PICA Hub

PICA Hub Perspective Insight Critique & Analysis Hub
CEO Film Critic Charbel El Ghawi

مركز وجهة نظر للنقد والتحليل PICA
مدير المركز الناقد السينمائي شربل الغاوي

بكاءٌ يعلّمنا الحبّ من جديد… طوني عيسى في قمّة اعترافهما الذي كان يريده طوني عيسى منّا؟أكان يعيدنا إلى الحبّ أم يعيد الح...
24/11/2025

بكاءٌ يعلّمنا الحبّ من جديد… طوني عيسى في قمّة اعترافه

ما الذي كان يريده طوني عيسى منّا؟
أكان يعيدنا إلى الحبّ أم يعيد الحبّ إلينا؟
لكن الواضح أنّ خوفه فوق جسد «سلمى» لم يكن تمثيلًا، بل مواجهة حقيقية مع احتمال فقدانها.

دموعه لم تكن حوارًا، بل انهدامًا داخليًا:
رجلٌ يحبّ حدّ الذوبان… ويخشى الخسارة حدّ الانكسار.

نظره إليها ممدّدة، صامتة، جعل الزمن يختنق حوله.
اقترب من فم لا يجيبه، فقبّلها كما يقبّل أحدهم الحياة حين يحاول إنقاذها من الموت.

كان يبكي الفكرة… لا الحدث:
فكرة أن يختفي وجهٌ يحبّه فجأة.
يبكي اللحظات المهدّدة، الذكريات المعلّقة، والحبّ حين يشعر بأنّه على حافة اليُتم.

أداء طوني عيسى لم يكن دورًا، بل اعترافًا كاملًا.
وبكاؤه… هو الذي أعاد للحبّ مكانه بين قلبٍ يخاف، وقلبٍ لا يعرف أن يقفل أبوابه.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

أحمد جاويش… طفلٌ بوهج نجم، يقفز فوق عمرهأحمد جاويش لا يمثّل؛ هو يقتحم الشاشة. في سلمى، لم يكن «شادي» دوراً بل حالة: طفلٌ...
16/11/2025

أحمد جاويش… طفلٌ بوهج نجم، يقفز فوق عمره

أحمد جاويش لا يمثّل؛ هو يقتحم الشاشة. في سلمى، لم يكن «شادي» دوراً بل حالة: طفلٌ يقطر صدقاً، يلوّن المشهد بنظرة، ويهزّ الإحساس بنَفَس واحد. يقف أمام الكبار من دون رهبة، كأن الحرفة سكنت فيه قبل أن يتعلّمها.

يؤدّي بعُمق لا يُفترض أن يكون في هذا العمر، وبحدسٍ يجعل اللحظة أطوع له من المحترفين. وهكذا يرسّخ حضوره: موهبة تولد كاملة… وطفلٌ ينافس الكبار لا بالجرأة فقط، بل بالقيمة.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

آسر وسلّمى… الفرق كلّ الفرق لصالح «سلمى»لن أنتظر نهاية «سلمى» كي أحكم. العمل قال كلّ شيء من أولى حلقاته، كأنّ الدراما نف...
13/11/2025

آسر وسلّمى… الفرق كلّ الفرق لصالح «سلمى»

لن أنتظر نهاية «سلمى» كي أحكم. العمل قال كلّ شيء من أولى حلقاته، كأنّ الدراما نفسها قرّرت تستعيد هيبتها بعدما غابت كثيرًا في مسلسلاتٍ تشبه وقتًا ضائعًا لا نعرف من يخسره ومن يربحه.

«آسر» كان فكرة جميلة عُلّقت على جدار البطء. مسلسلٌ حملنا بوعدٍ كبير، ثم تركنا نتمشى في ممرّات فارغة، لا نعرف إلى أين نمضي ولا لماذا نحن هناك أصلًا. الوقت تمدّد فيه بلا ضرورة، والحبكات مرّت كظلّ لا يترك أثرًا. كأنّ العمل وُلد معطّل النفس، يمشي ولا يصل، يحكي ولا يقول، يلمّح ولا يجرؤ أن يعلن.
كان يمكن أن يكون أقوى، كان يمكن أن ينهض، لكنه اختار أن يسبح في الفراغ.

في المقابل، جاء «سلمى» مثل صفعة فنية توقظ المتلقي. لا يتركك تتنفس خارج إيقاعه، ولا يسمح لحلقة بأن تمر بلا أثر. الحبكات ليست مجرد التفافات سردية؛ هي محرّكات مشاعر. الإثارة ليست مفتعلة؛ بل مبنية على ترابط منطقي يمنح الشخصية وزنًا، والحدث ضرورة، واللحظة معنى. وحتى الحب، ذاك الذي تعبنا من تفريغه في الدراما، عاد في «سلمى» كثيفًا، واقعيًا، يوجِع دون أن يتباكى.

الفارق بين العملين ليس مجرد نجاح مقابل تعثّر.
الفارق… أنّ «سلمى» يعرف ماذا يريد، و«آسر» لم يعرف لماذا وُجد.

«سلمى» لا يطيل الطريق كي يصل، بل يعطي كل حلقة حقّها.
«آسر» أطال الطريق… حتى ضاع الهدف.

«سلمى» يقدّم دراما تصنع الانفعال.
«آسر» يقدّم وقتًا لا يعرف أين يصرف نفسه.

حين تتابع «سلمى»، تشعر أنّ الفريق يضع روحًا في كل مشهد.
حين تتابع «آسر»، تشعر أنّ الفريق يضع خطوات بلا اتجاه.

لهذا لن ننتظر النهاية. النهاية واضحة منذ الآن:
«سلمى» يكتب نفسه، أمّا «آسر» فكتبنا نحن نهايته… بعدما تعبنا من الانتظار.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

المشهد الذي يُعيدنا إلى الحبّكان البحر يخبئ صوته في حضن الشاطئ، والنسيم يمرّ خفيفًا بين الكراسي الخشبيّة كذكرى تمشي على ...
11/11/2025

المشهد الذي يُعيدنا إلى الحبّ

كان البحر يخبئ صوته في حضن الشاطئ، والنسيم يمرّ خفيفًا بين الكراسي الخشبيّة كذكرى تمشي على رؤوس أصابعها. في المقهى القريب من الماء جلس عادل وسلمى، وبينهما فنجان قهوة يبرد ببطء كقلبٍ يتعلّم الصبر من جديد. الضوء ينساب على الطاولة مثل ماءٍ صافٍ، والسكينة كثيفة حتى إن الحروف بدت خجولة من أن تكسر هدوء اللحظة.

كان عادل ينظر إليها كما لو أنه يقرأ وجعها من وراء الابتسامة. تنفّس بعمق وقال بصوتٍ يشبه الرجفة:
«أنا حاسس شي اتجاهِك… إذا إنتِ حاسّة بشي، خبريني. وإذا مش حاسّة، رح ضلّ حدّك».

ارتجفت نظرتها كشمعةٍ في مهبّ الصدق. سكتت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ متعبٍ وشفّاف:
«عادل… أنا مريضة، وعندي ولدين».

تلقّى الجملة في صدره قبل أذنه. لم يتحرك. كان كمن يعانق الحقيقة لكي لا تسقط على الأرض. قال بهدوءٍ موجوع:
«بعرف يا سلمى، بعرف».

اقترب خطوةً وصمت خطوة، ثم خرج منه الكلام كصلاة:
«ما رح فيّي أنطر تتشفي لقلك هيدا الحكي… بحبّك بكل حالاتك. بوجعِك، بتعبِك، بخجلك، بوجهِك الأحمر، بدمعتك وضحكتك. بحبّك بكل التفاصيل، بصحتِك وبكوتِك… بحبّك بكل الحالات وكتير».

قالت هي كمن يسلّم قلبه للنور:
«أنا ممكن موت… إنت بتعرف هيدا الشي، صح؟»

نظر إليها طويلًا، ثم نطق بوعدٍ لا يصدأ:
«بعرف كل شي يا سلمى… بعرف كل شي وما بيهمّني. بحبّك، ورح ضلّ حبّك».

في الخلفية، تتسلّل أغنية قصر الشوق لمروان خوري كدمعةٍ موسيقيّةٍ تلمع ولا تسقط:
«قول بحبّك، قلبي بيكبر وسِع الكون، ويرجع يزغر».

كبر الكون فعلًا بين عينيهما، ثم صغر حتى صار فنجانًا باردًا وارتجافة نفس، وصوت موجٍ يضع كفّه على كتف الحجر.

طوني عيسى لا يبكي كممثل، بل كرجلٍ تعبه الوحيد أنه يحبّ كثيرًا. دمعته ثقيلة، صافية، تمشي من القلب إلى العين بوقار اعتراف. كل رمشةٍ فيه كانت أناشيد صامتة تقول: أحبّك أكثر مما يطيقه الكلام. ومرام علي تضحك كي لا ينهار الضوء. ضحكتها وردةٌ على طرف جرحٍ عميق، وعيناها تؤجّلان البكاء لتبقى الصورة جميلة أمام وداعٍ خجول.

هذا ليس مشهد حبٍّ يطلب وعدًا بالسعادة.
إنه حبّ يختار البقاء ولو في قلبٍ يوجعه الأبد. صدقٌ يردّ للعيون ماءها الأوّل، ويعيد للقلب ذاكرة نبضه. لحظةٌ تصير فيها الكلمات جسرًا فوق خوفين، وتتحوّل القهوة إلى كتابٍ صغيرٍ يدوّن فيه عاشقان أسباب الحياة.

لهذا المشهد قدرة على إعادة الناس إلى الحبّ. من يراه يلمس أن الحقيقة حين تنطق بلا زينة، تهزم المرض وتغسل الخوف وتوقظ في الروح طفلةً كانت نائمةً قرب البحر. ومن يراه يعرف أن القلب مهما انكسر، يعرف الطريق إلى الخفقان إذا وجد عينين تقولان كلّ ما عجز عنه اللسان.

هو المشهد الذي يُعيدنا إلى الحبّ لأنّ الدموع فيه ليست هزيمة بل ماء. ولأنّ الموسيقى فيه لا ترافق الحدث، بل تمنحه جسدًا شفافًا يمرّ عبرنا ويتركنا أجمل وأكثر صدقًا. ولأنّ عادل في دموعه، وسلمى في ابتسامتها الأخيرة، صارا مرآةً لكلّ عاشقٍ خاف ولم يهرب. وفي تلك الدقيقة القصيرة، انفتح الأبد كنافذةٍ، ووقف البحر شاهدًا على معجزةٍ صغيرةٍ اسمها الصدق.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

ستيفاني عطالله في “سلمى”… ميرنا تسخر من مشاعرنا وتدير اللعبة خلف الكاميرا - شربل الغاويالعين التي تُشعل الحريققراءة نقدي...
10/11/2025

ستيفاني عطالله في “سلمى”… ميرنا تسخر من مشاعرنا وتدير اللعبة خلف الكاميرا - شربل الغاوي

العين التي تُشعل الحريق
قراءة نقديّة موسّعة في شخصية ميرنا كما جسّدتها ستيفاني عطالله

ليست ميرنا مجرّد شخصيةٍ مكتوبة على ورق، بل عُقدةٌ حيّة تُزرَع في صدر المشاهد، لتبدأ بعدها التجربة. منذ لحظة دخولها الشاشة، لا تحتاج إلى كلمات كثيرة كي تفرض حضورها. يكفي أن تتحرّك عيناها، ذلك التوتّر الهادئ، ذلك البريق الذي لا يُفسَّر، لتقلب المشهد من عاديّ إلى مشحون، من باردٍ إلى غامض.
إنها الشخصية التي لا تُستدرج إلى الحبّ، بل تُفرض على الكره. الكره هنا ليس نفورًا فقط، بل انفعالًا داخليًا متورّطًا، كأنّها تُعيد تعريف معنى الاستفزاز الفني.

حين تنطق العين قبل الفمّ

كلّ ما في ميرنا يبدأ من العينين. ليست نظرةً واحدة، بل عشرات الطبقات من التلميحات والتهديدات والاعترافات المبطّنة.
حين ترفع حاجبًا، فهي تُعلن الحرب. وحين تُطيل النظر، فهي تزرع الشكّ في كلّ من حولها. نظراتها ليست هاربة ولا ثابتة، بل متقلّبة كحرارة الزئبق.
تُحدّق ثم تنسحب بسرعة، كمن يترك جرحًا صغيرًا في كبرياء المتلقي.
العينان عند ستيفاني عطالله لا تؤدّيان، بل تأمران. هما رأس الحوار، ومركز الثقل، وجهاز الإنذار في الشخصية.

تلك النظرة الطويلة التي تأتي في منتصف الجملة، أو تلك الالتفاتة المفاجئة عند ختام الحوار، ليست حركاتٍ عفوية، بل أدوات ضبطٍ للإيقاع الدرامي.
حين تغضّ بصرها نصف ثانية فقط، يتحوّل الصمت إلى لغةٍ مُرعبة.
وحين تبتسم من دون أن تبتسم عيناها، يصبح الجمال نفسه تهديدًا، ويصير الوجه الجميل فخًّا بصريًا لا مفرّ منه.

جمالٌ لا يطلب التصفيق بل الهيمنة

جمال ميرنا ليس خجولًا ولا ناعمًا، إنّه سلاح.
العدسة لا تُحبّها فقط، بل تخافها أيضًا.
هي تعرف كيف تضع وجهها في الضوء لتلتقط أكثر زاوية استفزازًا ممكنة.
في لحظة واحدة، تستطيع أن تكون فاتنة وقاسية، ناعمة ومُتصلّبة، كأنّها تقول للمُشاهد: اقترب إن كنت تجرؤ.

هذا التناقض بين النعومة والحدّة، بين الفتنة والبرود، هو الذي يُولّد الكره. لأنّها تُشعل في المتلقي الرغبة في الاقتراب، ثم تُطفئها بنظرةٍ باردة.
إنها لا تُعطي المشاهد ما يريد، بل ما يخاف أن يريده.
وهنا تكمن عبقريّة الأداء: في تحويل الجمال إلى مصدرِ قلقٍ بصريّ لا يرتاح له القلب، ولو كانت العين لا تستطيع مقاومته.

لغة الجسد كترجمةٍ للنفس المضطربة

ستيفاني عطالله لا تمثّل بكلماتها فقط، بل بتموّجات الجسد التي تكشف وتخفي في الوقت نفسه.
كتفٌ يُدار ببطء، وظهرٌ لا يُحني، وخطوةٌ متردّدة لكنها تُحسب بالمليمتر.
تتحرّك كأنها تعرف أن الكاميرا تتربّص بكلّ إيماءة، فتُعطيها ما يكفي لتُربكها لا لتُرضيها.
الصوت ليس صراخًا، بل إيقاعٌ داخليّ يذكّرك أن ما يُقال أقلّ بكثير مما يُكتم.
حتى طريقة شربها للماء أو إغلاقها للهاتف تُصبح تمثيلًا مقنّنًا، لا صدفة فيه.

كلّ حركة في أدائها تُحمل معنى مضاعفًا: يدٌ تُرفع لا لتشير، بل لتمنع، خطوةٌ إلى الأمام ليست تقدّمًا بل تحدٍّ، ابتسامة صغيرة تختزل رغبة في السيطرة أكثر مما تختزل لطفًا.

الاستفزاز كعقيدة لا كصفة

لا تُستفزّ ميرنا من أحد، بل تُخطّط لاستفزاز الجميع.
تجيد فنّ إشعال الصراع من دون أن تلوّث يدها بالاتهام.
كأنها مصمّمة على أن تُبقي الجميع في حالة غليان دائم، لا يملكون معها لا الانسحاب ولا المواجهة.
استفزازها ليس ضوضاء، بل إستراتيجية هدوء.
كلّ جملةٍ تقولها مصمّمة لتضرب على عصبٍ ما، فيُكرهها الناس لا لأنهم يكرهونها فعلاً، بل لأنهم يكرهون الإحساس الذي توقظه فيهم.

ولذلك، حين يعبّر الجمهور عن كرهه لها، فهو في الحقيقة يعترف بذكائها.
هي لا تترك مجالًا للراحة، لا في الأداء ولا في التلقّي.
وجودها بحدّ ذاته اختبار لصبر المتلقي، وتحدٍّ لقواعد الحبّ والكراهية في الدراما.

العين بوصلة الشرّ والعاطفة المكبوتة

العين عند ستيفاني عطالله لا تُستخدم لتجميل اللقطة، بل لقيادة الرواية.
في لحظة واحدة، تستطيع أن تنقلنا من العاطفة إلى الكراهية، ومن الخوف إلى الاستسلام.
نظرتها تُذكّرك بالضوء الخافت قبل العاصفة، لا تعرف إن كانت علامة إنذار أم وعدًا بالهدوء.

حين تُحدّق طويلًا، لا تفعل ذلك لإغواء الكاميرا، بل لتستفزّها.
وحين تُنزِل جفنها نصف درجة فقط، تُغيّر إيقاع المشهد بأكمله.
هذا الوعي الدقيق بتفاصيل العينين هو ما يجعل الأداء عند عطالله أقرب إلى تلاعب نفسي بالمشاهدين.
هي لا تمثّل شخصية فقط، بل تتحكّم في إدراكنا لماهيّة الصدق والكذب، الطيبة والدهاء.

الكره كدليل نجاح

أن يكرهها الجمهور، فذلك نصر.
أن يستفزّه حضورها، فذلك ذروة الفن.
الكره هنا لا يعني الفشل، بل اكتمال التجسيد.
فالمشاهد لا يكره إلا ما صدّقه، ولا يصدق إلا ما لامس فيه شيئًا من نفسه.

وهنا، يتجاوز أداء ستيفاني عطالله مجرّد الإتقان التقني.
هي لا تكتفي بأن تكون الشخصية، بل تُصبح المرآة التي يرفض المشاهد النظر فيها.
كره الناس لميرنا هو الوجه الآخر لانبهارهم بها، تمامًا كما يُغضبهم الضوء حين يكشف ما لم يكونوا يريدون رؤيته.

الذاكرة البصرية

بعد انتهاء المشهد، تبقى عيناها في الذاكرة.
ليس الحوار، ولا الحدث، بل تلك اللمعة التي لا تُنسى.
تُرافقك في صمتك، في طريق العودة إلى ذاتك، فتكتشف أنّك ما زلت تراها، وما زال جسدك يستجيب لحضورها الغائب.
هذا ما تفعله الشخصيات النادرة: تبقى بعد انصرافها.

ولعلّ هذا البقاء هو ما يجعل ميرنا حالةً أكثر منها دورًا.
إنها ليست المرأة الشريرة التي تكرهها، بل الجزء الذي حاولت دفنه في داخلك، فعاد إليك من خلال عينيها.

خاتمة

في نهاية المطاف، تُصبح ميرنا وجهًا آخر للحقيقة القاسية: أن الفنّ لا يُريحنا، بل يعرّينا.
أنّ الجمال قد يُصبح أداةَ قسوةٍ حين يُستعمل بوعيٍ بارد.
وأنّ الكره، حين يُوجَّه إلى شخصية كهذه، ليس إلا شكلاً من أشكال الإعجاب المتنكر.

ستيفاني عطالله لا تمثّل فقط، إنّها تكتب بالحركة، تنطق بالصمت، وتؤدي بنبض العينين أكثر مما تؤدي بالكلمات.
وما بين كلّ رمشةٍ وأخرى، تخلق استفزازًا جديدًا، وتجعل المشاهد يتورّط في عاطفةٍ لا يعرف إن كانت حبًّا أم كرهًا.
لكنّ الأكيد أنّه، مثلها، لن يخرج من المشهد سالمًا.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

ناتاشا شوفاني في «سلمى»… وجهٌ يعلّم الصورة كيف ترى - شربل الغاويهناك ممثلات يدخلن الكادر كضيفات على المشهدوناتاشا شوفاني...
10/11/2025

ناتاشا شوفاني في «سلمى»… وجهٌ يعلّم الصورة كيف ترى - شربل الغاوي

هناك ممثلات يدخلن الكادر كضيفات على المشهد
وناتاشا شوفاني تدخل كأنّها صاحبته
كأنّ الضوء استعار اسمها ليُعرّف نفسه
حين تطلّ لا يعود الكلام مادة كافية
تصير النظرة ميزانًا داخليًا
ويصبح الصمت جزءًا من النطق
وجمال عينيها ليس زينة تتدلّى على الصورة
بل لغة كاملة تستطيع الكاميرا أن تقع في حبّها من النظرة الأولى

حضور يبني الشخصية من الداخل لا من الملامح

“سالي” في «سلمى» ليست بطاقة تعريف
بل كيان يتكاثر في الطبقات
طبقة ترى وطبقة تخفي وطبقة تتذكّر ما لا تريده أن يعود
ناتاشا لا ترفع الصوت كي تُسمع
تقلّل الحركة كي تُرى
تسحب الجملة من أطرافها
وتترك للفراغ بين الكلمات فرصة كي يقول ما لا يقال
بهذا الاقتصاد يتكثّف المعنى
وتتحوّل الملامح إلى بوصلة تقود الشعور بدل أن تشرح له الطريق

تقنية النظر وإدارة السكتة

تشتغل ناتاشا على عينين تعرفان التوقيت
رمشة متأخّرة تشبه اعترافًا مؤجّلًا
نصف التفاتة تعيد توزيع الهواء في الغرفة
سكتة قصيرة تحرّك موقعنا من الشخصية خطوة إلى الداخل
ليست هناك إيماءة فائضة
ولا حركة تُصرف كصدفة
كل تفصيل موصول بنبض داخلي
وهذا ما يجعل متابعة الأداء تجربة حسّية لا ذهنية فحسب
تشعر أنّ الجسد يكتب قبل أن يكتب الحوار
وأنّ السكتة ليست غيابًا للكلام
بل حضورًا مكثّفًا لما بعد الكلام

منطق الصراع كما تعيد صياغته

الصراع هنا لا يُدار على محور خير وشر
بل على محور ذاكرة ومن سيملك حقّ روايتها
ناتاشا تفهم أنّ “سالي” لا تحارب الوجوه بقدر ما تحارب الصور القديمة التي تسكن الوجوه
فتصوّب على الرموز
على إطار على رف
على جملة قيلت في غير مكانها
على أثر عطر عبَر ولم يبقَ منه سوى معنى
تتقدّم خطوة ثم تتراجع نصفها
تغري بالاقتناع ثم تترك ظلال شك ضئيلة
وهي بهذا لا تسعى لتغيير حكم
بل لتغيير زاوية نظر
وهذا أصعب وأصدق

جمال العيون كأداة درامية

الكاميرا مع ناتاشا ليست آلة تسجّل
إنّها مخلوق يتعلّم من ملامحها
العينان ليستا مجالًا لالتقاط الضوء
بل سببًا لينحني الضوء على المشهد
تتسع الحدقة في اللحظة الحسّاسة فتتّسع مساحة القراءة
تضيق حين تريد أن تحمي هشاشة الداخل
وفي كلتا الحالتين لا تُسقط لحظة على مشهد
بل تُسلم المشهد إلى لحظة
كأنّها تقول للعدسة
هذا هو الإيقاع
اتّبعيه

معالجة الترهّل بحسّ هندسي

عندما يتعب الحوار أو يجنح إلى التفسير
تسند ناتاشا المشهد بتركيب بصري محكم
تقسّم الجملة إلى وحدات تنفّس
تهندس الوقفة بحيث تصبح الكتفان علامة ترقيم
وتحوّل سرعة النطق إلى نبض داخلي ثابت يضبط حرارة اللقطة
لا تعوّض ضعفًا بانفعال
بل تضبط حرارة الشعور كي يبقى قابلاً للمشاهدة لا للمكايدة
وهذا وعي مهني لا يُشترى بالخبرة وحدها
بل بالذائقة التي تعرف متى تتقدّم ومتى تتوارى

الكيمياء بوصفها تفاوضًا على المسافة

مع الشريك في المشهد لا تدخل ناتاشا في سباق حضور
تدخل في مفاوضة على المسافة
تقترب بما يسمح للتيار أن يمرّ
وتبتعد بما يمنع الاحتراق
تجعل الطرف الآخر أفضل من نفسه
كأنّها تُلزم المقابل بصدقٍ يوازي صدقها
فيظهر ما هو حقيقي في ملامحه
ويتكشّف ما كان مختبئًا تحت الكلمات
هذا ليس كرمًا في الأداء فحسب
بل سياسة فنّية
تقوم على رفع اللقطة لا رفع الذات

طبقات الشعور تحت سطح الموقف

من السهل أن تُرى “سالي” بوصفها موقفًا
ومن الأصعب أن تُقرأ بوصفها مزاجًا متحوّلًا
ناتاشا تمنحنا الطريقتين
على السطح موقف واضح ودقيق
وتحت السطح تغيّر مستمر في درجة الشعور
تزيد نصف درجة حنانًا
ثم تنقص نصف درجة ثقة
ثم تُدخل نبرة صغيرة من الدفاع
ثم تُطفئها قبل أن تتحوّل إلى عاصفة
هذه الحساسية في المعايرة تجعل الشخصية حية
لا لأنّها تخطئ وتصيب
بل لأنّها تشعر ثم تعيد التفكير في شعورها

الأثر بعد انطفاء اللقطة

حين يخرج المشاهد من المشهد يبقى شيء يشبه العطر
ليس لأنّ الصورة جميلة
بل لأنّها صدقت
الصدق حين يقيم في وجه جميل يتحوّل إلى امتحان للنظر
هل سنكتفي بالإعجاب
أم سنسمح للألم الذي مرّ من العينين أن يمرّ من القلب
تترك ناتاشا وراءها أثرًا يصعب نسيانه
أثرًا من النوع الذي يذكّرك أنّ الفن ليس فقط ما يُرى
بل ما يظلّ يعمل فيك بعد أن لا ترى

خلاصة نقدية مكثّفة

أداء ناتاشا شوفاني في «سلمى» مرجع في كتابة الدور من الداخل
يبني الشخصية على اقتصاد حركي صارم
ويوزّع الكلام بدقّة محاسِبة
ويراهن على عينين تعرفان كيف تجعلان الكاميرا تُحبّ
يقدّم “سالي” كحضور يغيّر موقع الحكاية من ذاكرة ثابتة إلى ذاكرة قابلة لإعادة القراءة
لا تطلب تعاطفًا ولا تستدعي إدانة
تترك المشاهد يتورّط في المسافة الرمادية حيث تقيم الحقيقة عادة
وهناك
في تلك المسافة
يحصل الفن

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

نانسي خوري… لما العفويّة تصير فنّ مش صدفة - شربل الغاويليس في حضور نانسي خوري ضجيجُ «كاركتير» ولا استعراضُ براعة. هناك ش...
07/11/2025

نانسي خوري… لما العفويّة تصير فنّ مش صدفة - شربل الغاوي

ليس في حضور نانسي خوري ضجيجُ «كاركتير» ولا استعراضُ براعة. هناك شيءٌ أعمق: اقتصادٌ في الأداء يجعل كلّ تفصيلٍ ضرورة، وكلّ نظرةٍ جملةً كاملة. هذا الدور، الذي ينكسر فيه كثيرون بين مبالغةٍ وافتعال، تعاملت معه نانسي كمن يتهجّى الحقيقة على مهل، ويضع النقطة حيث يجب أن تنتهي الجملة، لا حيث تشتعل الكاميرا.

جرأة الاختيار هنا ليست في الاسم فحسب، بل في المنهج. صُنّاع «سلمى» راهنوا على ممثلة لا تتسوّل الانتباه، بل تعيد تربية الانتباه. وجهٌ نظيف، ملامح غير مُدَجَّجة بالمؤثّرات، عفويةٌ لا تصرخ كي تُسمَع، وهضامةٌ لا تُقايِض المشهد على ضحكةٍ سهلة. النتيجة: شخصية تُصدّقها قبل أن تُعرّفها، وكأنّها كانت في النصّ قبل أن يُكتب النصّ.

سرّ نانسي خوري أنّها تُهندس الصدق. العفوية عندها ليست تركَ الذات على سجيّتها، بل ضبطُها بنَفَسٍ موسيقي: شدٌّ حين يستلزم الإيقاع شدًّا، وإرخاءٌ عندما يتطلّب المعنى رِفْقًا. سترى كيف تُمسك آخر الكلمة على طرف الشفاه، وكيف تؤخّر الالتفاتة نصف ثانية لتمنح الصمتَ معنى. هذه تفاصيل لا تُدرَّس بسهولة، لكنّها تُلتَقَط بوعي ممثلةٍ تعرف أنّ المشهد لا يُلتقط بالكاميرا وحدها، بل بضمير العين.

في الشكل، ثمة جمالٌ «قابلٌ للتصدّق». لا كماليات ساحقة، ولا توقيع يصرخ «أنظروا إليّ». ملامح تُشبه الناس، لذلك تُقنع الناس. وهذه أعلى درجات الإغواء الفني: أن تجتذب المُشاهد لأنّك تشبهه، لا لأنّك تتعالى عليه. أمّا الهضامة التي يذكرها الجميع، فهي هنا وظيفة درامية لا زينةٌ لفظية. خفّتها لا تأتي كفاصلٍ ترفيهي، بل كجسرٍ إنساني فوق محطاتٍ قاسية. تضحك قليلًا كي تفتح نافذة هواء، ثم تُغلقها على حزنٍ أنيق لا يطلب الشفقة.

تختار نانسي حركةً واحدةً بدل عشر. هذه فلسفتها في الاقتصاد الدرامي: حركةٌ مصوَّبة خيرٌ من مهرجانِ إيماءات. لذلك تتذكّرُها بعد انتهاء الحلقة، لا لأنّها صاخبة، بل لأنّها مضبوطة النبرة. كلّما همّت بالمبالغة، تعود خطوةً إلى الوراء، وتترك للمعنى أن يتقدّم. هنا يلمع وعيها بتراتبية العناصر: المعنى أولًا، ثم الإحساس، ثم العبارة، ثم الزينة إن بقي مكان.

في المشاهد الحارّة، لا تضع دمعةً على خدّها وتنتظر التصفيق. إنّها تضع سبب الدمع في عينك أنت. تلك هي حرفة التأثير الحقيقي: أن تُقنع المُشاهد بأنّ ما يراه ليس صناعةً بل واقعة. وحين تضحك، لا تُعلن الفرح، بل تخفّف عنه، كمن يضع راحة اليد على كتفٍ يرتجف ويقول له بصمت: أنا هنا.

نجاح هذا الدور ليس مصادفة. هو حاصلُ جمعٍ بين حسٍّ إنسانيّ وذكاءٍ احترافيّ. الحسّ يوفّر الحرارة، والذكاء يحدّد الدرجة. الحسّ يُلهم اللحظة، والذكاء يحرّرها من البلل الزائد. وهكذا تتجنّب نانسي فخَّ «التمثيل عن التمثيل»، وتقدّم أداءً عن الإنسان. هذه نقطة التحوّل: من ممثلةٍ «تؤدّي» إلى ممثلةٍ تؤكّد الوجود.

يبدو كأنّها لا تفعل الكثير، بينما تفعل الأهمّ: تسحبُكَ إلى مستوى التنفّس نفسه. تُبطئ الإيقاع حين يتسارع، وتُسرّع النطق عندما يثقل، فتمنع المشهد من الانزلاق إلى الميلودراما أو الهزل. هذا الضبط الإيقاعي لا يُرى في اللقطة، بل يُحَسّ في الذاكرة. تخرج من المشهد وفي أذنك بقاياُ نفسٍ ليس لك، وفي صدرك مساحةٌ فُتحت لتُوضَع فيها حكاية.

لذلك كان الاختيار قويًّا. لأنّه اختار المُمكن الصعب: ممثلةً تُشبه الشخصية حدَّ التطابق، من دون أن تُفقدها الفنّ. ممثلةً تعرف أنّ العفوية ليست إذنَ عبورٍ للفوضى، بل انضباطُ الطبع بوعيٍ جماليّ. وممثلةً تمتلك تلك «الهضامة الجادّة» التي لا تُخجِلُ الدراما، بل تحرسها من قسوتها.

في «سلمى»، نانسي خوري ليست مجرّد إضافة. إنّها ميزان حرارة يضبط حرارة المشاهد. ترفع درجة حنانٍ هنا، وتُلطّف حدّةً هناك، وتترك في النصّ طبقةً بشرية يصعب تدوينها على الورق. وإذا سألتَ: ما الذي ميّزها؟ أقول لك ببساطة العارفين: قلّة الفعل وكثرة الأثر. وهذه معادلة المحترفين الكبار.

هكذا يُصنَع الدور الذي «يصعب أن تنجح فيه ممثّلة». لا بفيضٍ من الحِيَل، بل بشجاعة التقليل. لا بعرضِ قوّة، بل بقوّة الامتناع. وحين تمتنع نانسي عن الزائد، يظهر اللازم بكامل ضيائه. هناك يتجلّى الفنّ في منطقه الأجمل: أن تُطفئ الفائض، لتضيء الجوهر.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

مشهد صامت يقشعر له البدن كطعنة في ضوء ناعملا موسيقى ولا صوت سوى أنين داخلي في قلب المشاهدالهدوء هنا أبلغ من الصراخيضرب ا...
29/10/2025

مشهد صامت يقشعر له البدن كطعنة في ضوء ناعم
لا موسيقى ولا صوت سوى أنين داخلي في قلب المشاهد
الهدوء هنا أبلغ من الصراخ
يضرب الصدر برجفة لا تُرى ويترك الحلق جافًا من الدهشة

المشاهد لا يسمع بل يحس
يشعر بالوجع وهو يتسرّب من الصورة إلى عظامه
كأن الصمت نفسه يبكي،
وكأن كل نفس يخرج منه يصبح مشاركة في الوجع

لا أحد يتكلم، لكن الجميع ينكسر
الدمع لا يسقط، بل يتجمّد في المقلتين
مشهد يتركك بلا صوت…
فقط نبضٌ خائف، ووجعٌ لا يحتاج ترجمة

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

سلمى… إزعاجٌ يُشبه الحقيقةمزعجٌ… نعم، لكنه الإزعاج الذي يشدّك من الياقة منذ اللحظة الأولى لأنّه صادق على نحوٍ موجع. يقدّ...
30/09/2025

سلمى… إزعاجٌ يُشبه الحقيقة

مزعجٌ… نعم، لكنه الإزعاج الذي يشدّك من الياقة منذ اللحظة الأولى لأنّه صادق على نحوٍ موجع. يقدّم سلمى الفقر لا كخلفيّة رمادية تُزيّن الحكاية، بل كبنية سردية كاملة تتنفّس عبر التفاصيل: جدران تضيق حتى على الهواء، مائدة تتعثّر في لقمتها، إيقاع بطيء يجرّ الخطى كي يشعر المشاهد بثقلها. الصورة هنا ليست زينة، بل شهادة، والصمت ليس فراغًا، بل امتلاء بالأسئلة عن معنى الكرامة حين تتحوّل الحياة إلى امتحان يومي للنجاة. بهذا الاشتغال، ينقل العمل الفقر من مستوى التعاطف العابر إلى مستوى التجربة الحيّة، فيعلّق المشاهد على حافة المقعد، لا لأنّ الأحداث صاخبة، بل لأنّ الصدق الذي يرشح من العيون والأشياء يقلب القلب على وجهه. وهكذا يصبح الإزعاج وظيفة جمالية: يهزّك لتُبصر، لا ليؤذيك، ويجبرك على مواجهة ما اعتدنا تمريره سريعًا من دون اكتراث.

ومن داخل هذا الضغط الأخلاقيّ تنبثق المفارقة التي يشحن بها المسلسل توتّره: ميرنا، الأخت التي تعيد تعريف القرب لا كملاذ، بل كساحة اختبارٍ للمشاعر حين يبهت التعاطف. حضورها البارد، نبرتها الخالية من العاطفة، وطريقة توزيع الصمت والكلمة حولها، كلّها أدوات تصنع قسوةً محسوبة تضاعف وجع سلمى من الداخل، فتلتقي قسوة الظروف بقسوة العلاقة لتولّد أثرًا ثقيلًا على المتلقّي. نقديًا، هذا الخيار يفتح محورين معًا: محور اجتماعي يعرّي هشاشة شبكة الأمان عند الفقراء، ومحور نفسي يفكّك هشاشة الروابط حين تُختبر تحت الضغط. وبلاغيًا، يظلّ العمل وفيًّا لجوهره: يكتب حقيقته بلغة العيون والسكوت، ويترك للمتفرّج مهمّة قراءة التضادّ بين يدٍ تمتدّ للنجاة وأخرى تتردّد. لهذا يبقى سلمى مزعجًا بالمعنى النبيل للكلمة: عملٌ يجعل الدموع ممكنة، لا لأنّه يستدرّها، بل لأنّه يضعنا أمام مرآة لا تجامل فنرى ما كنّا نؤجّل رؤيته.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

رنا كرم… ديما، صديقة تضيء العاصفة بنظرةليست كل الأدوار تحتاج بطولة كي تترك أثرها، أحياناً يكفي حضور ممثل يعرف كيف يزرع ا...
05/09/2025

رنا كرم… ديما، صديقة تضيء العاصفة بنظرة

ليست كل الأدوار تحتاج بطولة كي تترك أثرها، أحياناً يكفي حضور ممثل يعرف كيف يزرع الشكّ في نبرة، أو يترك الخيانة تختبئ في نظرة. هكذا حضرت ديما، بصوت رنا كرم وأدائها الذي جمع بين المكر العابر والصدق المموّه. لم تكن زميلة عادية لسلمى، بل كانت تلك الشعرة التي تفصل بين الفضول والكارثة.

رنا كرم لم تقدّم الدور بعاديّة أو مرورٍ عابر، بل صاغته كأنها تعزف على وترٍ داخليّ مشدود. نظراتها لم تكن حيادية، بل محمّلة بما يكفي من الدهاء لتجعل المشاهد يتساءل: هل ديما تنصح بصدق، أم تدفع نحو الهاوية؟ نبرة صوتها حين حثّت سلمى على فتح رسائل زوجها كانت أشبه بوشوشة شيطانة متخفّية، لكنها أيضاً حملت مسحة صديقة تخاف من خيانة قادمة. هذا التناقض هو سرّ قوّة الأداء: أن تترك الباب مفتوحاً على أكثر من احتمال.

بلاغة الحضور لم تكمن فقط في الكلمات، بل في المساحات التي تركتها بين كلمة وأخرى، في الابتسامة الخاطفة التي تشبه طعنة، وفي طريقة جلوسها وكأنها تعرف أكثر مما تقول. بهذا التوازن، جعلت “ديما” شخصية ثانوية تتحوّل إلى علامة فارقة، تفتح شرخاً درامياً وتضع “سلمى” في مواجهة قدرها.

إنها براعة الممثل حين يجعل من جملة عابرة حدثاً، ومن دور محدود مساحةً شاسعةً للتأويل. ديما لم تكن مجرد شخصية، بل كانت الشرارة التي أطلقت العاصفة، وأداء رنا كرم جعل هذه الشرارة تلمع في ذاكرة المشاهد كأنها حريقٌ لا يُطفأ.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

سلمى… حين يُسرق الراتب وتُسرق معه الروحأيُّ حياةٍ هذه التي تُلقي بإنسانٍ أعزل في وجه الذئاب؟ أيُّ قدرٍ هذا الذي يجعل من ...
03/09/2025

سلمى… حين يُسرق الراتب وتُسرق معه الروح

أيُّ حياةٍ هذه التي تُلقي بإنسانٍ أعزل في وجه الذئاب؟ أيُّ قدرٍ هذا الذي يجعل من راتب شهرٍ كامل آخر خيطٍ يتدلّى بين الكرامة والجوع؟

سلمى… امرأة تمشي بخطواتٍ مثقلة كأنها تحمل الأرض فوق كتفيها. في حقيبتها أوراقٌ قليلة، لكنها تساوي عندها بيتًا مأهولًا، سقفًا لا يسقط على أولادها، وليلًا أقل قسوة. حين طرق هلال بابها، طالبًا الإيجار، لم تجد ما تُخفيه، ولا ما تُبرّر به سوى جملةٍ مهزومة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين: «اليوم أقبض راتبي وأعطيك.» جملة قصيرة، لكنها كانت عندها أشبه بعهْد حياة.

ولأن الدراما تُشبه الحياة، لم يأتِ هذا المشهد منذ البداية. بل انتظرنا حلقاتٍ عدّة لنتعرّف إلى سلمى، لنعتاد على ملامحها، على وجعها الصامت، وعلى إصرارها على أن تبقى واقفة رغم الانكسار. كنّا بحاجة إلى وقت لنقترب منها، لنشعر أنّها واحدة منّا، قبل أن يصفعنا القدر بمشهدٍ يمزّق القلب. لذلك حين سقطت على الطريق، لم نسقط معها كمتفرّجين، بل كأقرباءٍ وأصدقاء، كأنّ جرحها جرحنا نحن.

على الرصيف، بين غبار النهار وصخب المارة، كان لصّان يترصّدان بدمٍ بارد. في لحظة، اندفع أحدهما ليدفعها بقسوة، كأنّ الجدار نفسه لفظها، بينما الثاني خطف حقيبتها كما لو أنّه ينتزع قلبها من صدرها. لكنها لم تستسلم. أمسكت بالحقيبة بكل ما بقي لها من قوة، شدّت عليها كأنها تشدّ على آخر خيط حياة. كان هو يسحب، وهي تشدّ، يجرجرها على الطريق كدميةٍ مكسورة، وهي تتشبّث كأنّها تتمسّك بآخر أمل لها قبل أن يطردوها من المنزل الذي وجدته من جديد. كان المنزل بالنسبة لها أكثر من جدران، كان ملاذًا من التشرد، وكان الراتب مفتاح بقائه. لذلك لم تُقاتل من أجل حقيبة نقود، بل من أجل بيت، من أجل مأوى، من أجل الكرامة.

سقطت سلمى على الإسفلت، وارتطم جسدها الضعيف بأرضٍ لا ترحم. ارتجّت الشوارع بصرخة مكتومة: ليست الحقيبة وحدها من ضاعت، بل الكرامة، بل الأمان، بل الطمأنينة التي كانت تتشبّث بها لتبقى حيّة.

إنّ المشهد لم يكن مجرّد تفصيل درامي، بل امتحان قاسٍ لعلاقتنا بها. نحن الذين رافقناها منذ الحلقات الأولى، وشاركناها تعبها، أصبحنا نصرخ معها في الداخل: ما أقسى هذه الحياة! فالفقر ليس عجزًا فقط، بل فخٌّ منصوب في كل زاوية، ينتظر لحظة غفلة كي يسرق منك حتى ما جمعته بعرق جبينك.

وهنا يتجلّى الأداء البارع للممثلة مرام علي، التي حملت شخصية سلمى بكل تفاصيلها، وجعلتنا نصدّق وجعها كأنّه وجعنا. بصدق تعابيرها وانكسار عينيها وصوتها المرتجف، صارت سلمى أكثر من دور، صارت كائنًا حيًّا يسكن وجداننا، حتى شعرنا أنّ سقوطها سقوطنا نحن.

سلمى في سقوطها صارت رمزًا. رمزًا لكل إنسانٍ يدفع ثمن العرق مرتين: مرّة في العمل، ومرّة في خسارته على قارعة الطريق. وصدى وجعها يظل يلاحقنا كجرسٍ لا يصمت: هل يُعقل أن يتحوّل الراتب، ذاك الخيط الرفيع بين البقاء والانكسار، إلى غنيمةٍ يتقاسمها لصّان؟ وهل يُعقل أن تبقى الروح وحيدة، بلا سندٍ، في مدينةٍ تعرف كيف تُحني ظهر الفقراء وتسرق أنفاسهم؟

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

نساء مختلفات في الملامح والطباع، لكل واحدة قناع يخفي وجهًا آخر… بين حنانٍ غائب وقسوةٍ ظاهرة وخداعٍ يحترف لعبة البقاء. بع...
02/09/2025

نساء مختلفات في الملامح والطباع، لكل واحدة قناع يخفي وجهًا آخر… بين حنانٍ غائب وقسوةٍ ظاهرة وخداعٍ يحترف لعبة البقاء. بعضهن يعبرن طريق سلمى كظل، وبعضهن يقفن في وجهها كجدار.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Address

Beirut

Telephone

+9613509920

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when PICA Hub posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share

Category