Al-Liwaa Newspaper

Al-Liwaa Newspaper محطة اقتصادية من لبنان الى العالم العربي و من العالم العربي الى القارئ اللبناني

13/02/2012

أين البرنامج الوطني للتنمية الإقتصادية؟

بقلم ماجد منيمنة

بعد سنة على تأليف حكومة «اللون الواحد» حصل ما كان متوقعاً, فقد علت أصوات الحاضرين خلال إحدى جلساتها التي انعقدت في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وذلك خلافاً على التعيينات. هذه الحكومة التي وُلدت بمخاض عسير، وهي تسير بين الألغام، ربما بدأت بالتفكّك من الداخل, فرئيسها على ما يبدو سئم الإملاءات العونية. أما رئيس الجمهورية فإنه يسعى، قدر المستطاع، للعب دوره الوطني الجامع, وأما الوزراء المنقسمون فهم يبوحون بآراء رؤسائهم، وهم على تواصل معهم خلال جلسات مجلس الوزراء بواسطة هواتفهم الخلوية لأخذ موافقتهم والوقوف على آرائهم التي ترجّح فوز هذا الوزير بهذا المشروع أو وضع العصا في الدواليب ونصب الأفخاخ أمام المشاريع الإنمائية التي يتقدّم بها رئيس الوزراء. وفي التفاصيل أنه حين همّ الرئيس سليمان بطرح بند التعيينات المتعلقة بهيئات الرقابة التابعة لرئاسة الحكومة, رفع الوزير جبران باسيل يده معترضاً، ومعلناً أن هذه التعيينات تحتاج إلى تصويت ثلثي المجلس, فأجابه ميقاتي قائلاً: «انتو عطول بتعترضوا على العرقلة بينما انتو يللي عم بتعرقلو!». وإذ حظي ميقاتي بمساندة الرئيس سليمان, فغادر باسيل الجلسة, وسرعان ما قام الوزير شربل نحاس باللحاق به. وهنا طلب ميقاتي فض الجلسة. وكانت المعلومات التي وردت إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أفادت بأن وزراء «التغيير والإصلاح»، وبدعوة من «التيار»، يهمّون بالتظاهر أمام السراي الحكومي, لتعطيل مهام هذه الأخيرة والضغط وابتزاز رئيس الحكومة بملفات حياتية.
إن ما حصل في مجلس الوزراء كان قراراً واضحاً بتعطيل عمل الجلسات، وجعلها من دون جدوى, والبعض لا يريد التعيينات ولا يريد حتى الانتاجية وهذه خطط موضوعة مسبقاً لإلغاء بروتوكول المحكمة الدولية المرتقب في الأول من آذار. كما أن هناك محاولة لفرض التعطيل في البلاد مما سوف ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني وإعادة ربط المصير اللبناني بما يحصل في سوريا.
والأسئلة التي تطرح نفسها هي: هل من أحد من هؤلاء السياسيين يخاف وقلبه على الاقتصاد الوطني؟ من يدعم البرنامج الوطني للتنمية الاقتصادية؟ ما هي الرؤية الاقتصادية التي يتعامل معها الوزراء في حال نشبت حرب أقليمية؟ هل يعلم الوزراء أن الاقتصاد هو من أهم مقومات الدولة، والركيزة الأساسية لموقعها الجيوستراتيجي وقوتها الداخلية في التحكم بسير قطاعات الدولة المختلفة، والتي توفر في الوقت نفسه قدرة فائقة على بناء العلاقات الخارجية مع دول العالم الخارجي؟.
والجواب الذي يجب أن يعرفه كل وزير عن ظهر قلب أن أهمية الاقتصاد في السياسة الخارجية هي في ما يوفّره من قدرات على جلب الاستثمارات المالية والعقارية والاقتصادية والتجارية, بالإضافة إلى جذب المساعدات الخارجية سواء أكانت مساعدات مالية مباشرة كتمويل للمشاريع المختلفة، أم رفد ميزانية الدولة بأموال مهمة تساعد في دعم قدرة الاقتصاد الوطني على الاستمرار ومواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة أو إعفاء الدولة من الديون الخارجية عبر الدول أو النوادي المالية والصناديق المالية الإقليمية والدولية.
إن العامل الاقتصادي في عالم اليوم له دور مهم ومؤثر في توجيه العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف بين الدول وتقاس قوة الدولة واستمراريتها بمدى قدرتها على بناء اقتصاد وتنمية مزدهرة ومستمرة، ولكن للأسف ان صانعي القرار السياسي اللبناني لم يضعوا نصب أعينهم العامل الاقتصادي، ولم يكثّفوا من نشاطهم في هذا السياق، ولم يتم العمل على التشريعات والقوانين التي تحمي الاقتصاد الوطني وتدعم استمراريته, واكتفت هذه الجهات بتفعيل المشاركات الخارجية سواء عبر المؤتمرات والملتقيات الاقتصادية التي تعقدها الهيئات والمؤسسات الرسمية ومشاركة كل وزير حسب منفعته وخدمة مصالحه الشخصية أو الجهة التي يمثلها.
إن صانعي القرار السياسي لم يقوموا حتى يومنا هذا بوضع استراتيجية تنموية واقتصادية تدعم السياسة الخارجية للدولة لشطب الديون الخارجية المتراكمة على لبنان وكذلك العمل على تعبئة القدرات المالية والاقليمية الدولية لصالح التنمية الاقتصادية في الوطن، وبالتالي خلق مناخ اقتصادي مهم ومستقر بين لبنان والدول المجاورة من جهة ودول العالم الخارجي من جهة أخرى.
إن الحركة الاقتصادية والمالية التي حققها لبنان في الفترة الحريرية، وفي السنوات الأخيرة قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري، كان لها دور مهم في تعزيز السياسة الخارجية وبناء علاقات خارجية مهمة تساعد على الحضور الإقليمي والدولي للبنان والمشاركة الفعلية في توجيه السياسة الإقليمية والدولية عبر حضور لبنان في أي مؤتمر أو قمة عربية أو دولية على مستوى الرؤساء أو وزراء الخارجية أو الأجهزة الرسمية المختصة الأخرى أو حضور الفاعليات التجارية الخارجية والانضمام للصناديق التنموية والاستثمارية والتنسيق مع مؤسسات التمويل والهيئات المالية الإقليمية والدولية.
فلا بد أن تحافظ الحكومة على هذه الإنجازات، وتضمن وجود شبكة من اللوائح والقوانين، وتنفيذ تلك اللوائح والقوانين بحذافيرها، لصالح اقتصاد الدولة. كما يجب على الحكومة أيضاً القيام بجباية الضرائب لدعم أنشطتها من كل الجهات ومن كل المناطق والمربعات الأمنية، وهو الأمر الذي يؤثر في المقابل في إحداث عوامل إيجابية في ميزانية الدولة وتفعيل صوابية صنع القرار الاقتصادي الموحد.
إذن فأول دور تلعبه الدولة في الاقتصاد هو حماية تطبيق القانون والنظام العام، واللذين بدونهما لا يمكن لاقتصاد السوق العمل والاستمرار, ذلك أن الدور الذي يلعبه وجود شبكة موثوق بها من القوانين هو الاساس في رفد المدخرات وضخها في ميزانية الدولة وصرفها بأمانة على كافة القطاعات لإحداث إنماء متوازن في الاقتصاد الوطني. فالدول التي تكون حكوماتها غير فعالة أو تسلطية أو فاسدة يمكن أن تظل فقيرة بالرغم من وفرة الموارد الطبيعية فيها، كما أن عدم رغبة المستثمرين الأجانب أو المحليين في المخاطرة باستثماراتهم الكبيرة المطلوبة لتطوير الموارد الطبيعية إلى منتجات تؤدي لزيادة رخاء تلك الدول. كما أن «تعطيل القانون» ونسف مؤسساته له تكاليفه الباهظة على الاقتصاد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن قدرة الجهاز السياسي على إحداث هذا «التعطيل» عادة ما يعني إيجاد فرصة لنشر الفساد وتكبير الفجوة في عدم اتباع النظم الإدارية الموسومة بالشفافية وتثبيت مفهوم الرشاوى في المؤسسات الرسمية والعامة وفتح الباب أمام المنتفعين.
ومن ناحية أخرى، يجب أن تكون القوانين محل احترام من الجميع، لتدعيم الأنشطة الاقتصادية والرخاء الاقتصادي الناتج عنها. أما إذا اختلف تطبيق القانون تبعاً لأهواء الحكّام المتسلطين، سواء مع التغييرات في الحكومات المنتخبة وبصورة غير ديمقراطية، أو مع جموح السياسيين أو فساد المسؤولين المعينين، فحينئذ سوف ترتفع المخاطر المحيطة بالاستثمارات، وبالتالي من المؤكد أن يتريث كل مستثمر في استثمار أمواله في بلد لا تحكمه القوانين وهو مفتوح على كل الاحتمالات غير الشرعية. أما في عدة أجزاء من العالم، يؤدي وجود إطار من القوانين التي تحظى بالاحترام لتشجيع كل من الاستثمار المحلي والأجنبي، بالإضافة لجذب المهاجرين ذوي الخبرات التي يندر وجودها محلياً. كما أن قيام الحكومة بفرض الأمن بين أفراد الشعب هي من الأمور الهامة والمطلوبة والجاذبة للاستثمار.
وإذا كان التغيير والعمل الديمقراطي هما أهم ما يميز المجتمعات المدنية المتقدمة, فإنهما يرتبطان بشكل رئيسي بالاستثمار وتراكم رأس المال. فالمجتمعات الصناعية هي مجتمعات تقدمية بمعنى أنها تنظر إلى المستقبل بالعمل على زيادة فرصها في المستقبل عن طريق الاستثمار، وهكذا فإن البرنامج الاقتصادي يقتضي دائماً الموازنة بين الحاضر والمستقبل, الأمر الذي يجعل الائتمان والتمويل بشكل عام من أهم خصائص هذا المجتمع. وبالتالي أصبح القرار الاقتصادي وضرورة الموازنة بين التكاليف والعوائد المتوقعة من طبيعة المجتمع المدني. فالحساب الاقتصادي الذي كان يتم بشكل غير واع بما تفرضه حكمة السنين من خلال العادات والتقاليد, قد أصبح قراراً واعياً خاضعاً لقواعد الرشادة الاقتصادية للاختيار والتنبوء عن الإمكانات المتاحة. وقد ارتبط هذا التطور بتأكيد واستقرار التخصص واقتصاد التبادل. ويرى بعض الاقتصاديين أن التاريخ الاقتصادي كله يمكن فهمه من خلال استعراض مقتضيات التوسع في اقتصاديات المبادلات, الأمر الذي تحقق بشكل كبير في المجتمع المدني المتقدم ولكنه لم يتحرك قيد أنملة في وطننا لبنان. ويهمنا هنا أن نشير إلى أن كفاية وقدرة الأفراد والمشاريع على التخصص والتبادل تتوقفان إلى حد بعيد على مدى القدرة على القيام بالبرنامج الاقتصادي السليم.
ومن هنا فإن توفير الشروط والأوضاع المناسبة لإجراء هذا البرنامج الاقتصادي يعتبر أمراً ضرورياً لتقدّم المجتمعات. وينبغي لإمكان إجراء هذا البرنامج الاقتصادي أن تتوافر مجموعة من الشروط الأساسية سواء من حيث توافر جو من الاستقرار في الإطار العام للنشاط الاقتصادي, أو من حيث وجود وحدات حساب مستقرة يتم على أساسها تقدير التكاليف والعوائد, أو من حيث استقرار العلاقات القانونية واحترام العقود والتعهدات.
وهنا يمكن القول إن دور الدولة يجب أن يكون أعلى من القطاع الخاص ليس من الناحية الفنية والأدائية بل كونه دور أخلاقي مناط بالدولة لتحقيق طموحات الأفراد في القضاء على الاستغلال والاحتكار! وهكذا تكون الحكومة قد بدأت بوضع أول مدماك لبرنامج وطني للتنمية الاقتصادية!.
--------------
* خبير مالي ومحلل اقتصادي.
* دكتوراه في المالية الدولية.

30/01/2012

التيار الكهربائي بدعم الجنرال الكتريك!

بقلم د. ماجد منيمنة

تجد الحكومة الميقاتية نفسها أمام خلافات جمّة بدءاً من ملف تجديد بروتوكول التعاون مع المحكمة الدولية، مروراً بمهزلة تصحيح الأجور، وصولاً إلى أزمة الكهرباء وفضيحة «ليلة المازوت الأحمر»، وانتهاءً بالموازنة المؤجلة إلى أجل غير مسمى، أو بوضع ملف التعيينات على الرف إلى حين إنضاج التوافق السياسي بشأنه وعلى طريقة «حكّلي ظهري بحكّلك ظهرك».
وفي ملف الكهرباء الذي بات معروفاً بمغارة علي بابا, أظهرت المواقف المتباينة لوزراء الحكومة، عمق الانقسام بين أركانها، حتى وصلت إلى حد اتهام وزير الطاقة والمياه جبران باسيل وزعيمه النائب ميشال عون بالكذب والتلفيق، خصوصاً وأن عون اتهم الحكومة بعرقلة مشاريع «الصهر المدلّل»، إزاء التعثر الذي يتخبط به باسيل وعمّه الجنرال ووزراؤهم العونيون الذين يقفون بذهول أمام التهديد بالنزول إلى الشارع من دون أن يعرف أحد ضد من سوف يتظاهرون؟ واكتفوا باتهام مجلس الوزراء بـتعطيل مشاريع الإصلاح والتغيير وهم بقرارة أنفسهم يعلمون أن المشاريع الإصلاحية لا تخص إلا العماد عون وعائلته والذي أضحى معروفا «بالجنرال الكتريك» لاستشراسه بالدفاع عن مشروع صهره باسيل والذي بدوره أصبح معروفاً «بوزير العتمة» تارة لأنه لا يكف وبكيدية عن تبشير أهالي بيروت بعتمة ما بعدها عتمة لتكون هذه بمثابة هدية لأبنائها الذين يلتزمون بدفع فاتورة اشتراك الكهرباء في نهاية كل شهر, وتارة أخرى ليضع رئيس الحكومة بالزاوية تحت التهويل من حجم أزمة الكهرباء المقبلة في الصيف, ليسرع الوزراء المعارضون بأخذ ترجيح قراراتهم نحو مشروع باسيل الكهربائي!.
وهنا يطرح كل مواطن شريف السؤال نفسه: ما هي حقيقة مشروع وزير الطاقة والمياه جبران باسيل لقطاع الكهرباء؟ ولماذا وافقت الحكومة على صرف مبلغ 300 مليون دولار، من دون قيد أو شرط، وهذه الدفعة هي الأولى من أصل مليار و200 مليون دولار والتي باتت معروفة بأنها دعم مادي ومعنوي للصهر المدلّل من قبل حلفائه السياسيين؟ كما أن من يغوص في بحار ملف الكهرباء في لبنان يعي تماماً أنه يدخل نفقا أسود لا بصيص نور في آخره. إن قطاع الكهرباء لا يزال يُكبّد خزينة الدولة اللبنانية أكثر من 40 في المئة من إجمالي الدين العام، وذلك من دون أن يتمكن الوزراء المتعاقبون من تأمين التيار الكهربائي، حيث أن الخسارة اليومية من جراء هذا الملف تناهز المليون دولار يومياً, وهذا يؤكد الكلام عن مافيا الكهرباء التي أصبحت حقيقة دامغة لا لبس فيها، ويتحمّل الوزراء المتعاقبون على وزارة الطاقة، والذين ينتمون إلى الخط السياسي الواحد والذي يجمعهم والذي يحميهم ويغطيهم, ويتحملون وحدهم مسؤولية الفشل الذريع في هذا القطاع الحيوي, حيث أن وزارة الكهرباء تخسر ملياراً و700 مليون دولار أميركي كل سنة تذهب أموالها إلى جيوب أصحاب المولدات الخاصة. كما أن الوزير باسيل لا يترك مناسبة إلا ويرى فيها وسيلة لتدر عليه وعلى أعوانه الملايين من الدولارات من سمسرات و«كومسيونات» بدءاً من استئجار الطاقة الكهربائية بواسطة البواخر, إلى موضوع استملاك المباني التي يعارض أصحابها أن يمر التوتر العالي فوق منازلهم في المنصورية. وكل التفاصيل والخبايا المتعلقة بالإنتاج الكهربائي تُبين أن المبالغ التي سوف يطلبها باسيل ستفوق الـ4 مليارات دولار أميركي.
وحتى نتمكن من الجواب على السؤال, دعونا نبدأ بتحليل القرار الصادر من مجلس شورى الدولة الرقم 293/2010-2011 تاريخ 12 تموز 2011 والذي قضى بوقف تنفيذ قرار وزير الطاقة والمياه جبران باسيل الناتج عن كتابه الرقم (2397/و) والذي أصدره بتاريخ 12 كانون الثاني2011. ففي الكتاب المذكور يتوجّه الوزير جبران باسيل إلى رئيس مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان مطالباً إياه بإلزام أصحاب الامتيازات بالتعهد بالتخلي عن الامتيازات كشرط مسبق للدخول في المناقصة المتعلقة بموضوع توزيع الكهرباء، أو ما بات يُعرف بالـSP مختصر لـDistribution Service Providers.وهذا التصرّف فيه كيدية ونزعة في المحسوبيات لاستثناء شركات ذات خبرة طويلة في التوزيع مثل شركة كهرباء زحلة التي تقدمت بالدعوى لدى مجلس شورى الدولة، وهذا الواقع أدى إلى صدور القرار المذكور. كما خالف باسيل قرار مجلس الشورى إلى إجراء المناقصة وفض العروض ليرسيها على 3 شركات:
- شركة BUTEK العائدة للسيد نزار يونس، شريك باسيل في الانتخابات النيابية، وسلّمها التوزيع في محافظتي الشمال وعكار.
- شركة Mercury والتي تعود ملكيتها إلى أحد المقربين من نجل رئيس مجلس النواب الرئيس نبيه بري، وسلّمها محافظتي الجنوب والنبطية.
- شركة خطيب وعلمي التي سلمها بيروت وجبل لبنان والبقاع.
وقدرت قيمة المناقصات بـ 850 مليون دولار موزعة على 4 سنوات، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهة التي ستوقع العقد مع هذه الشركات: هل هي وزارة الطاقة أم مؤسسة كهرباء لبنان؟ وأي منهما مخوّل إلزام الدولة اللبنانية بعقود بالأرقام المذكورة؟ وألا يتطلب الأمر إصدار قانون من مجلس النواب؟ وكيف يمكن إجراء المناقصات وفض العروض قبل إصدار مثل هكذا قانون؟.
إن عدم إعداد قانون ونظام للمناقصات، خاصة في ضوء النزف المالي والإداري والفني، سوف ينعكس سلباً على عمل مقدمي الخدمات، وعلى النتائج المرجوة من المشروع. مما لا شك فيه أن الوزير باسيل لا يبحث عن إطار قانوني ينظم المناقصات والمزايدات, حيث أنه أمر بديهي نظراً لما يكتسبه من أهمية كبيرة في الواقع العملي لطبيعة تلك المناقصات والمزايدات سواءً من حيث المتعاملين بها أم القائمين عليها، أو بالنظر إلى الأموال الطائلة التي تنفق في المشاريع التي تتم بموجبها أياً كانت مستوياتها أو نشاطاتها. ولهذا يجب أن يكفل الإطار القانوني المنظم لها الضمانات التي تهدف إلى تحقيق العدالة والمساواة بين المتنافسين في المناقصات والمزايدات من خلال شفافية وضبط الإجراءات المتعلقة بها وتعزيز استقلالية وحيادية القائمين عليها وحظر أي تدخل قد يؤدي إلى الإخلال بتلك الاستقلالية والحيادية، ويهدف ذلك الإطار أيضاً إلى حماية المال العام، وذلك من خلال تحديد إجراءات تلك المناقصات أو المزايدات بشكل دقيق، حتى لا يؤدي ضعف تلك الإجراءات أو عدم كفايتها إلى جعلها مدخلاً كبيراً للفاسدين والمفسدين من ضعاف النفوس، خاصة في ظل عدم وجود جهة رقابية مستقلة تُعنى بالرقابة على تلك المناقصات والمزايدات، ومن ناحية أخرى فان التشريعات ليست مقصورة بزمن معين، فهي بحاجة إلى التطوير والتعديل والتحديث لمواكبة التطورات التي تحدث كل يوم في كافة المجالات.
كثير من أصحاب الدولة والمعالي والسعادة الذين يتمترسون في النفاق والجبن والسكوت عن الحق وهذا الوطن الصغير يغرق وهم المتربصون فيه, كثير منهم ليسوا إلا معاول هدم وليس بناء, خاصة عندما تجترّ بطونهم في أكل أموال الدولة ومواردها وبيعها!. إننا كمواطنين صالحين أبرياء من المفسدين والسارقين أموال الأمة ومواردها, إننا نريد الأمن والاستقرار لهذا البلد من شتى الأصول والمنابت، وهذا لا يستقيم ما لم يتم الانجاز ومحاكمة المفسدين وأصحاب اليد الطويلة ليتم قطعها وبترها وفضحهم على الملأ, ومن ثم استعادة الأموال المنهوبة. من هم هؤلاء حتى نوكلهم في بيع مواردنا من دون الرجوع إلى الدستور وأحكامه ومن دون حسيب ورقيب, البعض منهم نحن الذين أجلسناهم في الصفوف الأمامية من أصحاب المعالي والنواب، والبعض منهم من نواب للأسف الشديد لم يقوموا بواجباتهم الموكولة إليهم من دور رئيسي تشريعي رقابي، فعندما ينقلب النائب من مشرّع إلى متسوّل للوظيفة لأقربائه وأهله فعندها يفقد من هيبته ومكانته واحترامه, عندها فهو لن يُسدّد إلا ثمن فواتير التعيينات, وكيف له أن يراقب ويشرّع وهو عبد مأمور. وكم هي مشاريع القوانين التي تم ترحيلها من سنة إلى أخرى، ومن مجلس إلى آخر، ومن دون أن تجلب أية منفعة للمصلحة العامة, وكل هذه الأسباب تعود إلى الشخصنة والأنانية، وحتى يحافظ هذا النائب أو ذاك الوزير على المكتسبات الشخصية الضيقة فيبقي القانون تحته!. وعندما يخسر الانتخابات يقول إن المال السياسي والتزوير والرشاوى لعب دوره في الانتخابات، وكثير منهم من صار في المجلس، وقد لحقه من الأموال التي نُهبت من الخزينةا هؤلاء السياسيون ليسوا إلا أداة هدم للتنمية والتطوير بل هم سبب العجز في الميزانية وسبب المشاكل والتوتر حتى في الجامعات وهم سبب البطالة والفقر. فمن منهم يلتفت إلى الإصلاحات الدستورية والإصلاحات السياسية والاقتصادية وتطوير الإنسان اللبناني, حيث يجب أن تكون كل هذه من الأولويات لحل مشاكل الفقر والبطالة والسكن الكريم والتعليم الجامعي والتنمية الاقتصادية والاهتمام في الشؤون التعليمية والصحية والاجتماعية, وأن يكون الشباب هم الذخر ومحط اهتمام, ولكن المناصب توزع على اساس درجة القرابة من المسؤولين, وليس حسب الكفاءة العلمية والعملية والكل يريد محاربة الفساد والمحسوبية والكل هم من اصحاب الأجندات الخاصة. لا يوجد دين سماوي ولا من الأعراف ولا التقاليد تجيز السرقة والخيانة فمن لم يكن أميناً على أداء عمله هو خائن، ومن يستغل وظيفته هو فاسد.
وبذلك تنتهي المطالب المحقة والحجج عندما يرى المواطن الصالح أن المحاسبة قد بدأت على من هاودته نفسه ورماها في مهب الطمع وسوّلت له نفسه الانقضاض على موارد الوطن وأمواله, لينهش منها ولا يشبع بل ولا يشبع الأولاد وأولاد الأولاد من أموال الخزينة, وآخر همه إذا بقي الفقير فقيراً, والهمّ الأول والأخير هو كيف يصبح ابن الوزير وزيراً, ونحن من أجلسناهم في الصفوف الأمامية، وقد آن الأوان أن نجلسهم خلف القضبان, حتى ينعم الوطن والمواطن بما يستحق من عيش كريم!.
-----------------
* خبير مالي ومحلل اقتصادي.
* دكتوراه في المالية الدولية.

16/01/2012

محطة إقتصادية
العقدة الإقتصادية في منشار السياسيين!
د. ماجد منيمنة*

من تابع جلسة مجلس الوزراء الأخيرة ، سواء عبر الوسائل الإعلامية, أو ما أفصح عنه وزير الإعلام بالوكالة بعد انتهاء الجلسة، تتعزز لديه القناعة بأن الحكومة، إذا اتفقت فهي تقف عاجزة عن إنجاز أي ملف حيوي أو إنمائي ومجلسها متصلب بدون حراك أمام المطالب الخاصة لكل وزير لتوظيف هذا المدير أو ذاك الخفير, وطبعاً عند الاختلاف, أسهل ما فيه هو التأجيل, أو أن تسحب المقترحات من جدول الأعمال بعد أن يكون قد اتفق على إقرارها، مثل تعيين الأمين العام لوزارة الخارجية أو هيئة الأسواق المالية. والسؤال الذي يطرح نفسه, كيف تؤخر الحكومة البت في موضوع هيئة الأسواق المالية, وهو موضوع إنمائي, مالي, اقتصادي تتمحور من حوله معظم النظم والأطر المالية والاستثمارية في الوطن؟.
لذلك, إذا أردنا أن نقوّم هذا الموضوع, فإننا لا بد وأن نعترف بأننا ما زلنا نتعامل مع أي موضوع اقتصادي وطني كتجارة للمنفعة الشخصية ولم نصل بعد إلى حالة الصناعة الاقتصادية والمالية للمنفعة العامة, وطبعاً من ضمنها الأسواق المالية, التي يوصف التطور والتغيّر فيها بأنهما غير محدودين, لأن أسواق المالية تشكل أحد الموارد إلى جانب كل من الشركات المساهمة العامة والمصارف التجارية والاستثمارية, وهذا يؤهلها لتأدية الوظائف الاقتصادية المختلفة كتوفير التمويل اللازم لعملية التنمية الشاملة, وتأسيس الشركات المساهمة العامة, وإعادة توزيع الموارد المالية للقطاعات الأكثر إنتاجاً, وتشجيع الادخار لتنمية الاستثمار, والمساعدة على توزيع الثروة والاستفادة من التنمية, وتمويل عملية التخصيص التي تتبناها الدولة, وتشجيع المنافسة بين مؤسسات القطاع الخاص, ما يغري رؤوس الأموال في التدفق على البلاد لينشط الاستثمار وينعم الوطن باقتصاد واعد.
إن قطاع الأسواق المالية, ومهما اختلفت الأنظمة والتشريعات من حوله لا بد وأن يعتمد على مكونات رئيسية هي: هيئة السوق, السوق نفسها, مؤسسة المقاصة والتسوية, مؤسسة الإيداع المركزي والحفظ, شركات الوساطة والخدمات المالية, متعهدو تغطية الأوراق المالية, البنوك التجارية والاستثمارية, صناع السوق, المساهمون والمستثمرون في الشركات المساهمة, شركات القطاع الخاص, الأدوات والأوراق المالية, الصناديق والمحافظ الاستثمارية. وإلى جانب هذه المحاور لا تقل عنها أهمية آلية عمل الهيئات والأسواق المالية وتنظيمها الداخلي, وقواعد الإدراج والإفصاح والأنظمة الفنية المطبقة فيهما, قبل أن تتحول الأسواق المالية إلى شركات مساهمة قابضة مثل الأسواق المالية في أميركا وبريطانيا وهونغ كونغ ودول الخليج وغيرها.
ولكننا نحن هنا في لبنان, ليس للوقت أي قيمة مضافة على أعمالنا, فتؤجل مسألة تسمية هيئة الأسواق المالية, لأن المسؤولين يفرضون أسماء المقربين منهم, وحتى لو لم تكن لديهم المعرفة التامة عن شركات الوساطة والخدمات المالية وجهات التفتيش والتدقيق المالي, ومن دون الأخذ بعين الاعتبار أن على هذه الهيئة أن تكون متمثلة بالشفافية وتطبيق مناهج الإدارة السليمة فيها, وحسن اختيار مجالس إدارتها, وملائمة أنظمتها, ولجان التدقيق فيها, ومدى تطابق حساباتها مع المعايير الدولية والوطنية. لذلك يتوجب أن تكون القيود المفروضة على الدخول إلى نشاط الهيئات والأوراق المالية مرتبطة بالمحافظة على معايير وقائية عالية بدلاً من حصر المنافسة بالواسطة والمحسوبيات الضيقة, والمنفعة الذاتية التي يفرضها المسؤول, بدلاً من أن تكون الهيئة فاعلة في نقل المهارات التقنية وترقية المعايير المهنية داخل صناعة الأوراق المالية وإدارات الصناديق بالإضافة إلى أن السياسات التي تشجع المنافسة والإبداع هي التي ستؤدي إلى خلق مجموعة من الأدوات المالية التي ستعزز تنمية الاقتصاد الوطني من خلال مساعدة هيئة الأسواق المالية في تطوير برامج تعليم وتثقيف المستثمرين كما يتوجب أن تكون هيئة تنظيم الأوراق المالية مستقلة وتعتمد على التمويل الذاتي وذلك من أجل تشجيع وتطوير الأطر التنظيمية والتشريعية ومن أجل العمل على زرع وتثبيت الثقة العامة لأن التمويل المناسب لهذه الهيئة أمر أساسي لتشجيع التطوير والاحتفاظ بالكوادر الكفوءة وللرقابة على عمليات سوق الأوراق المالية المعقدة مما يساعد ايضاً على فصل منظمي السوق عن التغيّرات في السياسة التي قد يكون الدافع لها احياناً سياسياً وليس اقتصادياً أو على أساس حماية المستثمر لأن حماية المستثمر وفعالية السوق تتطلبان توافر المعلومات الكافية لجمهور المستثمرين.
إن خيار اعتماد وإقرار نظام الإدارة السليمة وقواعد الحوكمة للشركات المساهمة والمدرجة في سوق الأوراق المالية يعد خياراً استراتيجياً يجب عدم التهاون فيه من قبل هيئة الأسواق المالية، بل إن اتباع منهج سليم للحوكمة هو الطريق الأمثل لحل العديد من المشاكل, أبرزها إدارة المخاطر وما أسفرت عنه الأزمة الاقتصادية العالمية على وجه العموم وما تواجهه الشركات العائلية على وجه الخصوص. لذلك أن مفهوم حوكمة الشركات يركز على تنظيم العلاقات بين أعضاء مجلس إدارة الشركة والمساهمين والموظفين والجهات الرقابية من داخل الشركة أوخارجها في إطار القانون، وتحديد الآلية الصحية التي لا بد من اتباعها في التفاعل بين كل هذه الأطراف في الإشراف على عمليات الشركة. وتزداد أهمية حوكمة الشركات يوما بعد يوم لدى أصحاب المصالح داخل جميع الشركات والمؤسسات، لا سيما لدى الشركات المدرجة بسوق الأوراق المالية.
إن أغلبية دول العالم والتي تنتهج خيار الاقتصاد الحر تتبع معايير الشفافية العالمية ونظم الحوكمة والتي أقرتها المنظمة الدولية لهيئات أسواق المال - IOSCO. إن حوكمة الشركات اكتسبت أهمية أكبر بالنسبة للديموقراطيات الناشئة نظراً لضعف النظام القانوني الذي لا يمكن معه إجراء تنفيذ العقود وحل المنازعات بطريقة فعالة. كما أن ضعف نوعية المعلومات تؤدى إلى منع الإشراف والرقابة وتعمل على انتشار الفساد الإداري وانعدام الثقة، وبكل تأكيد أن اتباع المبادئ السليمة لحوكمة الشركات إلى خلق الاحتياطات اللازمة ضد الفساد وسوء الإدارة. بيد أنه جاء هذا الاهتمام مع انفجار الأزمة المالية الآسيوية في عام 1997 وتأكدت تلك الأهمية مع اندلاع الأزمة المالية الأميركية وما تبعها من أزمات مالية في بلدان العالم أجمع، تلا ذلك من سلسلة اكتشافات تلاعب الشركات في قوائمها المالية، وكما وظهرت بوضوح أهمية حوكمة الشركات حتى في الدول التي كان من المعتاد اعتبارها أسواقاً مالية قريبة من الكمال حتى أنشئت منظمات وتجمعات ومؤسسات تراقب وتنشر مفاهيم الحوكمة السليمة للرقي بأداء الإدارة.
إن تعيين هيئة الأسواق المالية أمر لا يستهان به ويجب أن لا يكون مبنيا على المحاصصة السياسية، ويجب أن يكون مبنياً وفقا لنظام وقواعد حوكمة الشركات وقانون هيئة أسواق المالية وبذلك يصبح ضرورة قانونية حتمية لا اختيارية، بل إن مواكبة التطورات العالمية أصبحت محل أنظار الكثير من المستثمرين الأجانب وقد سبقت لبنان معظم دول الخليج (السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر وعمان) بسنوات في إقرار نظام خاص بهيئات الأسواق المالية، ولا شك أن أي قرار تنظيمي يصدر في هذا الإطار لا بد وأن يراعي المعايير الأساسية لقواعد وأسس الإدارة السليمة والمتبعة، وأن لا يخرج منها أي نظام عالمي يقنن مفاهيم الحوكمة.
كما أنه مطلوب من كافة المعنيين بضرورة إيجاد جهاز ونظام متكاملين لرقابة تطبيق مفاهيم الحوكمة في كل من الوزارات والبنك المركزي وهيئة أسواق المال، خاصة في ظل المشاكل العديدة التي تواجه استمرارية أداء القطاع العام، وبكل تأكيد أن استمرارية وجود مثل تلك المشاكل يؤثر حتماً على الاقتصاد الوطني في نهاية المطاف. ولا بد أنه مطلوب المضي قدماً في تأكيد مفاهيم الحوكمة في كل الشركات التجارية العاملة في لبنان ولا شك أن نظم الحوكمة يمكن أن يمتد تطبيقها حتى على الجهات الحكومية والمؤسسات العامة وهيئاتها فهو نظام شامل يحل العديد من مشاكل الإدارة ويوصلها للإدارة الرشيدة.
إن جوهر دور هيئة الأسواق المالية هي الإدارة الرشيدة للشركات وضمان وجود علاقات قائمة على الثقة بين الشركة وبين أصحاب المصالح فيها، لذلك فإن الإدارة الرشيدة هي ثقافة وجو من الانسجام والثقة، والمسؤولية، والمساءلة، والعدل، والشفافية والفعالية التي تعمم في سائر أرجاء الشركة وفي مفاهيم القيادة، لذلك ينبغي لهذه الهيئة أن تبنى على أساس الإدارة الرشيدة وأن تتبنى هيكليات، وسياسات، وعمليات واضحة، كاستعمال مواثيق الإدارة السليمة من غير تبعية وولاء سياسي، وعدم تجاوز أخلاقيات العمل التي تعتبر الإدارة مسؤولة عنها، وتعميم تلك المواثيق على الشركات المالية بأكملها والمصارف أيضاً.
إنه مطلوب اليوم الاستعجال بتشكيل هيئة الأسواق المالية للتعامل مع مجمل السياسة المالية والنقدية المتبعة حالياً، والعمل على رفع الوعي الاستثماري الذي كان غائباً لدى معظم المضاربين والمستثمرين في السوق والتعامل مع إدارات صناديق البنوك والصناديق العامة، وهذا لن يتم إلا من خلال اعتماد سياسة استراتيجية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، والتي تعتمد على التواصل الإعلامي المباشر مع جميع وسائل الإعلام دون استثناء والتخلي عن البيانات التقليدية لأن الإعلام هو الواجهة الحضارية التي تنقل مطالب الشارع العام والخاص. كما يجب أن تكون هيئة الأسواق المالية المحور الأساسي الشفاف والنابض في ما يتعلق بهيكلة الهيئة وسوق الأسهم وما يتعلق بفصل الجهة الرقابية عن الجهة التنفيذية للسوق، بالإضافة إلى عدم الاعتماد على التوصيات الخارجية إلا بعد تمحيصها، لأن كثيراً منها مضر للاقتصاد الوطني.
-----------------
* خبير مالي ومحلل اقتصادي.
* دكتوراه في المالية الدولية.

بقلم د. ماجد منيمنة

09/01/2012

المال والإقتصاد والفساد ثالثهما!

د. ماجد منيمنة*

فى إحدى الجلسات الخاصة كان أحد الحاضرين ممن يعملون فى المجال المصرفي، وهو ناشط في الأسواق المالية, وكان تعليقه أن الأحوال الاقتصادية فى البلد لا تُسرّ، وأن الركود الاقتصادي يتزايد وعمليات البيع والشراء فى السوق تراجعت بمعدلات كبيرة؛ كما أنه لا تظهر فى الأفق بوادر تبشّر بتحسّن قريب لتلك الأحوال المالية والاقتصادية. وكان هذا التعليق مكرراً، حيث سمعته من أكثر من مصرفي، وللأسبوع الرابع على التوالي، مما يؤكد أن الصورة لن تتغير بصورة إيجابية في الوقت القريب. ولكن الجديد هذه المرة أنه تابع يقول: «يبدو أننا ارتكبنا خطأ جسيماً لم نحسب عواقبه جيداً، وهو أننا عُدنا إلى هذا الوطن الصغير من بلاد الاغتراب وكلنا أمل ومفعمين بالحيوية وحاملين في جعباتنا الخبرات العلمية والعملية, مستشرقين بالمستقبل وبإمكاناتنا التي أردنا أن نقدمها لمجتمعنا اللبناني, واعتبرنا أن هذا البلد قد استعاد عافيته الاقتصادية وأصبح مرقدنا الأخير الذي سوف نربي أولادنا ليتعلموا, ويعملوا ويتزوجوا فيه». والملفت للنظر أن هذا الإحساس أصبح متزايداً بين شريحة لا بأس بها من النّاس، وهو ما أقلقني إلى حد بعيد، لأن الطبقة الوسطى بدأت تنقرض من هذا الوطن وبدأت تعدّ العدّة للهجرة. فبحساب الأرباح والخسائر, تخطت هذه الأخيرة الأرباح لتبرر هذا الشعور بالندم، فاقتصادنا مهترئ من الأساس، مع إشارة بسيطة إلى عجز الميزانية والدين الداخلى والخارجي العام, وحيث أن هذا يكفي لأي متابع بأن يخرج بهكذا انطباع، ويضاف إلى كل هذا الأزمة الاقتصادية العالمية منذ أواخر عام 2008 التي بدأت ملامحها تظهر لنا بالعلن. وأرجو أن يكون الكثيرون منا قد احتفظوا بعقولهم ولم يصدقوا المدّعين, أن مشاريع الإصلاح والتغيير هي على الأبواب وبأن الوظائف العامة توزّع على أساس الكفاءة ولا تتبنى المحاصصة المذهبية والتبعيات السياسية. وإن كان بيننا حالمون ويتراءى لهم أن البلد سيستعيد عافيته فالأفضل لهم أن يفيقوا من أحلامهم الآن ويعدوا أنفسهم لعمل شاق لفترة أطول ولأيام أصعب، لأنه لا يمكن تصوُر أن مرضاً عضالاً دام لسنوات وعقود أن يكون الشفاء والنقاهة منه فى أيام وشهور. وهنالك أسطوانة تتردد منذ سنوات عديدة على ألسنة الاقتصاديين والمتخصصين، وكذلك يتفوه بها المسؤولون على اختلاف المراحل الزمنية، وهي أنه «لم يعد مقبولاً هذا الهدر في الإنفاق العام..»، والآن يردد أكثر من وزير في الحكومة الحالية الاسطوانة ذاتها من دون أن تتخذ هذه الجهات الوصائية أي إجراء في مكافحة أحد أبرز أشكال الفساد الذي يستنزف الاقتصاد الوطني، ألا وهو الهدر الحاصل بالإنفاق العام. لن نتحدث هنا عن الهدر الحاصل بالموارد البشرية في شركات ومؤسسات القطاع العام، ولا عن حجم الخسائر المباشرة التي تلحق بالاقتصاد الوطني بسبب المناقصات، والصفقات أو الهدر بتقنيات استدراج العقود، أو الخسائر الناتجة عن الاضرابات والاعتصامات.
ان مشكلة لبنان القديمة المتجددة، هي العقلية العشائرية التي القت بظلالها على الوظائف العامة التي يقدمها المسؤول كهدية لمواليه ومعاونيه. كما ان التسارع في النمو السكاني يفوق معدل خلق الوظائف، وبالتالي تزايد معدل البطالة. صحيح ان الانفتاح الاقتصادي في لبنان بدأ قبل أربعين سنة، ولكن الحكومات المتعاقبة فشلت في إحداث إصلاحات كافية في هيكلية وهيبة الدولة، وبالتالي فإن معدل النمو وتدفق الاستثمارات الأجنبية كانا أقل من المطلوب لتحسين حصة الفرد من الناتج الإجمالي المحلي؛ وحتى عندما بدأت معدلات النمو وتدفق الاستثمارات الخارجية تتحسن بقوة في السنوات الأخيرة في ظل حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري, لكن هذا التحسن جاء في الواقع متأخرا جدا، والأسوأ أنه لم ينعكس بشكل كاف على الطبقات الدنيا من الشعب، وسبب هذا هو أن الفساد وعدم عدالة النظام الضريبي اللذان لعبا دوراً في هذه المأساة التي انتهى إليها لبنان بعد أن كان اقتصاده يبدو انه ينمو قوياً فقط على الورق.
لقد أصبحنا بحاجة ماسة إلى المزيد من الإجراءات الإصلاحية الاقتصادية لكي نخرج من الأزمات الخانقة التي تكتم أنفاسنا من وقت لآخر، ولا بد بل وعلى جميع المسؤولين السياسيين منهم والحزبيين القبول بالتضحية من أرفع مستوى إلى أدنى مستوى، ما دمنا شركاء في هذا الوطن، وهذا يعني أننا جميعاً معنيون بالإصلاحات الاقتصادية وليس الامتثال لها بل الاصطفاف من أجل تحقيق نتائج إيجابية مرجوة مستقبلاً، ونحن مع أية سياسة اقتصادية تستطيع أن تعيد لنا الابتسامة الحقيقية، وتستطيع أن تعيد لنا الثقة بأنفسنا وأن تجعلنا نقتحم الأسواق بشجاعة وطمأنينة أيضاً، وفي أقل الحالات أن نخرج بأقل الخسائر وألا يصيب المواطن مكروه مثل امراض السكر وضغط الدم أو الحساسية بسبب ارتفاع الأسعار وانعدام الحاجات مثلما حدث في حصول أزمة لبعض المواد والمشتقات النفطية وما حصل من أزمة حقيقية في مادة المازوت.
الإدراك بأهمية الإصلاحات ضرورة وطنية يشترط فيها أن يدرك الجميع أهميتها وضرورتها أن نتفاعل معها بمسؤولية بما يحقق أهدافها السامية في إحداث التوازن بين المستويات وتحقيق العدالة الاجتماعية المطلوبة، ونحن لا نقصد بهذا أن يصبح الجميع عند سقف واحد وكأسنان المشط في المدخول والأجور، وإنما ما نقصده هو سد الحاجة من خلال سياسة اقتصادية مقنعة تنجح في ردم الهوة وتقريب المسافات للتباعدات الاقتصادية بين فئات الشعب، وبصيغة أكثر وضوحاً احتراماً للمال العام وتحصين الموارد العامة للدولة وعدم الاستغلال والنهب والاستباحة للمقدرات والثروات الوطنية، وبدون ذلك فإن كل شيء سوف يصبح أكثر سوءاً ونظرتنا إلى الحاضر والمستقبل سوف تكون أكثر من سوداوية.
لا شك أن للإصلاح الاقتصادي في لبنان ثمناً سياسياً سيضطر من هو في سدة الحكم لدفعه، فالانتقال بمجتمع من نمط حياة ميليشياوية إلى نمط حياة ليبرالية حرة هو عملية ليست بالبسيطة وتنطوي على خسارة سياسية لمن يقوم بها، فلا أحد يحب أن يكون في سدة الحكم حينما تأخذ الحكومة قرارات غير شعبية مثل رفع الدعم عن المحروقات وإلغاء مجانية التعليم والاستشفاء وغير ذلك، خاصة وأن هكذا قرارات يصعب تبريرها وتوضيح الغاية منها أمام مجتمع نشأ وتربى على الشعارات الحزبية البالية، ولهذا السبب فإن الحكومة اللبنانية تلكأت لعقدين من الزمن عن الشروع الجدي في الإصلاح وفضلت بدلاً من ذلك الاعتماد على المساعدات العربية كـ«حل سحري» يقيها من التبعات السياسية لأي عملية إصلاح جدية، وهذه السياسة الهروبية أدت فقط إلى تفاقم المشكلة الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني وجعلت الإصلاح الاقتصادي أصعب وتبعاته الشعبية أكبر.
أرقام البنك الدولي ومعظم المؤسسات الدولية تُظهر بوضوح أن الاقتصاد الوطني نما بمعدل يقارب 8% سنوياً في ظل حكومات الحريري الأب والإبن، وهذه الأرقام ربما تكون عادية في كثير من الدول النامية ولكنها بالنسبة للبنان تعتبر أرقاماً فلكية وغير مسبوقة منذ عقود. معظم هذا النمو على ما يبدو كان في قطاعي الاتصالات والإعمار والانماء العقاري وبالنسبة لأصحاب النظريات الماركسية, فإن النمو في هذه القطاعات لا يعتبر ذا قيمة، ولهذا نجد أنهم شنوا حرباً شعواء على عملية الإصلاح الاقتصادي منذ سنة 1996. طبعاً من منطلق علمي فإن اعتراضاتهم لا تستحق التوقف عندها لأنهم يعارضون عملية الإصلاح البناءة, دون أن يطرحوا بديلاً لها سوى العودة إلى النموذج القديم من الاشتراكية والمفهوم الشيوعي القديم، وبالتالي فإن معارضتهم ينطبق عليها مصطلح العدمية أو مقولة تجريب المجرب أكثر من كونها معارضة علمية أكاديمية.
كما ان النمو الذي يجب التعويل عليه اليوم هو النمو في القطاعات الإبداعية. إن ثقافة الإبداع هي ما تعول عليه الدول الغربية لمواجهة التنين الصيني الصاعد الذي التهم سوق الصناعة في العالم. الدول المتقدمة اليوم لم تعد دولاً «صناعية» بقدر ما هي دول منتجة للمعرفة والإبداع. إن منافسة الصين ودول جنوب شرق آسيا في الصناعات البسيطة هو أمر غير مجد لنا أو لغيرنا في المنطقة. ما يجب أن نركز عليه الآن هو ثقافة الإبداع ومجتمع المعرفة إن أردنا تحقيق تنمية مستدامة حقيقية. الانتقال إلى ثقافة الإبداع ومجتمع المعرفة لا يمكن أن يتم إلا بثورة جذرية في قطاع التعليم الذي هو للأسف متأخر جداً, وقد يكون مكلف جداً لشريحة معينة من اللبنانيين. هذه الخطوات لا شك أنها مفيدة ومهمة، خاصة موضوع إشراك القطاع الخاص المحلي بالتعليم. والواضح ان جذور أسباب الآلام الاقتصادية التي ذكرناها وارتفاع أسعار السلع والبطالة وارتفاع قيمة وايجارات السكن هي أشبه بالسرطانات التي تكونت بدايات أورامها منذ ثلاثين سنة، ولم يشعر بها أحد طوال هذه المدة، حتى تضخمت وكبرت وأصبحت تؤلم جسد الاقتصاد وتزداد إيلاماً يوماً بعد يوم.
إن أزمة الدولة في ملف الفساد تقلّبت كثيراً في التعامل معها، من الإنكار بداية إلى محاولة التقليل من شأنها، إلى وضع مواد قانونية لمكافحة الفساد بذريعة اغتيال الشخصيات، إلى الزج بالأسماء الكبيرة وعملية الخصخصة بأسرها إلى القضاء من دون أسس واضحة قانونياً وفنياً، بل وفي سياق حالة من التضارب الملحوظ بين المؤسسات المختلفة، سواء الحكومة أو مكافحة الفساد أو مجلس النواب، ما خلق حالة من الفوضى والبلبلة والضبابية في الموضوع. الحل يبدأ في أن يجتمع فريق من المسؤولين والخبراء يتوافق على حزمة متناسقة من الخطوات، وفق استراتيجية وأولويات واضحة، وعلى آليات بناء الجسور بين المؤسسات المعنية سواء في تحديد الأسماء ذات المصداقية العالية التي يمكن أن تمسك بالملف وتقنع الشارع تماماً، أوفي التشريعات المطلوبة (مثل: من أين لك هذا؟)، أو تمتين التشريعات التي تحاسب وتشدد العقوبات على التسيّب في المال العام، أو الأسس التي تحوّل فيها القضايا إما إلى القضاء أو إلى مجلس النواب.
يقر كثير من الناس صعوبة إثبات حالات الفساد التي طغت, فكما هو معروف ان الفاسد ومن سرق المال العام ومن قبل الرشاوى واستعمل الواسطة للحصول على مكاسب غير قانونية لن يتبرع بتقديم الأدلة التي تدينه, لذلك يرى كثير من الناس أن يغلق هذا الملف ولكن بعد أن تستبعد الحكومة كل الأسماء التي تحوم حولها شبهة الفساد من كل الوظائف العامة في دوائر ومؤسسات الدولة والشركات الخاصة، والأسماء معروفة شعبياً وتتداول بكثرة ومنها وزراء ونواب ومدراء عامون ورؤساء مجالس إدارة وأي موظف ذو طابع عام . فلو قررت الحكومة ان تبعد هؤلاء وتمنع وصولهم مرة أخرى لمراكز صنع القرار فان ذلك سيلبي طموحات المواطنين ويخفف من غضبهم المتصاعد, فالتضحية بأسماء كبيرة تحوم حولها قصص الفساد ليست أهم من الوطن وحتى لو تضررت بعض تلك الاسماء اجتماعياً, فالوطن أهم من كل الأسماء والمسميات, وحان الوقت لاستئصال الفاسدين ومنعهم من البقاء والعودة إلى مراكز صنع القرار لكي يتجه التركيز إلى فتح ملفات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. إن تفشي الفساد الإداري لا يعني استحالة الحد من انتشاره والقضاء عليه نهائياً، بيد أن هذا لا يمكن أن يحصل ما لم تتحقق عملية إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي شاملة، وتهيئة البيئة الملائمة لتبني عملية الإصلاح والاستجابة للمتغيرات الديمقراطية.
عموماً يمكن اتخاذ عدد من الإجراءات في سبيل مواجهة الفساد الإداري منها التفكير الجدي والعلمي لتبني سياسات الإصلاح الاقتصادي واختيار القيادات الإدارية الكفوءة والنزيهة وإحكام السيطرة والرقابة بمتابعة أعمال وتصرفات كبار الموظفين وتدقيق الموجودات الثابتة ضمن مسؤولياتهم الإدارية ونشر التعليم بين أفراد المجتمع من أجل زيادة وعي الناس بما يحجم المنظومات الفاسدة داخل الجهاز الإداري ومن ثم القضاء عليها، وتشخيص الموظفين المنحرفين وتفعيل آليات تطبيق القانون واتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة للسيطرة الكاملة على المنافذ الحدودية لمنع كل أنواع التهريب وتسخير وسائل الإعلام وتعبئتها لتؤدي دورها الفاعل في الدولة الديمقراطية لتشكيل توجهات أفراد المجتمع نحو القيم والسلوكيات التي تستهدف الصالح العام وتنشيط عمل مؤسسات المجتمع المدني ومنظومة حقوق الإنسان ودمج القوى الاجتماعية المهمشة في حركة المجتمع وتحسين ظروفها وتبسيط إجراءات العمل الاداري والتخلص من معوقاته وتجاوز الإجراءات الروتينية في إنجاز معاملات المواطنين وإعادة النظر بمستويات الأجور والرواتب والحوافز بين آونة وأخرى.
-----------------
* خبير مالي ومحلل اقتصادي.
* دكتوراه في المالية الدولية.

Address

Zarif/Istiklal Avenue
Beirut
11-2402

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Al-Liwaa Newspaper posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Business

Send a message to Al-Liwaa Newspaper:

Share