12/05/2026
حين صار المقال يُطبخ أسرع من وجبة فلافل”
احمد الساير
في العراق، لم تعد أزمة الثقافة في قلة الكتّاب… بل في كثرة “النسّاخ”.
جيل كامل يرتدي قناع المثقف، لكنه عاجز عن كتابة سطرٍ واحدٍ يشبه وجعه الحقيقي.
كل شيء أصبح جاهزاً:
المقال جاهز
التحليل جاهز
الاقتباسات جاهزة
حتى الغضب صار يُنسخ ويلصق من تطبيقات الذكاء الصناعي وصفحات التنظير الفارغة.
ما يُرعب اليوم ليس استخدام التكنولوجيا، بل تحوّل بعض أنصاف المثقفين إلى آلات تستهلك الكلمات دون أن تفهمها.
تقرأ مقالاً لأحدهم فتشعر أنك أمام “علبة محفوظات لغوية” لا روح فيها؛ جمل منفوخة، مفردات متعالية، واستعراض مصطلحات أكبر من وعي الكاتب نفسه.
يتحدث عن الوطن وكأنه قرأ العراق في كتيّب سياحي، لا في شوارع الفقر والبطالة والانكسار.
المصيبة أن هؤلاء يظنون أن البلاغة تعني التعقيد، وأن الثقافة تعني حشد الكلمات الثقيلة.
فتجد المقال مليئاً بعبارات مثل “التحولات البنيوية” و”النسق المعرفي” و”إعادة إنتاج الخطاب”، بينما الفكرة الأساسية ميتة منذ السطر الأول.
إنهم يكتبون لإبهار بعضهم، لا لقول الحقيقة.
الذكاء الصناعي بحد ذاته ليس المشكلة.
المشكلة في ذلك الكاتب الكسول الذي سلّم عقله للتطبيقات، ثم خرج علينا متقمصاً دور المفكر الكبير.
يريد الشهرة بلا تجربة، والتأثير بلا موقف، والحضور بلا موهبة.
أصبح المقال عند البعض مجرد “أمر يُكتب للآلة”، ثم يُنشر على أنه وعي وإبداع وتحليل سياسي عميق.
في السابق كان الكاتب يُعرف من بصمته.
اليوم صار من الصعب التفريق بين مقال سياسي، ومنشور دعائي، ونص مولد آلياً خلال ثلاثين ثانية.
اللغة متشابهة، الأفكار معلبة، والعاطفة مصطنعة كابتسامة مذيع في نشرة رسمية.
والأخطر أن هذه الرداءة بدأت تُقدَّم على أنها ثقافة.
أصبح بعض أنصاف المثقفين يهاجمون كل صوت حقيقي يكتب بعفوية وصدق، لأن النص الصادق يفضح هشاشتهم.
هم لا يخافون من الجهل… بل يخافون من الكاتب الذي لا يحتاج قناعاً لغوياً كي يكون مؤثراً.
العراق لا يحتاج كتاب “كوبي بيست”.
ولا يحتاج محللين يصنعون مقالاتهم كما تُصنع الوجبات السريعة.
العراق يحتاج أقلاماً تشبه الناس، تعرف رائحة الشارع، وتكتب من قلب الخيبة لا من شاشة الأوامر الجاهزة.
فالثقافة ليست زخرفة لغوية،
وليست حساباً على منصة،
وليست نصاً يصنعه الذكاء الصناعي ثم يصفق له قطيع المجاملات.
الثقافة موقف.
والكاتب الحقيقي لا تصنعه التطبيقات… بل تصنعه التجربة، والحرية، والوجع، والصدق.