13/02/2012
أين البرنامج الوطني للتنمية الإقتصادية؟
بقلم ماجد منيمنة
بعد سنة على تأليف حكومة «اللون الواحد» حصل ما كان متوقعاً, فقد علت أصوات الحاضرين خلال إحدى جلساتها التي انعقدت في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وذلك خلافاً على التعيينات. هذه الحكومة التي وُلدت بمخاض عسير، وهي تسير بين الألغام، ربما بدأت بالتفكّك من الداخل, فرئيسها على ما يبدو سئم الإملاءات العونية. أما رئيس الجمهورية فإنه يسعى، قدر المستطاع، للعب دوره الوطني الجامع, وأما الوزراء المنقسمون فهم يبوحون بآراء رؤسائهم، وهم على تواصل معهم خلال جلسات مجلس الوزراء بواسطة هواتفهم الخلوية لأخذ موافقتهم والوقوف على آرائهم التي ترجّح فوز هذا الوزير بهذا المشروع أو وضع العصا في الدواليب ونصب الأفخاخ أمام المشاريع الإنمائية التي يتقدّم بها رئيس الوزراء. وفي التفاصيل أنه حين همّ الرئيس سليمان بطرح بند التعيينات المتعلقة بهيئات الرقابة التابعة لرئاسة الحكومة, رفع الوزير جبران باسيل يده معترضاً، ومعلناً أن هذه التعيينات تحتاج إلى تصويت ثلثي المجلس, فأجابه ميقاتي قائلاً: «انتو عطول بتعترضوا على العرقلة بينما انتو يللي عم بتعرقلو!». وإذ حظي ميقاتي بمساندة الرئيس سليمان, فغادر باسيل الجلسة, وسرعان ما قام الوزير شربل نحاس باللحاق به. وهنا طلب ميقاتي فض الجلسة. وكانت المعلومات التي وردت إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أفادت بأن وزراء «التغيير والإصلاح»، وبدعوة من «التيار»، يهمّون بالتظاهر أمام السراي الحكومي, لتعطيل مهام هذه الأخيرة والضغط وابتزاز رئيس الحكومة بملفات حياتية.
إن ما حصل في مجلس الوزراء كان قراراً واضحاً بتعطيل عمل الجلسات، وجعلها من دون جدوى, والبعض لا يريد التعيينات ولا يريد حتى الانتاجية وهذه خطط موضوعة مسبقاً لإلغاء بروتوكول المحكمة الدولية المرتقب في الأول من آذار. كما أن هناك محاولة لفرض التعطيل في البلاد مما سوف ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني وإعادة ربط المصير اللبناني بما يحصل في سوريا.
والأسئلة التي تطرح نفسها هي: هل من أحد من هؤلاء السياسيين يخاف وقلبه على الاقتصاد الوطني؟ من يدعم البرنامج الوطني للتنمية الاقتصادية؟ ما هي الرؤية الاقتصادية التي يتعامل معها الوزراء في حال نشبت حرب أقليمية؟ هل يعلم الوزراء أن الاقتصاد هو من أهم مقومات الدولة، والركيزة الأساسية لموقعها الجيوستراتيجي وقوتها الداخلية في التحكم بسير قطاعات الدولة المختلفة، والتي توفر في الوقت نفسه قدرة فائقة على بناء العلاقات الخارجية مع دول العالم الخارجي؟.
والجواب الذي يجب أن يعرفه كل وزير عن ظهر قلب أن أهمية الاقتصاد في السياسة الخارجية هي في ما يوفّره من قدرات على جلب الاستثمارات المالية والعقارية والاقتصادية والتجارية, بالإضافة إلى جذب المساعدات الخارجية سواء أكانت مساعدات مالية مباشرة كتمويل للمشاريع المختلفة، أم رفد ميزانية الدولة بأموال مهمة تساعد في دعم قدرة الاقتصاد الوطني على الاستمرار ومواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة أو إعفاء الدولة من الديون الخارجية عبر الدول أو النوادي المالية والصناديق المالية الإقليمية والدولية.
إن العامل الاقتصادي في عالم اليوم له دور مهم ومؤثر في توجيه العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف بين الدول وتقاس قوة الدولة واستمراريتها بمدى قدرتها على بناء اقتصاد وتنمية مزدهرة ومستمرة، ولكن للأسف ان صانعي القرار السياسي اللبناني لم يضعوا نصب أعينهم العامل الاقتصادي، ولم يكثّفوا من نشاطهم في هذا السياق، ولم يتم العمل على التشريعات والقوانين التي تحمي الاقتصاد الوطني وتدعم استمراريته, واكتفت هذه الجهات بتفعيل المشاركات الخارجية سواء عبر المؤتمرات والملتقيات الاقتصادية التي تعقدها الهيئات والمؤسسات الرسمية ومشاركة كل وزير حسب منفعته وخدمة مصالحه الشخصية أو الجهة التي يمثلها.
إن صانعي القرار السياسي لم يقوموا حتى يومنا هذا بوضع استراتيجية تنموية واقتصادية تدعم السياسة الخارجية للدولة لشطب الديون الخارجية المتراكمة على لبنان وكذلك العمل على تعبئة القدرات المالية والاقليمية الدولية لصالح التنمية الاقتصادية في الوطن، وبالتالي خلق مناخ اقتصادي مهم ومستقر بين لبنان والدول المجاورة من جهة ودول العالم الخارجي من جهة أخرى.
إن الحركة الاقتصادية والمالية التي حققها لبنان في الفترة الحريرية، وفي السنوات الأخيرة قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري، كان لها دور مهم في تعزيز السياسة الخارجية وبناء علاقات خارجية مهمة تساعد على الحضور الإقليمي والدولي للبنان والمشاركة الفعلية في توجيه السياسة الإقليمية والدولية عبر حضور لبنان في أي مؤتمر أو قمة عربية أو دولية على مستوى الرؤساء أو وزراء الخارجية أو الأجهزة الرسمية المختصة الأخرى أو حضور الفاعليات التجارية الخارجية والانضمام للصناديق التنموية والاستثمارية والتنسيق مع مؤسسات التمويل والهيئات المالية الإقليمية والدولية.
فلا بد أن تحافظ الحكومة على هذه الإنجازات، وتضمن وجود شبكة من اللوائح والقوانين، وتنفيذ تلك اللوائح والقوانين بحذافيرها، لصالح اقتصاد الدولة. كما يجب على الحكومة أيضاً القيام بجباية الضرائب لدعم أنشطتها من كل الجهات ومن كل المناطق والمربعات الأمنية، وهو الأمر الذي يؤثر في المقابل في إحداث عوامل إيجابية في ميزانية الدولة وتفعيل صوابية صنع القرار الاقتصادي الموحد.
إذن فأول دور تلعبه الدولة في الاقتصاد هو حماية تطبيق القانون والنظام العام، واللذين بدونهما لا يمكن لاقتصاد السوق العمل والاستمرار, ذلك أن الدور الذي يلعبه وجود شبكة موثوق بها من القوانين هو الاساس في رفد المدخرات وضخها في ميزانية الدولة وصرفها بأمانة على كافة القطاعات لإحداث إنماء متوازن في الاقتصاد الوطني. فالدول التي تكون حكوماتها غير فعالة أو تسلطية أو فاسدة يمكن أن تظل فقيرة بالرغم من وفرة الموارد الطبيعية فيها، كما أن عدم رغبة المستثمرين الأجانب أو المحليين في المخاطرة باستثماراتهم الكبيرة المطلوبة لتطوير الموارد الطبيعية إلى منتجات تؤدي لزيادة رخاء تلك الدول. كما أن «تعطيل القانون» ونسف مؤسساته له تكاليفه الباهظة على الاقتصاد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن قدرة الجهاز السياسي على إحداث هذا «التعطيل» عادة ما يعني إيجاد فرصة لنشر الفساد وتكبير الفجوة في عدم اتباع النظم الإدارية الموسومة بالشفافية وتثبيت مفهوم الرشاوى في المؤسسات الرسمية والعامة وفتح الباب أمام المنتفعين.
ومن ناحية أخرى، يجب أن تكون القوانين محل احترام من الجميع، لتدعيم الأنشطة الاقتصادية والرخاء الاقتصادي الناتج عنها. أما إذا اختلف تطبيق القانون تبعاً لأهواء الحكّام المتسلطين، سواء مع التغييرات في الحكومات المنتخبة وبصورة غير ديمقراطية، أو مع جموح السياسيين أو فساد المسؤولين المعينين، فحينئذ سوف ترتفع المخاطر المحيطة بالاستثمارات، وبالتالي من المؤكد أن يتريث كل مستثمر في استثمار أمواله في بلد لا تحكمه القوانين وهو مفتوح على كل الاحتمالات غير الشرعية. أما في عدة أجزاء من العالم، يؤدي وجود إطار من القوانين التي تحظى بالاحترام لتشجيع كل من الاستثمار المحلي والأجنبي، بالإضافة لجذب المهاجرين ذوي الخبرات التي يندر وجودها محلياً. كما أن قيام الحكومة بفرض الأمن بين أفراد الشعب هي من الأمور الهامة والمطلوبة والجاذبة للاستثمار.
وإذا كان التغيير والعمل الديمقراطي هما أهم ما يميز المجتمعات المدنية المتقدمة, فإنهما يرتبطان بشكل رئيسي بالاستثمار وتراكم رأس المال. فالمجتمعات الصناعية هي مجتمعات تقدمية بمعنى أنها تنظر إلى المستقبل بالعمل على زيادة فرصها في المستقبل عن طريق الاستثمار، وهكذا فإن البرنامج الاقتصادي يقتضي دائماً الموازنة بين الحاضر والمستقبل, الأمر الذي يجعل الائتمان والتمويل بشكل عام من أهم خصائص هذا المجتمع. وبالتالي أصبح القرار الاقتصادي وضرورة الموازنة بين التكاليف والعوائد المتوقعة من طبيعة المجتمع المدني. فالحساب الاقتصادي الذي كان يتم بشكل غير واع بما تفرضه حكمة السنين من خلال العادات والتقاليد, قد أصبح قراراً واعياً خاضعاً لقواعد الرشادة الاقتصادية للاختيار والتنبوء عن الإمكانات المتاحة. وقد ارتبط هذا التطور بتأكيد واستقرار التخصص واقتصاد التبادل. ويرى بعض الاقتصاديين أن التاريخ الاقتصادي كله يمكن فهمه من خلال استعراض مقتضيات التوسع في اقتصاديات المبادلات, الأمر الذي تحقق بشكل كبير في المجتمع المدني المتقدم ولكنه لم يتحرك قيد أنملة في وطننا لبنان. ويهمنا هنا أن نشير إلى أن كفاية وقدرة الأفراد والمشاريع على التخصص والتبادل تتوقفان إلى حد بعيد على مدى القدرة على القيام بالبرنامج الاقتصادي السليم.
ومن هنا فإن توفير الشروط والأوضاع المناسبة لإجراء هذا البرنامج الاقتصادي يعتبر أمراً ضرورياً لتقدّم المجتمعات. وينبغي لإمكان إجراء هذا البرنامج الاقتصادي أن تتوافر مجموعة من الشروط الأساسية سواء من حيث توافر جو من الاستقرار في الإطار العام للنشاط الاقتصادي, أو من حيث وجود وحدات حساب مستقرة يتم على أساسها تقدير التكاليف والعوائد, أو من حيث استقرار العلاقات القانونية واحترام العقود والتعهدات.
وهنا يمكن القول إن دور الدولة يجب أن يكون أعلى من القطاع الخاص ليس من الناحية الفنية والأدائية بل كونه دور أخلاقي مناط بالدولة لتحقيق طموحات الأفراد في القضاء على الاستغلال والاحتكار! وهكذا تكون الحكومة قد بدأت بوضع أول مدماك لبرنامج وطني للتنمية الاقتصادية!.
--------------
* خبير مالي ومحلل اقتصادي.
* دكتوراه في المالية الدولية.