30/12/2015
في كل عيد رأس سنة جديدة , إعتاد رافد , والبالغ من العمر 27 عاماً, أن يقيم حفلا او كما يسميه هو إحتفالاً بسيطاً . لا يدعو فيه احد من العائلتين , يقتصر الحفل عليه وزوجتهُ التي تزوجها بعد علاقة حب كفاحية , فهي كانت من منطقة برجوازية في بغداد وهو من منطقة متوسطة الطبقة في البصرة , وبعد علاقة حب مريرة تزوجا.
وفي اخر حفلتين , جاء لهما ضيف جديد يشاركهما احتفالهما وهي سارا " إبنته الوحيدة " ذات العيون البصراوية الكاحلة السوداء والبياض البغدادي الجذاب . كانت سارا ضيفة مؤدبة في عامها الاول .
تغمره البهجة عندما يرى انعكاس الاضواء في عينيها فتظهر كاللؤلؤ الاسود . فرح " زوجة رافد" تنظر بسعادة هادئة الى زوجها ذاك الشاب الذي لطالما كانت ترسم حياتها معه وسارا تلك الفتاة التي ملأت عليهما حياتهما بكل زهو وحب.
ينتهي الاحتفال بساعات متأخرة من الليل بعد ان يعطي كل منهما هديته للآخر وفي كل عام يرددون " انت اعظم هدية أُعطيت لي ولن أفرط بها ابداً ما حييت " ويختمون ليلتهم بكلمة لعامهم الجديد " يا عامنا الجديد ويا شوطاً اخر من حياتنا سنقضيه , كن عاماً رأوفاً علينا بأوقات حزنك وجزيلاً علينا بفرحك إجعل ايامك علينا راحة " ولدى فرح امنيتها الخاصة في كل عام تكررها مخاطبةً ايامها القادمة " لا تحرميني من أعز ما أملك فيكِ " وبهذه الكلمات ينتهي الاحتفال في كل عام .
كذلك مر العام الثاني مع سارا التي دخلت في سنتها الثانية من العمر وفي هذه السنة بدأت تنطق سارا بحروفها مرددتاً " بابا " فيحملها رافد بكل حب طالباً تكرار ما تقول , و تردد "ماما" فتأخذها فرح بإبتسامة دافئة , وينقضي هذا الاحتفال كسابقه.
اليوم2015/12/30
لم يبقى سوى يوم واحد على حلول العام الجديد ولكن هذا العام مختلف , ليس كسابقه !!
هذا العام إستبدلت فرح سعادتها المعتادة بالحزن وبهجتها المألوفة بالهم والتكأب, منذ ثلاثة اشهر وهي على هذا الحال .
لم يبق سوى يوم واحد ورافد ليس موجود .
لم يبق سوى يوم واحد وسارا وحيدة دون أب .
لم يبق سوى يوم واحد ورافد لن يقيم الاحتفال الدوري .
مر على اخر لقاء بينهما خمسة ايام ومائة حيث خرج مودعاً اياها في ذلك اليوم , سارا وعلى غير عادتها أمسكت بقدمه ومنعته من الخروج بصراخ طفلٍ بريء ودموع حزنٍ مستقبلية وكأنها كانت تعلم انه اللقاء الاخير.
قبل ثلاثة اشهر , وتحديدا في السابع من شهر سبتمبر وبعد انقطاع اخبار رافد فترة ما يقارب الخمسة عشر يوما, طُرقت باب الدار , خرج ابا رافد لفتحها , وإذا به سامي " صديق رافد وجاره في البيت المجاور لبيته " حاملاً وبإصرار منه على ذلك " رغم ان رفاقه طلبوا منه ان يأتون معه " على كتفه الأيمن جثة رجل قتيل , ارعب الموقف والد رافد , قلبه تسارعت دقاته حتى سبقت انفاسه بكثير, غرقت عيناه بالدموع متماسكاً , انزل الجثة على الارض . انه رافد , هو رافد وصدره الغارق بالدماء المتيبسة عليه , هدوء سكن المكان في ذلك الوقت .
خرجت سارا "كعادتها تمشي خلف جدها" تتفقده , رأت والدها على الارض وبهذه الصورة المدمية صرخت بصوت عال "بابا.. بابا " ببكاءٍ رمت جسدها عليه . سمعت فرح بكاء سارا هلعت الى الباب رأت رافد على الارض , نعم رافد الذي كان يلون حياتها بالحب والطمأنينة , رافد الذي كانت لا تنام الا على كتفه بكلماتِ غزلٍ بصراوية وبلهجته الخاصة .
هاهو رافد ممددٌ على الارض امامها. لم تستطع الحراك لم تستطع الصراخ وقفت مصدومة ودموع عينيها تجري كأمطار شتاء العراق بغزارتها المفاجئة.
ها هي تلك العينين يارافد جاحضات مترهلات من ليالي سهرها الباكي بعدك , ها هي فرحك رافد لا تأنف تترك الاسود , تلتزم تلك الغرفة التي كانت تضمكما, تطمر جسدها بملابسك, تستنشق عطر ملابسك والحزن يملأ قلبها الدامي .
وسارا التي تركتها , هي الان في الثالثة , اصبحت تنطق الحروف بصورة جميلة لكنها تفتقدك تريد هديتها المعتادة تريد احتفالها . لم تركتها؟ كانت ضيفةً مؤدبة . تشتاق يديك , تشتاق صوتك عندما تطلب منها ترديد كلمة " بابا" , لقد اصبحت تنطقها بكل لطافة تريد ان تسمعك اياها لا يكفيها ان تنادي صورك بها .
لكن ما يفرحني يا رافد هو فرح وكلماتها التي ترددها بعد كل نوبة من الدموع , فهي تقول متفاخرة " رافد ذهب لشيء عظيم اعظم منا جميعاً , هو وجد طريق الخلود , هنيأً له" .
ستتغاضى فرح عن الاحتفالات القادمة جميعها فلن تجد فيها جدوى ولا نكهة من دونك .
تواسي نفسها مرددة للجميع ولـ سارا ولها , هي ليست الوحيدة التي فقدت اعز انسان لها هذا العام وسارا ليست الطفلة الوحيدة التي ستكبر دون أباها , و ليست الوحيدة التي لن تتسلم هدية هذا العام من والدها .
*القصة خيالية , الموضوع حقيقي .