10/12/2025
((حين مرّ الجيش العثماني بديارنا: حكاية استقباله في مضيف الشيخ سالم الحمادي عام ١٩١٦ في زمن مضطرب تصنع فيه الضيافة وجه التاريخ))
على مرّ السنين، بقيت بعض الجلسات القليلة مع والدي الشيخ عبدالله السالم رحمه الله عالقة في ذاكرتي أكثر من غيرها؛ ليس لأنها كانت طويلة أو مختلفة، بل لأنها كانت تمسّ شيئًا في داخلي لا تستطيع الأيام أن تمحوه.
كنت أجلس بقربه أحيانًا من دون قصدٍ لحديثٍ معيّن، فيفاجئني بذكريات من زمنٍ بعيد، ذكريات عاشها بنفسه أو حملها عن آبائه، لكنها تصل إليّ بنفس الدفء ونفس الصدق الذي خرجت منه أول مرة.
من بين كل ما رواه لي، ظلّ حديثه عن مرور الجيش العثماني في منطقة الدورة متجهًا نحو الكوت يحتل مكانًا خاصًا في قلبي.
لم تكن القصة حدثًا عابرًا في تاريخ العراق، بل صفحة تتصل مباشرة بجذورنا نحن؛ بجذور جبور/البوخطاب، وبالرجال الذين وقفوا يومها موقفًا ما زال يُحكى في المجالس حتى اليوم.
كان والدي الشيخ عبدالله السالم رحمه الله يسرد الحكاية بهدوء، وكأنه يعيد ترتيب الزمن أمامي، فأرى الطريق كما كانت، وأسمع وقع الخيل، وأشهد كيف استقبل أجدادنا الجيش بكل ما تحمل الكلمة من معنى للضيافة والرجولة.
ما كان يشدّني في حديثه ليس تفاصيل الحرب، بل بساطة الموقف وإنسانيته، وكيف استطاع رجال تلك الأيام أن يجعلوا من لحظة صعبة حدثًا تستحق أن تُروى، لا لأنها عظيمة في ظاهرها، بل لأن القيم التي حملتها أكبر من أي معركة.
كنت أشعر كل مرة أنه لا يحدّثني عن تاريخٍ بعيد، بل عن إرثٍ يقع على كتفيّ كما وقع على أكتاف من سبقونا.
ولأن تلك القصة لم تكن مجرد ذكرى، بل جزءًا من هويةٍ نعيش بها ونستمد منها الكثير، وجدتُ من المهم أن أدوّنها كما سمعتها، وأن أنقلها كما عبرت من جيلٍ إلى جيل، دون زيادة أو نقصان.
ومن هنا… تبدأ الحكاية التي رواها لي والدي.
● يقول: والدي الشيخ عبدالله السالم الحمادي رحمه الله. (والحديث له ).
كان ذلك في تشرين الأول من عام ١٩١٦ حين كانت أرض العراق تئن تحت وطأة الحرب العالمية الأولى، وكانت مدافع العثمانيين والبريطانيين تدوّي حول مدينة الكوت، أو "كوت العمارة" كما كانت تسمى.
كانت المعركة امتداداً لتقدم البريطانيين من البصرة التي احتلوها عام ١٩١٤ نحو بغداد.
وكان قائد الجيش العثماني، خليل باشا، يحشد قواته في بغداد لتقديم الدعم، قاصداً ساحة المعركة سالكاً الطريق المحاذي لنهر دجلة ماراً بمنطقة الدورة.
وفي الدورة، حيث كان مضيف والدي الشيخ سالم الحمادي شامخاً على الضفة اليمنى لنهر دجلة، أظلّتنا سماء ذلك اليوم بسحابة غبار هائلة.
لم تكن سحابة عادية، بل كانت زوابع تثيرها خطوات جيش بكامله، يقوده خليل باشا بنفسه، باتجاه المعركة.
وكان عددهم يقارب ٢٥٠٠٠ ألف مقاتل، وهو عدد هائل لم تشهده المنطقة من قبل في زيارة واحدة.
كان المضيف، الذي بناه والدي عام ١٩٠٠ يشهد محطة تاريخية، حيث تحوّل بستان النخيل المحيط به ومعالمه - من "المضيف" و"الطرمة" - إلى ملاذ لجنود متعبين، يستعدون لخوض غمار حرب طاحنة.
كانت النخيل حول المضيف، في عمر يقارب ١٢ سنة، (نشوي) وكان موسم جني التمور قد حان.
لم يتردد والدي الشيخ سالم الحمادي رحمه الله لحظة، بتوجيه رجال قبيلة البوخطاب للحضور الى المضيف فأمر بجمع ثمار التمر كافة من تلك النخيل، "احصدوا كل التمر من النخيل". كانت الأوامر واضحة: الضيف قبل كل شيء.
أرسل والدي رجاله من قبيلة جبور/ البوخطاب إلى جميع مناطق بغداد لشراء وجمع الخبز من كل مخبز وبائع، حتى لا يبقى جندي واحد بغير رغيف.
وذُبحت الذبائح، واشتعلت النيران تحت قدور الطعام، حتى امتلأ المضيف و"الطرمة" - المجلس الصيفي للضيوف - برائحة الكرم التي طغت على رائحة البارود القادمة من جبهة القتال.
وبعد أن أكل الجيش وشرب،جهزهم والدي الشيخ سالم الحمادي رحمه الله بما يحتاجون لطريقهم من تمر وخبز ومتاع السفر.
لكن تلك الحادثة الطارئة أثارت في نفسه فكرة أعمق.
فقد أدرك أن استقبال مثل هذه الأعداد الكبيرة في الأوقات العصيبة يتطلب استعداداً يفوق كرم القلب ففكر، بحكمته، في جلب مدار (طاحونة) حقيقية من محافظة نينوى، موطن المطاحن العريقة، ونصبها داخل القلعة نفسها.
لقد أراد أن يحول (المضيف) من ملاذ للضيافة في أوقات السلم، إلى حصن للاكتفاء والعون في أوقات الشدة والحرب، لتفادي أي عجز في المستقبل.
لقد حول تحدّي إطعام جيش إلى مشروع دائم للبقاء والعطاء.
ومن المهم أن نعرف أن هذا الجيش الذي استضفناهم ذهب ليصنع تاريخًا.
فقد انتهى حصار الكوت باستسلام الجيش البريطاني بأكمله، الذي بلغ عدده ١٣٠٠٠ ألف جندي، للقوات العثمانية.
وصف المؤرخ البريطاني جيمس موريس ذلك الاستسلام بأنه "الأكثر إذلالاً في التاريخ العسكري البريطاني". وكان خليل باشا قد كتب وقتها أن "التاريخ سيواجه صعوبة في إيجاد كلمات لتسجيل هذا الحادث".
اقول:
● هذه الحكاية لم تكن مجرد قصة رواها لي والدي عبدالله السالم رحمه الله، بل صفحة كاملة من تاريخ عائلتنا، صفحة كتبتها المواقف قبل أن تكتبها الذاكرة، ودوّنها الرجال بأفعالهم قبل أن تدوّنها الكلمات.
هي شهادة على زمنٍ كانت فيه المروءة ميزان الرجولة، وكانت التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق بين من يقف موقف الشرف ومن يمرّ مرور العابرين.
وحين كان والدي الشيخ عبدالله السالم الحمادي يسردها لي، لم يكن يحدّثني عن تاريخ بعيد فحسب، بل كان يسلّمني أمانة، ويضع بين يديّ ما يشبه الجمر؛ جمر المسؤولية أمام إرث لم نصنعه، لكنه صُنع من أجلنا.
كنت أشعر وهو يتكلم أنّ أصوات أولئك الرجال ما زالت تتردد في طرقات الدورة، وأن وقع أقدام الجيش العثماني الذي مرّ يومها لا يزال محفورًا في ذاكرة الأرض، وأن ظلّ الشيخ سالم الحمادي – رحمه الله – ما زال قائمًا فوق المضيف، ثابتًا كالطود، كريمًا كما عرفه الناس.
اليوم، وأنا أكتب هذه السطور، أشعر أنّني لا أسجل حادثة تاريخية فحسب، بل أعيد وصل ما انقطع من صورةٍ تشبه جذور نخلةٍ ضاربة في الأرض.
أكتبها لأجل من سيأتي بعدنا، ليدرك أنّ الرجال لا يُقاسون بكثرة ما يملكون، بل بما يقدّمونه حين يطرق الضيف بابهم، وبما تصنعه أيديهم حين تُختبر معادنهم.
ولعل هذه الحكاية، بما فيها من عفوية وضيافة ووقفة رجال، ليست سوى مثال واحد من أمثلة كثيرة عاشتها قبيلتنا، لكنها تبقى شاهدةً على أنّ الكرم ليس عادة نمارسها، بل هوية نحملها، وأن اسم جبور/البوخطاب لم يعلُ من فراغ، بل من مواقف كهذه، وقف فيها الأجداد بوجوهٍ مضيئة، وبقلوب لا تعرف إلا فعل الخير.
وهكذا…
تبقى القصة حيّة، ما دامت تُروى، وما دام فينا من يكتبها ويذكر بها، لتظلّ جزءًا منّا ومن تاريخ هذه الأرض التي لا تنسى أبناءها.
كتبها :
الشيخ / أحمد عبدالله السالم الحمادي الجبوري