19/08/2026
✍️ دائرة قاضي القضاة.. نسبة الطلاق مرتفعة.. ماذا تفعلون؟!..
يبدو أن أرقام الطلاق في الأردن أصبحت مخيفة فعلاً.. وكلما ظهرت إحصائية جديدة.. سارع البعض إلى القول إن المجتمع الأردني يتجه نحو التفكك.. وإن الزواج لم يعد كما كان.. وإن نسب الطلاق ترتفع عاماً بعد عام.. حتى أصبحنا نحن أيضاً.. وربما من حيث لا نشعر.. نردد ما نسمعه ونراه.. وكأن الأرقام لا تحتاج إلى أكثر من قراءتها حتى نفهم حقيقتها.. والأرقام التي تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي تبدو بالفعل صادمة.. حتى يكاد القارئ يقتنع بأن من كل ثلاثة.. أو أربعة زيجات في الأردن.. زواجاً ينتهي بالطلاق..
لكن.. قبل أن نسأل دائرة قاضي القضاة.. ماذا تفعلون؟!.. وهل أنتم تدركون هذا الخطر؟!.. وهل أنتم السبب في ذلك؟!..
علينا أن نسأل أنفسنا أولاً.. ماذا تقول هذه الأرقام فعلاً؟!.. وهل نقرأها بشكل صحيح؟!..
عندما تقول الإحصاءات الرسمية.. إن الأردن سجل في عام 2024 -وهي آخر نشرة رسمية صادرة عن دائرة قاضي القضاة- 19,106 حالة طلاق حسب حجج رسمية.. فهذا لا يعني أن هذه الحالات تخص الزيجات التي تمت في عام 2024.. فالطلاق الذي وقع في ذلك العام.. قد يكون لزواج مضى عليه أشهر.. أو خمسة أعوام.. أو عشرة أعوام.. بل قد يكون لزواج مضى عليه عشرات الأعوام..
أما عدد عقود الزواج المسجلة في عام 2024 فبلغ 62,970 عقداً.. والمفاجأة أن حالات الطلاق التي وقعت في عام 2024 وكان زواج أصحابها قد تم في العام نفسه.. لم تتجاوز 3,654 حالة.. أي ما نسبته 5.8% من عقود الزواج في ذلك العام.. وليس 30% كما قد يوحي لنا جمع رقم الطلاق السنوي.. وقسمته على عدد الزيجات السنوية..
أما معدل الطلاق الرسمي.. فقد بلغ 1.6 حالة طلاق لكل ألف من السكان في كل من 2024 و2023.. وهو ما تسميه دائرة الإحصاءات معدل الطلاق الخام.. وهو من أقل النسب عالمياً..
وبمعنى أبسط.. لا يجوز أن نأخذ طلاقاً وقع اليوم.. لزوجين تزوجا قبل عشر سنوات.. ثم نضعه في مواجهة زواج عُقد اليوم.. ونقول إن أحدهما من نتائج الآخر.. هذا خطأ في قراءة الرقم.. قبل أن يكون خطأ في الحساب..
وهنا أعتقد.. أن علينا أن نتوقف قليلاً.. ليس دفاعاً عن الطلاق.. ولا إنكاراً لوجود مشكلة أسرية حقيقية في بعض البيوت.. وإنما دفاعاً عن الحقيقة نفسها.. فالأرقام لا يجوز أن تتحول إلى عناوين مخيفة.. لمجرد أننا لم نفهم ماذا تقيس..
والأجمل أن دائرة قاضي القضاة لا تقف عند توثيق الطلاق بعد وقوعه.. وتنفيذ بنود عقد الزواج.. بل تعمل قبل الوصول إليه من خلال مكاتب الإصلاح والوساطة والتوفيق الأسري.. التي أنشئت أصلاً لمحاولة إنهاء الخلاف بالطرق الودية.. وحماية الأسرة من الوصول إلى التقاضي ما أمكن.. وإذا تعذر الصلح.. تعمل على الوصول إلى اتفاق يحفظ الحقوق والواجبات.. ويقلل من مرارة الخصومة..
وفي عام 2024 أعلنت الدائرة.. أن مكاتب الإصلاح الأسري.. سجلت نحو 39 ألف حالة حُولت إلى اتفاقات رضائية دون تقاضٍ.. إلى جانب نحو 9 آلاف حالة صلح.. وهي أرقام تقول إن هناك جهداً حقيقياً يبذل.. قبل أن يصل الخلاف إلى قاعة المحكمة..
بل إن سماحة قاضي القضاة أعلن.. أن برنامج الإصلاح والوساطة والتوفيق الأسري.. مكّن من عدم وصول نحو 40% من الحالات إلى المحاكم.. بعد التعامل معها من خلال الإصلاح.. أو الاتفاقات الرضائية.. وهو ما يعني أن شعار (التراضي قبل التقاضي) ليس مجرد عبارة جميلة.. بل مسار عملي لحماية ما يمكن إنقاذه من البيوت..
لذلك.. نعم.. الطلاق موجود.. ونعم.. كل بيت يُهدم يستحق أن نسأل لماذا هُدم.. لكن قبل أن نرعب المجتمع بالأرقام.. علينا أولاً أن نفهمها..
فالرقم الذي لا نفهمه.. قد يكون أخطر من الرقم الذي نخاف منه..
ولنا وقفات مهنية محايدة -إن بقي في العمر بقية- مع الكثير من القضايا التي تُنشر.. فنقبلها أحياناً كما تُقدم لنا.. ونبني عليها مواقف وأحكاماً.. قبل أن نتوقف لنسأل عن الرقم.. وعن مصدره.. وعن دلالته الحقيقية.. وما أكتبه هنا.. ليس دفاعاً عن جهة.. ولا هجوماً على جهة.. وإنما محاولة لوضع الحقيقة في مكانها.. كما هي.. لا كما نحب أن تكون.. وأشهد الله أن لا مأرب لي في ذلك.. إلا نشر الحقيقة كما أراها موثقة ومجردة.. رضي بها من رضي.. وأنكرها من أنكرها..
محمود الدباس - أبو الليث..
#الطلاق
#الاردن