06/07/2025
"ابتدينا" أو رحلة أورفيوس الناجحة
بقلم الناقد الفني : عبدالله ازار
في سن وفي مرحلة يلعب فيها الكل على المضمون، يتريثون أو يعتزلون بشكل غير رسمي، وفي وقت يشعر المنافسون بارتياح غير مكتمل (ارتياح الغزال من مطاردة الأسد للحظات عابرة)، قرر الفنان عمرو دياب النزول بكل ثقله بألبوم بعنوان "ابتدينا" وكأنها رسالة واضحة للجميع أن طائر الفينيق (كما وصفته في مقالات سابقة) دائما ما يبدأ من جديد. مشوار لم ينتهي لكن يبدأ.. من جديد. هي رسالة تحفيزية كذلك؛ أن الحياة تستمر وأن كل شيء ممكن وفي أي وقت.
المكان والزمان والأشخاص
منذ مدة، وفي حفل موسيقي، صرح الهضبة أنه أراد العودة للماضي فرأى أن العالم تغير. هي عبارة عفوية بعمق. لكن عمرو دياب فعلا وكما ذكر الشاعر الفرنسي دي نيرفال في نسخته لأسطورة أورفيوس قد قطع نهر العويل (أشيرون) ذهابا وإيابا بنجاح. بالفعل عمرو دياب نجح في عودته المليئة بالمخاطر للماضي. مخاطر التكرار، مخاطر التقليد، مخاطر الاستلهام، مخاطر الرتابة، مخاطر استنزاف الذات.
الإستعانة بفريق عمل غطى تقريبا مرحلة كاملة بدأت من 2000 للآن، لم يكن إعتباطيا. ولعل عودة الملحن عمرو مصطفى خير دليل على ذلك (هنا الهضبة يعطينا درسا آخر في النجاح والحياة، حين لا يخلط بين الشخصي والمهني؛ فمادمت ستفيدني في عملي فلامجال للشخصنة والحسابات الضيقة أو كما قال مايكل كورليوني : it’s not personal, it’s strictly business.) فالهضبة اختار العمل مع شعراء نجاحات الماضي : بهاء الدين محمد، تامر حسين، أمير طعيمة، أيمن بهجت قمر وكذلك شعراء المرحلة الديابية الحديثة عزيز الشافعي ومحمد القياتي و مصطفى حدوته مع تعاونات جديدة تماما مع منة القيعي وملاك عادل. أما بالنسبة للملحنين فستجدون نجوما من كل مرحلة دياببة : عمرو مصطفى ووليد سعد ومحمد يحي (نهايات مرحلة عالم الفن وبداية مرحلة روتانا) إسلام زكي وشادي حسن (نهاية مرحلة روتانا) وعزيز الشافعي (منتصف مرحلة ناي) مع لحنين شخصيين لعمرو دياب نفسه (واحد منهما مشترك مع الموزع أحمد إبراهيم).أما التوزيع فهو كذلك شهد مشاركة متنوعة من مراحل مختلفة : عادل حقي وأسامة الهندي ثم أحمد إبراهيم ووسام عبدالمنعم وتوما و شريف فهمي (الثلاثة بتوزيع وحيد لكل واحد).
هذه العودة جعلت الهضبة يزور من جديد أعماله السابقة. فالموسيقى كما نعلم لم تعد تعطينا مستجدات صارخة كما في الماضي. وكل مانسمعه الآن هو فروع لأشكال موسيقية موجودة سلفا أو تطوير لها فقط. وهذا ينعكس كذلك على الموسيقى العربية.
"أجنبية طيب ولا إيه دي خلطة"
جاءت "خطفوني" كتطوير لموسيقى الlaïko اليونانية التي قدمها الهضبة في عدة أغان من ضمنها "أنا غير". هذه المرة قدمها بالاستعانة بالRap. كديو مع ابنته جانا في ثاني تعاون لهما بعد "جميلة" بالإضافة لضيف أدى مقطع الراب. وهي طريقة أخرى لتطوير نوع ما بإدخال أشكال جديدة عليه.
"يالا" هو تطور جديد لموسيقى الDancehall و إيقاع ال diwali riddim الذي استخدمه سابقا في "ليلي نهاري". لكن هذه المرة اتبع نمطا موسيقيا حديثا هو أحد فروع الدانسول يسمى الShatta. وجاء مناسبا لحالة البهجة والرقص في الأغنية التي تعاون فيها مع ابنه عبدالله. وتم إدخال فاصل كمنجة مستوحى من الموسيقى الهندية.
"مليش بديل" نسخة مطورة لتجارب عمرو دياب السابقة في "صدقني خلاص" و"كل حياتي" و الRomantic ballad مع الClassical crossover. بجملة الوتريات والجيتار والدرامز في بناء درامي للموسيقى يناسب شاعرية الأغنية.
"ارجعلها" هي جملة تجارب الهضبة مع موسيقى الروك. أدوات الروك التقليدية مع مؤثرات سانث أعطتها طابع نوستالجيا يذكرنا بالروك الكلاسيكي أيام التسعينات والثمانينات. لكن تم إدخال البيانو على طريقة الAlternative Rock التي نسمعها عند مجموعات ك كولدبلاي مثلا. بناء الأغنية جاء كذلك على شاكلة الpower ballad، عند الوصول إلى ذروة الأغنية مع فاصل الإلكتريك جيتار وقوة الدرامز.
"دايما فاكر" وموسيقى الAfrobeat. طبعا هو نوع جديد على الهضبة لكن يذكرنا بتجارب سابقة احتوت على تأثير الموسيقى الAfro ك"هي حياتي" مثلا. وقد تم إدخال اللمسة الديابية بميلودي الجيتار. ويذكر أن هذا النوع الموسيقي شهد عودة قوية مؤخرا وسمعناه في هيتات عالمية ك Calm Down. فقد كانت مسألة وقت قبل أن يستخدمه الهضبة أخيرا.
"شايف قمر" وهي من سلسلة نجاحات أخيرة شهدت رجوع عمرو دياب للفلامنكو، بدأها ب "زي مانتي" ثم "ماتتعوضش". أغنية Rumba Flamenca.
"ابتدينا" أغنية الألبوم. لم تحصل على مكانة هيد الألبوم. لكن عنوانها وموسيقاها شفعت لها أن تحمل إسم الألبوم. هي نموذج من الخلطة السحرية التي تكلم عنها كوبليه "رايقة". فهي مثال حي عن موسيقى البحر الأبيض المتوسط. فيتعذر تصنيفها كموسيقى فلامنكو عادية أو حتى نيو فلامنكو. استخدام البزق والسبانيش جيتار وأدوات الفلامنكو من تصفيق و وأصوات الراقصين في الأخير، بالإضافة إلى مؤثرات إلكترونية وأكورديون جعلها أقرب لفرع آخر من الفلامنكو هو Rumba Catalan يعتمد على أصول مز الموسيقى الكوبية. لكن تم تقديمها بطريقة عصرية.
"حبيبتي ملاك" العجيبة الغريبة. كان بطلها الأكورديون على طريقة الBal musette؛ شكل موسيقي سمعناه مثلا في "باين حبيت" النسخة الديابية، بل إن الأغنية ككل مستوحاة من الأغاني الفرنسية التقليديةvariété française. لكن الأغنية اكتست طابع الLatin pop عند دخول الإيقاع. لترجع بعدها للهدوء مع لمحات الجيتار والأكورديون ودخول البيانو كذلك.
"بابا" هي الرجوع لموسيقى الDancehall التي بدأ الهضبة معها منذ ألبوم "ليلي نهاري". هنا سيطوع إيقاعا عالميا مستخدما في الكثير من الأغاني الhits، يسمى Applause riddim. ولكن هنا سنرجع للخلطة. إيقاع من مناطق أخرى يطوع ليكون أرضية لموسيقى محلية صعيدية بالطبول والمزامير والربابة في دمج مذهل وجديد تماما. وهنا كتوضيح بسيط فإن كثيرا من الإيقاعات الخاصة بالدانسهول يعاد استعمالها في أنحاء العالم كما هو الحال بالنسبة للمقسوم مثلا.
"خبر أبيض" هي حاملة مشعل الEDM في الألبوم وتعد موسيقى حديثة جدا وهي تطور لتجارب الهاوس والتكنو والترانس التي خاضها الهضبة سابقا. هنا حصلنا على نوع حديث هو Melodic Techno. وهو نمط تكنو متأثر بالترانس جديد يتصاعد نجمه سنة تلو الأخرى.
"إشارات" هي جملة تجارب موسيقية سمعناها في أغان منفردة ك"والله أبدا" و"لو بتحب". فقد جمعت موسيقى الSynthwave التي رجعت بقوة مؤخرا بجوها الغامض المستوحى من أفلام الخيال العلمي القديمة مع موسيقى الRaga الهندية باستخدام آلة السيتار. موسيقى psychedelic بجوها المهيب تحولت إلى موسيقى روحية. حتى عنوانها يعكس هذا الجو الغامض. "إشارات وصلتلي"! "وأكيد فيها إن". بالفعل الهضبة مع فريق عمله لا يترك مجالا للصدف.
وبالحديث عن التفاصيل سنجد أن "إشارات" هي الأغنية الوحيدة في الألبوم التي تنتهي بالfade out. وهذا مفهوم لأن الألبوم يحمل عنوان "ابتدينا" فكيف ينتهي بقفلة تامة إذا كان يعد بتتمة.
"يابخته" و "ماتقلقش" و "هلونهم" و"قفلتي اللعبة". الرباعي الشرقي في الألبوم. هم كذلك خلاصة تجارب ديابية قديمة وجديدة. لكن لكل واحدة مميزاتها.
- يابخته : الأغنية الشرقي المبنية على المقسوم بتمبو سريع وبدون أنترو؛ دخول مباشر وطبلة تتراقص وفواصل أكورديون.
- هلونهم : تعود بنا ل"وهي عاملة إيه" بإيقاعها النوبي وحضور البزق والجيتار ولكن بطريقة مختلفة جمعت الفلكلور المصري مع البوب والأربسك التركي.
- ماتقلقش : الأغنية الطربية المعاصرة التي تعودنا على حضورها في كل ألبوم منذ بداية مرحلة "ناي".
- قفلتي اللعبة : وهو الشكل الموسيقي الشرقي الذي أطلقت عليه سابقا تسمية New Jeel، كتطوير لموسيقى الجيل التي سمعناها في الثمانينات. وهذه ليست أول تجربة للهضبة طبعا بل بدأت منذ سنوات مع "يوم تلات".
"القافية ليست سوى أَمَة وعليها أن تطيع" (بوالو)
الهضبة اختار مواضيع مختلفة في ألبومه. فمع أغاني البهجة والغزل في "خطفوني" و "يالا" "دايما فاكر" "ابتدينا" و "يابخته" "وقفلتي اللعبة" و "خبر أبيض" التي بعضها ناسب جو الأغنية والموسيقى وغيرها ضمن البحث عن المصطلحات الجديدة. نجد كذلك أغاني ك "مليش بديل" وهي المقابل الإيجابي ل"هيعيش يفتكرني" بحيث تلوح في الأفق فكرة الرجوع. "ارجعلها" التي تلمس موضوعا جديدا عند الهضبة، وهو جدوى الابتعاد والصمت العقابي الذي قد يعود الحبيبة على الغياب وينقلب سلبا على الحبيب. "شايف قمر" و"حبيبتي ملاك" وقمم من الغزل والشاعرية. "ماتقلقش" التي ستكون أيقونة عند المستمعات كجواب لأي حبيب متردد أو نكدي. "إشارت" التي كما قلت حافظت على جو الغموض في الأغنية. "هلونهم" الجديدة؛ فبعد قرون من نزول قصيدة للشاعر الفرنسي رامبو وهو يلون الحروف، هنا سنلون المعارف على حسب أذاهم. وأخيرا "بابا" التي هي كذلك واكبت كلماتها الجو الفلكلوري.
"كانوا جميعا في حيرة من أمرهم" (زوسكيند)
كان هناك رفع لسقف التوقعات قبل نزول الألبوم. لكن ماحصل بعد سماع هذا العمل الفني كان شيئا آخر تماما. فالمستمع دخل في حالة ذهول غريبة ! طريقة عمرو دياب في الغناء ذكرتهم بأشياء غناها سابقا لكنهم لم يجزموا أبدا أين. ألحان نوستالجيا قربت اللحن للحنين، موسيقى جديدة لكنها ديابية تماما. وكأنهم دخلوا فجأة تحت "تأثير مانديلا".