطقة التي تحمل اسم يعقوب لم يكن خيارًا يروق لها لذا وجدت في المشفى وهدوء أروقته ملاذًا مؤقتًا.
ارتجف الصمت تحت وقع الطَرق الخفيف وما لبث الباب أن انفتح ليتسلّل زاكاري بخطوةٍ خفيفة وابتسامةٍ لا تخلو من الدهشة.
قال وهو يرفع حاجبه في مزيجٍ من عتابٍ وفضول:
«لماذا تختبئين هنا؟»
أغلقت ليان الكتاب ببطء ثم وضعته على الطاولة وتقدّمت نحوه.
«أنا لا أختبئ.» أجابت بصوتٍ ثابت ثم رمقته بنظرة تسائل: «ماذا أتى بك إلى هنا الآن يا صديقي؟»
ضحك وهو يمرّر أصابعه في شعره كأن المرح ينساب من حركته:
«أليس عليّ أن أشكركِ على مساعدتي أولاً؟»
ثم أشار بعينيه إلى الخارج:
«تعالي سأريكِ مكانًا لطيفًا يليق ببطلة مثلك.»
هزّت رأسها برفقٍ:
«سأكتفي بما لديّ.»
توقّف عند ملامحها وعيناه تصطادان شيئًا مريبًا:
«ما الأمر؟ هل حدث شيء؟»
أشاحت بنظرها بعيدًا تخفي في عينيها غيوماً من حزنٍ دفين:
«لا شيء.»
لم يُخدَع بسهولة فاقترب خطوةً وهمس:
«هيا… قولي لي… أم أنّك لا تثقين بي؟»
ردّت بسرعة تقطع طريق الشك:
«لا… ليس الأمر كذلك… لكنّنا لن نكون زملاء قريبًا.»
ارتسم عبوسٌ حادّ على وجهه وانكمشت ابتسامته في لحظة:
«ماذا؟ هل غيّر الرئيس رأيه؟ من الذي أخذ مكانك؟»
استدار بعزمٍ غاضب وهو يضيف:
«سأتحدث معه حالًا.»
لكن يدها قبضت على معصمه ترجوه الصمت وهي تهز رأسها نفيًا.
قال بصوتٍ يوشك أن يعلو يتخلله مزيج من حنقٍ وقلق:
«ألم يكن حلمكِ أن تصبحي طبيبةً عسكريةً متميزة؟ كيف ستحققين الحلم إذا حُرمتِ حتى من التدريب؟»
أدرك فجأة أنّها ليست ليان التي يعرفها، تلك التي تحارب النوم من أجل دراسة فصلٍ إضافي والتي تركض خلف حلمها كما البحر خلف المدّ.
خفضت عينيها اللتين يختبئ فيهما بريقٌ منكسِر تريد أن تصرخ بأن الواقع هو من خذلها لا هي من تخلّت ومع ذلك لم ترغب أن يكون زاكاري وقودًا لصراعٍ لن ينتهي.
ابتلع زاكاري غصته وضمّ شفتيه في صمتٍ يشبه زئيرًا مكبوتًا قبل أن يقول أخيرًا بنبرةٍ مبحوحة:
«حسنًا… كما تشائين.»
حاولت أن تُخفي انقباضة قلبها بابتسامةٍ رسمتها على عجل وعمدت على تغيير الأجواء قائلة:
«دعني أعوّضك بعشاءٍ هادئ الليلة.»
أدار زاكاري رأسه قليلاً وعينيه تلمعان بتفكيرٍ سريع وحساباتٍ لا تريد أن تُكشف:
«ربما… في المرة القادمة.»
كان القرارُ قد حُسم منذ زمنٍ وكان التدريب حقًّا أصيلاً لليان لكن يدًا خفيّة امتدّت لانتزاعه فليان بطبعها الهادئ ولسانها القليل الكلام قابلت الأمر بصمتٍ أمّا زاكاري فكان الغضب يتأجّج في صدره كبركانٍ لا يهدأ ولم يكن ليرضخ دون قتال لذا قال بصوتٍ متماسك يخفي عاصفةً:
«تذكّرت أمرًا عاجلًا… أراكِ لاحقًا.»
استدار بخطوات حاسمة ومضى عابرًا أروقة المستشفى… لم يكن غضبه مجرّد انفعال؛ فقد حمل معه ثقةً راسخة فمكانته ورتبته إضافةً إلى نفوذ عائلته العريقة منحته سطوةً لا يُستهان بها.
دفع زاكاري باب مكتب المدير دفعةً واحدة… في تلك الأثناء كان رئيس المستشفى يتحدّث عبر الهاتف لكن وهج حضور زاكاري جعله يُنهي المكالمة على الفور كي ينهض مرحّبًا بابتسامةٍ متوتّرة:
«دكتور زاكاري! ما الذي أتى بك في هذه الساعة؟»
لم يترك له زاكاري فرصةً لالتقاط أنفاسه فاندفع صوته حادًّا:
«ألم تُقَرّر منح ليان فترة التدريب في المستشفى المركزي؟ من الذي غيّر القرار؟ ومن دفع لك؟ أريد جوابًا الآن بلا مواربة!»
تبدّلت ابتسامة المدير إلى ارتباكٍ ظاهر بعد أن وجد نفسه عالقًا في شبكةٍ لا مهرب منها ومع ذلك ظلّ صوته هادئًا وإن ارتجف شيءٌ فيه:
«اضطررتُ إلى إجراء هذا التغيير… لا تظنّ أنني فعلتُه طوعًا… يعقوب جبريل بنفسه طلب منّي أن أعتني بالدكتورة تينا.»
عند سماع الاسم انكمشت ملامح زاكاري وتجعدت خطوط جبينه بحدةٍ لافتة.
تابع المدير وهو يتهرّب بنبرةٍ حاسمة:
«إن كان لديك اعتراض فاذهب إليه مباشرة… هو صاحب الكلمة الأخيرة.»
ترك زاكاري المكتب مفعمًا بالغضب والشكوك تتلاطم في رأسه كأمواجٍ عاتية يسرع في الخروج إلى بهو المستشفى وإذا بالسيارة الفاخرة متعدّدة الأغراض لا زالت متوقفة أمام المدخل ينساب منها بريقٌ لا يخطئه النظر وها قد لمح زاكاري تينا تترجّل من المقعد الخلفي فشدّ خطاه نحوها.
ابتسمت له تينا ببرودٍ يحمل شيئًا من التحدّي:
«دكتور زاكاري.»
لم يعرف للحظة كيف يردّ؛ كان داخله يموج بتساؤلاتٍ أكبر من أي كلمة فألقى نظرةً خاطفة نحو السيارة حيث انعكس ضوء المصابيح على زجاجها المظلّل، ثم قال بنبرةٍ مقتضبة:
«أهلاً.»
رحلت تينا بخفةٍ متعالية في حين أن شعر زاكاري بأنّ ظلماً جليًّا وقع على ليان وأنّ اليد التي عبثت بحقها يدُ صديقٍ مقرّب لكن ما أدهشه أكثر أنّ يعقوب ذاك الذي لم يُعرف عنه اهتمامه بالنساء كان يمنح تينا معاملةً خاصّة لا تخطئها عين. هل يمكن أن تكون مجرّد صدفة؟ أم أنّ بينهما ما يتجاوز حدود الصداقة؟
عندما التقى يعقوب لم يستطع زاكاري كتم ما في صدره فخرج السؤال من فمه كشرارةٍ مفاجئة:
«لا أفهم… ما الذي تراه في تينا تحديدًا؟ أنا لا أرى فيها ما قد يثير إعجاب رجلاً مثلك»
الفصل 6
رفع يعقوب حاجبه في هدوءٍ ينضح بالهيمنة فانعكس في عينيه بريقٌ بارد أشبه بحدّ السيف وقال بنبرةٍ تقطر تهديدًا:
«ماذا؟»
انقبض فكّا زاكاري وصوت أسنانه يطحن صمت المكان ثم لفظ كلماته ببطءٍ متردّد:
«لا بأس… سأتغاضى ما دام الأمر يتعلّق بسعادتك.»
لم يزد يعقوب على ذلك سوى بنظرةٍ ومن ثم أدار رأسه نحو آدم وأمره بصرامةٍ:
«قد السيارة»
تحرّكت السيارة بانسيابٍ هادئ بينما بقي في صدر زاكاري اضطرابٌ لا يهدأ… يعلم أنّ شيئًا ما يجب أن يُفعل من أجل ليان… شيءٌ يخفّف الظلم الذي وقع عليها فجأة وما إن استدار عائدًا إلى صالة المستشفى حتى لمحها تخرج من البوابة بخطوات متردّدة لكن ملامحها تحاول التماسك.
«ليان…» ناداها زاكاري وصوته يحمل مزيجًا من القلق والخيبة لقلة حيلته.
التفتت إليه بابتسامةٍ تخفي وراءها وجع:
«أنا في عجلةٍ من أمري يجب أن أذهب.»
تلك الابتسامة كسرت قلبه أكثر مما أراحته؛ فقد كانت أشبه بوميض شمعةٍ توشك أن تنطفئ يقول وهو يقترب منها:
«سأبذل جهدي لإيجاد متبرّعٍ لوالدتك.»
ارتجفت ليان من وقع الكلمة فذكْر الأم نكأ جرحًا غائرًا وبالرغم من أنها حاولت السيطرة على أنفاسها لكن رعشة صوتها فضحت عاصفة الداخل:
«حقًا؟»
كان زاكاري يعلم كما تعلم هي، أن متبرّعي القلوب لا يُقطفون من الأشجار وأن هناك من يموتون قبل أن يجدوا تطابقًا واحدًا ومع ذلك كان الوعد بصيص رجاءٍ في ظلامها فامتلأت عيناها بدمعٍ عجزت عن حبسه ولم تجد سوى همسةٍ مرتجفة لتعبّر عن امتنانها:
«شكرًا لك زاكاري.»
ابتسم زاكاري ابتسامةً صغيرة تنبض بشيء من الحرج وقال بنبرةٍ دافئة محاولاً تخفيف وطأة الموقف:
«نحن أصدقاء، أليس كذلك؟ فلا تُثقلي قلبكِ بالامتنان.»
قالها وفي داخله طيف حسرةٍ خافتة؛ فلو لم تتدخل يد يعقوب لكانت ليان أقرب اليوم إلى حلمها فأضاف بنبرةٍ حانية:
«دعيني أوصلك إلى المنزل.»
أسرعت ليان بالنفي:
«لا… لا حاجة لذلك.»
أدرك زاكاري أنها اتخذت قرارها مكتفياً بإيماءةٍ صامتة دون إصرار فتركتْه وراءها وصعدت سيارة أجرة تقلّها عبر شوارع المدينة التي بدأت أضواؤها تتلألأ كنجومٍ هاربة تجلس محدقة عبر النافذة وشعورٌ بالارتياح يتسرّب إلى أعماقها إذ كان يكفيها يقينٌ واحد:
**أن يعقوب لن يطأ هذا القصر في الوقت الحالي وربما أبدًا.**
حتى السيّدة كاميليا التقطت ذلك الوميض الخفيّ في ملامح ليان حالما ولجت؛ لم تكن الفتاة بالحذَر الذي لازمها منذ أن خطت قدماها عتبة القصر لأول مرة لذا رمقتها كاميليا بدهشةٍ مغلّفة بابتسامةٍ ودودة، وقالت:
«تبدين اليوم مشرقةً على نحوٍ مختلف… أهناك ما يبعث هذه السعادة؟»
كانت ليان تنحني لتبدّل حذاءها بنعلٍ منزليّ خفيف خافضة رأسها وهمست بنبرةٍ دافئة:
«لا شيء يا سيّدتي… فقط أحبّ أن أكون هنا معكِ… نحن الاثنتان فحسب وهذا يكفيني».
لكنّ صدىً آخر اخترق سكينة المكان… صوتٌ رجوليّ يحمل شيء من الصلابة وقطراتٍ من السخرية:
«أيعني هذا أنّ وجودي غير مرحّب به؟»
ارتفعت عينا ليان لتصطدم بنظرةٍ تعرفها من صفحات المجلات وشاشات الأخبار… كان واقفًا في غرفة المعيشة تحيط به هالةً لا تُرى، يطلّ عليها بنظرةٍ تقطر استعلاءً واشمئزازًا… إنه زوجها… يعقوب.
لم تكن قد تجرّأت يومًا على تخيّل لقائه… أليس هو من أعلن كراهيته لهذا الزواج الذي دُبِّر كصفقةٍ باردة؟ ألم يكن من المفترض أن يظلّ بعيدًا متحصّنًا خلف قلاعه العالية؟!
تلعثمت ليان تقول وهي تلتقط أنفاسها:
«لِماذا… أنت هنا؟»
ارتسم على وجهه تعبيرٌ لا يُقرأ ثم قال ببرودٍ:
«أأحتاج إذنًا لأتواجد في بيتي؟»
خفضت ليان رأسها خجلًا؛ فهي الدخيلة على عالمه مهما حاولت إقناع نفسها بغير ذلك وفي لحظةٍ خاطفة ألقى على الطاولة أمامها رزمة أوراقٍ تصطكّ حوافها كحكمٍ لا رجعة فيه.
«وقّعي.»
تجمّدت ملامحها، فلم يكن الطلب مفاجئًا. الطلاق… كلمةٌ كانت تعرف أنّها قادمة لكنّها لم تكن قادرة على التوقيع بعد؛ ليس قبل أن تنقذ أمّها من نصل القدر.
همست متردّدة:
«سيّد يعقوب… هل يمكن أن…»
قاطعها بصوتٍ حاد:
«ألن توقّعي؟»
كأنّه يتوقّع مقاومتها… كخطوةٍ محسوبة في لعبته.
قال وهو يهمّ بالرحيل تاركًا خلفه هواءً ثقيلاً:
«افعلي ما تشائين… لكن لا تلومي إلّا نفسك حين تندمين.»
واستدار تاركًا صدى خطواته يرتطم بجدران القصر وقلبها بات معلّقًا بين خوفٍ عارم ورجفة أملٍ لا تموت.
أدركت ليان أنّ كلمتها الأخيرة التبست عليه فأرادت أن تشرح… لكن القدر كان أسرع من خطواتها؛ إذ تعثّرت وهي تهمّ بمطاردته على الدرج فانفلتت حقيبة يدها وارتطمت بالرخام
وتناثر ما بداخلها في كلّ اتجاه فركعت تجمع شتات أشيائها وفجأة تسلّل شعورٌ بالفراغ إلى أصابعها.. شيءٌ مفقود.
رفعت رأسها بقلق لتجد عبوة صغيرة قد تدحرجت حتى استقرت عند قدمي يعقوب فهرعت باتجاهها تمدّ يدها مسرعةً قبل أن يلاحظ لكن وقع حذائه قد سبقها يسحق العبوة بخطوةٍ ثابتة بل وانحنى يعقوب بوجهه ساكن كتمثالٍ من حجر بينما عيناه تلمعان ببرودة موحشة ومن ثم رفع العبوة بيده يقلّبها بفضولٍ فوجد بداخلها تجويفان؛ لكن حبة وحيدة يتيمة وأخرى غابت وبفضول قرأ السطر الدقيق أسفل العلامة التجارية فانبلج المعنى أمامه صارخًا:
**«يُستعمل خلال اثنين وسبعين ساعة بعد الجماع»**.
لحظتها خفض بصره إليها وهي ما تزال جاثية على الأرض تحت قدميه ترتجف ونبرته حين نطق كانت باردة:
«إذن… كنتِ تلهين مع رجلٍ آخر ليلة زفافك؟»
الفصل 7
نفذت كلماته إلى صدرها كطلقة فاجتاحها شعورٌ بالإذلال أشدّ قسوةً من أي ألم ولا إراديًا انكمشت أصابعها تكبح ارتعاشها ووقفت ببطء كمن يصعد من قاع بئرٍ معتم تهمس رغم ارتجافة خافتةٍ فضحتها:
«لم أكن أرغب في هذا الزواج أصلًا…»
رمقها يعقوب بنظرة ازدراءٍ ممتقعة إذ بدا له حديثها محض تبرير مقزز وفي لحظةٍ خاطفة قذف العبوة في وجهها فارتطمت بزواية عينها تاركة خدشًا صغيرًا لكن الألم لم يكن في الجرح بل في كرامتها التي تهاوت كزجاجٍ هشّ.
أغمضت لين عينيها غريزيًا تتلقى صدمة الكلمة والجرح معًا ثم عضّت على شفتها لتكتم صرخة القهر وانحنت تلتقط العبوة؛ تغلق قبضتها عليها حتى تشوّه البلاستيك الرقيق فخدش جلدها وترك أثرًا دامٍ كأنها تعاقب نفسها بيدها.
وقف يعقوب لحظةً يرمقها بنظرةٍ تتقاطع فيها السخرية والاحتقار وقال بصوتٍ غارقٍ في السُمّ:
«تحبين التسلية إذن؟… سأساعدك على ذلك.»
ثم استدار ومضى تاركًا وراءه فراغًا يثقل جدران القصر ولم تمضِ سوى ليلةٍ واحدة حتى أدركت ليان فداحة وعده ففي الصباح التالي وقبل أن تتجه إلى عملها ظهر آدم عند بوابة القصر....
«سيّدة ليان؟»
انحنى الصوت خلفها كظلٍّ يهمس في أذنها… التفتت فإذا برجلٍ طويل القامة يقف بثباتٍ يشبه عمود من جليد نظراته قوية وصوته يقطر حزمًا حين قال:
«أنا آدم مساعد السيّد جبريل تفضّلي معي فهو بانتظارك.»
تجمّدت ليان للحظةً كأن الزمن تعثّر عند قدميها فقد ارتجف قلبها حالما وقع بصرها على ملامحه؛ ذلك الوجه الذي لم تخطئه ذاكرتها هو ذاته الرجل الذي فتح لها الباب في تلك الليلة حين عالجت المريض الغامض بدلًا من زاكاري… أيعني هذا أنّ ذلك المريض كان يعقوب نفسه؟
حاولت إخفاء ارتباكها فأدارت وجهها بعيدًا بينما قال آدم بنبرةٍ ازدادت صرامةً تحمل إيقاع أمرٍ لا يحتمل التردد:
«من فضلكِ آنسة ليان.»
ارتدّ عقلها إلى الواقع دفعةً واحدة تتمسّك بآخر ما يقيها هذا اللقاء وردّت ببرودٍ متعمّد:
«عذرًا عليَّ الذهاب إلى عملي.»
كانت كلماتها رفضًا واضحًا غير أنّ آدم لم يبدُ عليه أدنى تراجع إذ اقترب نصف خطوة ونبرته الآن تمزج العقل بالتهديد المغلّف:
«أرجوكِ فكّري جيّدًا… مكانتكِ لن تمسّها ريح لكن إن أغضبتِ السيّد جبريل فلن تحظي بفرصة أخرى لتعملي طبيبةً ما حييتِ.»
وقع التهديد في أذنها كحجرٍ يسقط في بئرٍ عميق فشدّت قبضتها حتى كادت أظافرها تشقّ كفّها وقد عادت بها الذكرى إلى والدها، إلى وعده المرهق بألا يتكفّل بجراحة والدتها وإلى أكوام الفواتير التي تتحول كل يوم إلى جبالٍ من ديون.
كانت تعرف أنّ خسارة عملها تعني انهيار كل شيء: علاج الأم، مستقبلها، حتى كرامتها التي تحميها بيديها.
تنفّست ليان ببطء تبتلع قرارًا مُرًّا فلم يتبقَّ أمامها سوى أن تستسلم للطريق الذي فُرض عليها لذا قالت بصوتٍ خافت:
«انتظر قليلًا… سأطلب إجازة من المستشفى.»
صعدت الدرج بخطواتٍ سريعة مترددة وأغلقت باب غرفتها خلفها… تلتقط الهاتف ومن ثم طلبت إجازةً قصيرة بصوتٍ بدا هادئًا بينما قلبها يعصف… ثم بلا تفكير مدت يدها إلى درجٍ بجوار سريرها وأخرجت مشرطًا صغيرًا وضعته في حقيبة يدها كمن يعلّق أملًا على سلاحٍ واهٍ ومن ثم تأمّلت انعكاس وجهها في المرآة للحظةً ثم رتّبت خصلات شعرها بإيماءةٍ باردة ونزلت الدرج بهدوءٍ مشوبٍ بالتصميم… تعرف أنّها لا تسير إلى لقاءٍ عابر بل إلى قدرٍ يخبّئ وراءه عاصفة.
لم يطل الانتظار حتى وجدت ليان نفسها تُقاد إلى مكانٍ لم تطأه قدماها من قبل؛ ملهى ليلي ينبض بالظلال والأنفاس الثقيلة حيث تتشابك الأجساد في زواياه ككائناتٍ بلا وجوه… رجالٌ ونساءٌ يبتلعهم جنون اللذة في رقصٍ مسعور يذيب الحدود بين الخطيئة والحلم فارتجف قلبها… بينما الضجيج من حولها يعلو كصخبُ عاصفةٍ.
وهي تتقدم بخطواتٍ مترددة تسلّل إلى سمعها حديثٌ هامس من زاويةٍ شبه مظلمة؛ صوت امرأتين يقطر فضولًا وسُمًّا:
– «هل سمعتِ؟ الرجل الذي يجتمع مع يعقو