PICA Hub

PICA Hub Perspective Insight Critique & Analysis Hub
CEO Film Critic Charbel El Ghawi

مركز وجهة نظر للنقد والتحليل PICA
مدير المركز الناقد السينمائي شربل الغاوي

من وفاء إلى رولا… المهنة لا تتبدّلليست مصادفة أن تلتقي شخصية وفاء في مسلسل سلمى وشخصية رولا في مسلسل ليل عند المهنة نفسه...
02/01/2026

من وفاء إلى رولا… المهنة لا تتبدّل

ليست مصادفة أن تلتقي شخصية وفاء في مسلسل سلمى وشخصية رولا في مسلسل ليل عند المهنة نفسها. صحيح أنّ النص مختلف، والقصة مختلفة، وكل المسارات الدرامية متباينة، لكن الحديث هنا ليس عن تشابه الأعمال، بل عن تكرار المهنة نفسها مع الممثلة ذاتها. في العملين، تظهر فرح بيطار كطبيبة، وكأنّ هذا الدور تحوّل إلى صورة جاهزة تُعاد بلا كسر أو مغامرة.

ويزداد هذا التكرار وضوحًا حين نلاحظ أنّ في مسلسل ليل خطًا دراميًا مرتبطًا بتحليل الحمض النووي DNA، وهو مسار كانت شخصية وفاء في سلمى تساعد أيضًا في جوانب قريبة منه. قد تختلف التفاصيل، لكن الفكرة تعود لتلتقي عند النقطة نفسها، ما يجعل التكرار أوضح من أن يُتجاهل.

وأحيانًا، أمام هذا التشابه، لا يسع المرء إلا أن يتخيّل الكواليس: ضحكة عابرة بين فريق العمل، تعليقًا خفيفًا من نوع “هذا الدور سبق وصوّرناه وعملناه”، وكأنّ التكرار أصبح أمرًا مألوفًا لا يستحق التوقّف عنده. لكن ما يبدو تفصيلًا مضحكًا في موقع التصوير، يتحوّل على الشاشة إلى صورة ثابتة تلتصق بالممثلة في وعي الجمهور.

المشكلة ليست في المهنة ولا في قيمة الدور، بل في تكراره مع الوجه نفسه، ما يختصر الشخصية قبل أن تتشكّل. التعريب لا يفرض هذا التطابق، بل يسمح بتجاوزه لو وُجدت الجرأة. وفي المقابل، الممثلة ليست مجرّد منفّذة صامتة، بل شريكة في الصورة التي تُصنَع لها. القبول بالتكرار اليوم قد يتحوّل غدًا إلى حصر فعلي يصعب الخروج منه، لأن الحصر لا يبدأ عندما تُغلَق الأبواب، بل عندما يُفتح الباب نفسه مرّتين من دون اعتراض.

شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي

سعيد سرحان يقدّم شخصية مختلفةعندما نرى شيئًا يستحقّ النقد، يجب أن ننتقد، وعندما نرى شيئًا صادقًا، يجب أن نُعطيه حقّه. من...
02/01/2026

سعيد سرحان يقدّم شخصية مختلفة

عندما نرى شيئًا يستحقّ النقد، يجب أن ننتقد، وعندما نرى شيئًا صادقًا، يجب أن نُعطيه حقّه. من هنا يُقرأ أداء سعيد سرحان في شخصية بلال منذ الحلقات الأولى من ليل. اختار أن يذهب عكس المألوف، أن يخلع فائض الأداء ويقف في منطقة الخفوت المقصود، حيث البساطة ليست ضعفًا بل امتحانًا. بلال رجل عادي، صوته منخفض، حضوره غير صاخب، لكن من المشاهد الأولى نلاحظ أنّ الكاركتير «ملعوب» بإحكام، وأن الهدوء هنا قرار فني لا فراغ تمثيلي. هذه جرأة تُحسب، وخيار يستحق الإنصاف، لأن سعيد سرحان بدّل جلده باكرًا وتنازل عن الإبهار السهل ليقدّم شخصية بسيطة في ظاهرها، عميقة في ما تخفيه، فتترك أثرها من دون أن ترفع صوتها.

شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي

كليشيه الدبكة في الحلقة الأولى من المسلسلات المعرّبةتتكرّر الدبكة في المسلسلات المعرّبة لا بوصفها تفصيلاً فولكلوريًا عاب...
02/01/2026

كليشيه الدبكة في الحلقة الأولى من المسلسلات المعرّبة

تتكرّر الدبكة في المسلسلات المعرّبة لا بوصفها تفصيلاً فولكلوريًا عابرًا، بل كإشارة افتتاحية جاهزة، تُستدعى كلّما احتاج العمل إلى جرعة هوية سريعة ومباشرة. اللافت أنّ هذا المشهد يُعاد غالبًا في الحلقة الأولى تحديدًا، وكأنّ الدبكة تحوّلت إلى لازمة إلزامية لا يُفتتح العمل من دونها، والأوضح أنّها تُقدَّم دائمًا تقريبًا مع بطل المسلسل نفسه، كأنّ الرقصة صارت جزءًا من تعريف الشخصية الرئيسية قبل أن نعرف ملامحها أو دوافعها. شاهدنا ذلك في مسلسل القدر مع قصي خولي، ويتكرّر اليوم المشهد نفسه تقريبًا في مسلسل ليل مع محمود نصر، بالروح ذاتها، وبالوظيفة نفسها، وبالرسالة نفسها.

الدبكة هنا لا تنبع من سياق درامي حقيقي، بل تُزرع في المشهد كعلامة تعريف سريعة للبطل تحديدًا، تقول للمشاهد منذ الدقيقة الأولى إن هذا هو ابن البيئة الشعبية، القريب من الناس، المنتمي تلقائيًا إلى الجماعة، من دون أن تكون هذه الرقصة ضرورة درامية أو امتدادًا طبيعيًا للحكاية. هكذا تتحوّل الدبكة من فعل جماعي له مكانه ووقته إلى أداة اختزال، تُستعمل لتسويق الشخصية الرئيسية بدل بنائها دراميًا.

المشكلة ليست في الدبكة بحدّ ذاتها، فهي جزء أصيل من الذاكرة الجماعية، بل في استخدامها الميكانيكي المتكرّر، حتى بات حضورها متوقّعًا وخاليًا من أي دهشة أو قيمة إضافية. وحين تتكرّر الافتتاحية نفسها من مسلسل إلى آخر، تُفرَّغ الدبكة من رمزيتها، وتتحوّل من فعل حيّ إلى كليشيه بصري محفوظ، يُستعمل كقالب جاهز بدل البحث عن لغة بصرية أصدق وأكثر جرأة.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا أكثر من أي وقت مضى: هل تحتاج الدراما المعرّبة إلى دبكة في الحلقة الأولى مع بطل العمل كي تُثبت هويتها وتُقنع المشاهد بقرب الشخصية منه؟ أم أنّ النص، والأداء، وبناء الشخصيات، قادرة وحدها على ترسيخ الانتماء من دون هذا التكرار الذي يقتل المعنى بدل أن يخدمه؟

شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي

كورال أون… حين تتقاسم الحناجر وجع الأغنية – شربل الغاويفي مشهدٍ غنائيٍّ عربيٍّ اعتاد أن يرفع الفرد إلى مرتبة الأسطورة، و...
01/01/2026

كورال أون… حين تتقاسم الحناجر وجع الأغنية – شربل الغاوي

في مشهدٍ غنائيٍّ عربيٍّ اعتاد أن يرفع الفرد إلى مرتبة الأسطورة، وأن يختصر الموسيقى في حنجرة واحدة واسمٍ واحد ولمعةٍ واحدة، يجيء كورال أون، وهو كورال مصري الروح والهوية، كأنّه اعتراضٌ هادئ على الضجيج، وكأنّه تذكيرٌ بأن الفن لا يحتاج دائمًا إلى بطلٍ منفرد كي ينتصر. هنا لا تُباع العاطفة بالصوت العالي، ولا تُستجدى الدهشة بالاستعراض. هنا تُصاغ الأغنية كحياةٍ مشتركة: أصوات تتقاطع بلا صدام، وتتماسك بلا قسوة، وتقول ما تريد من دون أن تصرخ.

ما يميّز كورال أون أنّه لا يتعامل مع الصوت كوسيلة للظهور، بل كقيمةٍ أخلاقية قبل أن يكون مهارة. الأصوات عندهم لا تركض إلى المقدّمة، ولا تتقاتل على الضوء، ولا تتسابق على جملةٍ تطفو فوق الباقين. الأغنية تُبنى في هذا الكورال كما تُبنى الذاكرة: طبقةً فوق طبقة، نسمةً فوق نسمة، إلى أن تتكوّن هيئةٌ كاملة لا تستطيع أن تفصل فيها الصوت عن المعنى. صوتهم لا يطرق الباب. يدخل بلا استئذان. لا لأنه يغزو، بل لأنه صادق، ولأن الصدق لا يعتذر ولا يستأذن حين يأتي.

وكان التعرّف إليهم، عند كثيرين، من خلال أدائهم لأغاني فضل شاكر. وفضل شاكر، لمن يعرفه كما يجب، ليس مطربًا فحسب، بل جرحٌ مغنّى، وحساسيةٌ لا تحتمل المبالغة، وصدقٌ إذا لمسَته زينةٌ زائدة اختنق. تلك الأغاني تُدمَّر بسهولة حين تُقدَّم جماعيًا، لأن الجماعة غالبًا ما تُحوّل الوجع إلى عرض، والشجن إلى تمرين، والدمعة إلى تقنية. لكن كورال أون فعل العكس. لم يطلِ على الألم ليُخفيه، ولم يطرِّز الحزن ليصير لطيفًا، بل تركه يتوزّع على الأصوات كأنّه قدرٌ مشترك، فصار الوجع أوسع، لا أخفّ، وصار الصدق أشدّ حضورًا، لا أقلّ. كأن الأغنية حين تُشارَك، لا تخسر إنسانيتها، بل تستعيدها من جديد.

وهنا، لا يمكن فصل هذا الأثر عن وعيٍ واضح في حسن اختيار الأغاني. قوّة كورال أون في وصوله لا تأتي من الأصوات وحدها، بل من معرفته ماذا يغنّي ومتى يغنّي. هناك حسّ انتقائي يميّز بين الأغنية الضاربة التي تملك ذاكرة مشتركة، وبين الأغنية الجميلة التي تستحق أن تُعاد إلى الضوء. لا يُغنّى ما هو رائج لمجرّد الرواج، ولا تُستدعى الأغنية لأنّها سهلة، بل لأنّها قادرة على حمل الصوت، وعلى استقبال الجماعة من دون أن تنكسر. هذا الوعي يجعل كل أغنية جسراً، لا مجرّد اختيار، ويمنح الأداء صدقه قبل أن يمنحه جماله.

وهذا الإحساس ليس وليد تسجيلٍ محفوظ، ولا ابنَ صورةٍ مرفوعة على شاشة. حتى في الأداء الحي، حيث لا مونتاج ينقذ كسرة، ولا رتوش تُخفي ارتباكًا، يظلّ الشعور نفسه قائمًا. هناك، في اللحظة العارية، يتبيّن أن ما يفعله كورال أون ليس تأثيرًا صنعته كاميرا، بل حالةٌ تنبع من الداخل. ترى الانسجام وهو يتنفّس، وتسمع النظام وهو يتحوّل إلى عاطفة، وتشعر أن ما يصل إليك ليس “أداءً” بقدر ما هو اعترافٌ جماعي.

وفي الفيديوهات التي يصوّرونها، يتكشّف وجه آخر من هذه الحالة. هنا لا تشعر أنك أمام تسجيلٍ مُحضَّر ببرود، بل أمام لحظة حبّ حقيقي. الوجوه مضيئة، والضحكات صادقة، كأن الموسيقى لا تخرج من الحناجر فقط، بل من العيون أيضًا. ثمة شيء يُشبه تحليق الملائكة، لا بمعناه المجازي السهل، بل بذلك الإحساس الخفيف الذي يجعلك تشعر أن الأصوات أخفّ من الهواء. الأيدي لا تبقى جامدة، بل ترسم الأغنية في الفضاء، تتحرّك كأنها تشرح المعنى قبل أن يكتمل الصوت، وكأن الجملة الموسيقية تحتاج إلى كفٍّ ترافقها كي تصل. كل حركة، كل إيماءة، كل ابتسامة، تقول إن ما يُغنّى ليس واجبًا ولا أداءً، بل حبّ صافٍ، يُقال كما يُقال الدعاء.

وعندما يقترب كورال أون من اللهجة اللبنانية، أو من أي لهجة عربية أخرى، لا يفعل ذلك كمن يعبر لغةً ليست لغته، بل كمن يحمل روحه المصرية معه أينما ذهب. تشعر أن الأداء، مهما تنوّعت اللهجات، يبقى مشدودًا إلى دفءٍ مصريٍّ واضح، إلى إحساسٍ يعرف كيف يحتضن الكلمة قبل أن ينطقها. اللهجة لا تُستعار، بل تُعامَل باحترام، والنبرة لا تُقلَّد، بل تُفهَم. هنا يرهف القلب، لا لأن الصوت جميل فحسب، بل لأن الصدق واحد، مهما اختلفت اللهجات.

أما الاقتراب من فيروز، فهو امتحانٌ لا يخصّ الصوت وحده، بل يخصّ الضمير الفني. فيروز ليست أغنية تُعاد بسهولة، بل ذاكرة تُلامس بحذر، لأن فيها ما لا يقبل العبث. كثيرون يقتربون من فيروز ليكسبوا هيبةً سريعة، فيسقطون أمامها لأنهم أرادوا أن يعلوا عليها. كورال أون يقترب منها بطريقة مختلفة: بخفّة العارف، وبمسافة احترام. لا تحديث قسريًا، ولا تفكيكًا يربك الروح، ولا تزيينًا يطمس الأصل. الأغنية تُترك لتقود، والكورال يمشي خلفها، فتأتي النتيجة كأنها صلاةٌ موزّعة على الحناجر، لا استعراضًا على المسرح.

ويُسجَّل في هذه التجربة حضورٌ لافت لأصوات الفتيات، حضور لا يطلب الدهشة بالارتفاع، ولا يلاحق الإعجاب بالقفزات، بل يفرض أثره بالنقاء. أصوات تبدو كأنها ملائكة، لا بوصفٍ سهلٍ يُقال، بل لأن فيها صفاءً يذكّرك بما فقدناه في زمن الضجيج. تدخل النغمة من دون عنف، وتُمسك المعنى من دون شدّ، وتضع الضوء داخل العمق بدل أن تكتفي بإضاءة السطح. بهذا الحضور تتوازن الكتلة الصوتية، ويصبح الغناء الجماعي مساحة إحساس حيّة، لا جدارًا صوتيًا صلبًا.

خلف هذا التماسك تقف قيادة موسيقية تعرف أن الكورال ليس تجميع أصوات، بل هندسة شعور. قيادة المايسترو محمود صابر لا تقوم على ضبط الإيقاع وحده، بل على ضبط المزاج الداخلي للعمل، على توزيع الهواء بين الحناجر كما يُوزَّع الضوء في لوحة، وعلى جعل كل صوت يعرف متى يتقدّم ومتى يتراجع، كي لا يُكسر المعنى ولا تُجرح الأغنية.

في المحصّلة، كورال أون ليس مشروعًا استعراضيًا، ولا ظاهرةً تبحث عن لحظتها، ولا صوتًا يلمع ثم يختفي. هو تجربة مصرية في روحها، عربية في اتساعها، تبني أثرها ببطءٍ يشبه الذهب حين يتشكّل: لا يَظهر فجأة، لكنه حين يكتمل يصبح أثمن من أن يُنسى. وفي زمنٍ يعلو فيه الضجيج حتى يغطي على الصدق، يختار هذا الكورال أن يُسمَع بلا صخب، وأن يبقى بلا ادّعاء. وحين ينتهي الغناء، لا تبقى الأغنية في الأذن فقط، بل في مكانٍ أعمق… حيث لا يصل إلا ما كان صادقًا.

شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي

بكاءٌ يعلّمنا الحبّ من جديد… طوني عيسى في قمّة اعترافهما الذي كان يريده طوني عيسى منّا؟أكان يعيدنا إلى الحبّ أم يعيد الح...
24/11/2025

بكاءٌ يعلّمنا الحبّ من جديد… طوني عيسى في قمّة اعترافه

ما الذي كان يريده طوني عيسى منّا؟
أكان يعيدنا إلى الحبّ أم يعيد الحبّ إلينا؟
لكن الواضح أنّ خوفه فوق جسد «سلمى» لم يكن تمثيلًا، بل مواجهة حقيقية مع احتمال فقدانها.

دموعه لم تكن حوارًا، بل انهدامًا داخليًا:
رجلٌ يحبّ حدّ الذوبان… ويخشى الخسارة حدّ الانكسار.

نظره إليها ممدّدة، صامتة، جعل الزمن يختنق حوله.
اقترب من فم لا يجيبه، فقبّلها كما يقبّل أحدهم الحياة حين يحاول إنقاذها من الموت.

كان يبكي الفكرة… لا الحدث:
فكرة أن يختفي وجهٌ يحبّه فجأة.
يبكي اللحظات المهدّدة، الذكريات المعلّقة، والحبّ حين يشعر بأنّه على حافة اليُتم.

أداء طوني عيسى لم يكن دورًا، بل اعترافًا كاملًا.
وبكاؤه… هو الذي أعاد للحبّ مكانه بين قلبٍ يخاف، وقلبٍ لا يعرف أن يقفل أبوابه.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

أحمد جاويش… طفلٌ بوهج نجم، يقفز فوق عمرهأحمد جاويش لا يمثّل؛ هو يقتحم الشاشة. في سلمى، لم يكن «شادي» دوراً بل حالة: طفلٌ...
16/11/2025

أحمد جاويش… طفلٌ بوهج نجم، يقفز فوق عمره

أحمد جاويش لا يمثّل؛ هو يقتحم الشاشة. في سلمى، لم يكن «شادي» دوراً بل حالة: طفلٌ يقطر صدقاً، يلوّن المشهد بنظرة، ويهزّ الإحساس بنَفَس واحد. يقف أمام الكبار من دون رهبة، كأن الحرفة سكنت فيه قبل أن يتعلّمها.

يؤدّي بعُمق لا يُفترض أن يكون في هذا العمر، وبحدسٍ يجعل اللحظة أطوع له من المحترفين. وهكذا يرسّخ حضوره: موهبة تولد كاملة… وطفلٌ ينافس الكبار لا بالجرأة فقط، بل بالقيمة.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

آسر وسلّمى… الفرق كلّ الفرق لصالح «سلمى»لن أنتظر نهاية «سلمى» كي أحكم. العمل قال كلّ شيء من أولى حلقاته، كأنّ الدراما نف...
13/11/2025

آسر وسلّمى… الفرق كلّ الفرق لصالح «سلمى»

لن أنتظر نهاية «سلمى» كي أحكم. العمل قال كلّ شيء من أولى حلقاته، كأنّ الدراما نفسها قرّرت تستعيد هيبتها بعدما غابت كثيرًا في مسلسلاتٍ تشبه وقتًا ضائعًا لا نعرف من يخسره ومن يربحه.

«آسر» كان فكرة جميلة عُلّقت على جدار البطء. مسلسلٌ حملنا بوعدٍ كبير، ثم تركنا نتمشى في ممرّات فارغة، لا نعرف إلى أين نمضي ولا لماذا نحن هناك أصلًا. الوقت تمدّد فيه بلا ضرورة، والحبكات مرّت كظلّ لا يترك أثرًا. كأنّ العمل وُلد معطّل النفس، يمشي ولا يصل، يحكي ولا يقول، يلمّح ولا يجرؤ أن يعلن.
كان يمكن أن يكون أقوى، كان يمكن أن ينهض، لكنه اختار أن يسبح في الفراغ.

في المقابل، جاء «سلمى» مثل صفعة فنية توقظ المتلقي. لا يتركك تتنفس خارج إيقاعه، ولا يسمح لحلقة بأن تمر بلا أثر. الحبكات ليست مجرد التفافات سردية؛ هي محرّكات مشاعر. الإثارة ليست مفتعلة؛ بل مبنية على ترابط منطقي يمنح الشخصية وزنًا، والحدث ضرورة، واللحظة معنى. وحتى الحب، ذاك الذي تعبنا من تفريغه في الدراما، عاد في «سلمى» كثيفًا، واقعيًا، يوجِع دون أن يتباكى.

الفارق بين العملين ليس مجرد نجاح مقابل تعثّر.
الفارق… أنّ «سلمى» يعرف ماذا يريد، و«آسر» لم يعرف لماذا وُجد.

«سلمى» لا يطيل الطريق كي يصل، بل يعطي كل حلقة حقّها.
«آسر» أطال الطريق… حتى ضاع الهدف.

«سلمى» يقدّم دراما تصنع الانفعال.
«آسر» يقدّم وقتًا لا يعرف أين يصرف نفسه.

حين تتابع «سلمى»، تشعر أنّ الفريق يضع روحًا في كل مشهد.
حين تتابع «آسر»، تشعر أنّ الفريق يضع خطوات بلا اتجاه.

لهذا لن ننتظر النهاية. النهاية واضحة منذ الآن:
«سلمى» يكتب نفسه، أمّا «آسر» فكتبنا نحن نهايته… بعدما تعبنا من الانتظار.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

المشهد الذي يُعيدنا إلى الحبّكان البحر يخبئ صوته في حضن الشاطئ، والنسيم يمرّ خفيفًا بين الكراسي الخشبيّة كذكرى تمشي على ...
11/11/2025

المشهد الذي يُعيدنا إلى الحبّ

كان البحر يخبئ صوته في حضن الشاطئ، والنسيم يمرّ خفيفًا بين الكراسي الخشبيّة كذكرى تمشي على رؤوس أصابعها. في المقهى القريب من الماء جلس عادل وسلمى، وبينهما فنجان قهوة يبرد ببطء كقلبٍ يتعلّم الصبر من جديد. الضوء ينساب على الطاولة مثل ماءٍ صافٍ، والسكينة كثيفة حتى إن الحروف بدت خجولة من أن تكسر هدوء اللحظة.

كان عادل ينظر إليها كما لو أنه يقرأ وجعها من وراء الابتسامة. تنفّس بعمق وقال بصوتٍ يشبه الرجفة:
«أنا حاسس شي اتجاهِك… إذا إنتِ حاسّة بشي، خبريني. وإذا مش حاسّة، رح ضلّ حدّك».

ارتجفت نظرتها كشمعةٍ في مهبّ الصدق. سكتت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ متعبٍ وشفّاف:
«عادل… أنا مريضة، وعندي ولدين».

تلقّى الجملة في صدره قبل أذنه. لم يتحرك. كان كمن يعانق الحقيقة لكي لا تسقط على الأرض. قال بهدوءٍ موجوع:
«بعرف يا سلمى، بعرف».

اقترب خطوةً وصمت خطوة، ثم خرج منه الكلام كصلاة:
«ما رح فيّي أنطر تتشفي لقلك هيدا الحكي… بحبّك بكل حالاتك. بوجعِك، بتعبِك، بخجلك، بوجهِك الأحمر، بدمعتك وضحكتك. بحبّك بكل التفاصيل، بصحتِك وبكوتِك… بحبّك بكل الحالات وكتير».

قالت هي كمن يسلّم قلبه للنور:
«أنا ممكن موت… إنت بتعرف هيدا الشي، صح؟»

نظر إليها طويلًا، ثم نطق بوعدٍ لا يصدأ:
«بعرف كل شي يا سلمى… بعرف كل شي وما بيهمّني. بحبّك، ورح ضلّ حبّك».

في الخلفية، تتسلّل أغنية قصر الشوق لمروان خوري كدمعةٍ موسيقيّةٍ تلمع ولا تسقط:
«قول بحبّك، قلبي بيكبر وسِع الكون، ويرجع يزغر».

كبر الكون فعلًا بين عينيهما، ثم صغر حتى صار فنجانًا باردًا وارتجافة نفس، وصوت موجٍ يضع كفّه على كتف الحجر.

طوني عيسى لا يبكي كممثل، بل كرجلٍ تعبه الوحيد أنه يحبّ كثيرًا. دمعته ثقيلة، صافية، تمشي من القلب إلى العين بوقار اعتراف. كل رمشةٍ فيه كانت أناشيد صامتة تقول: أحبّك أكثر مما يطيقه الكلام. ومرام علي تضحك كي لا ينهار الضوء. ضحكتها وردةٌ على طرف جرحٍ عميق، وعيناها تؤجّلان البكاء لتبقى الصورة جميلة أمام وداعٍ خجول.

هذا ليس مشهد حبٍّ يطلب وعدًا بالسعادة.
إنه حبّ يختار البقاء ولو في قلبٍ يوجعه الأبد. صدقٌ يردّ للعيون ماءها الأوّل، ويعيد للقلب ذاكرة نبضه. لحظةٌ تصير فيها الكلمات جسرًا فوق خوفين، وتتحوّل القهوة إلى كتابٍ صغيرٍ يدوّن فيه عاشقان أسباب الحياة.

لهذا المشهد قدرة على إعادة الناس إلى الحبّ. من يراه يلمس أن الحقيقة حين تنطق بلا زينة، تهزم المرض وتغسل الخوف وتوقظ في الروح طفلةً كانت نائمةً قرب البحر. ومن يراه يعرف أن القلب مهما انكسر، يعرف الطريق إلى الخفقان إذا وجد عينين تقولان كلّ ما عجز عنه اللسان.

هو المشهد الذي يُعيدنا إلى الحبّ لأنّ الدموع فيه ليست هزيمة بل ماء. ولأنّ الموسيقى فيه لا ترافق الحدث، بل تمنحه جسدًا شفافًا يمرّ عبرنا ويتركنا أجمل وأكثر صدقًا. ولأنّ عادل في دموعه، وسلمى في ابتسامتها الأخيرة، صارا مرآةً لكلّ عاشقٍ خاف ولم يهرب. وفي تلك الدقيقة القصيرة، انفتح الأبد كنافذةٍ، ووقف البحر شاهدًا على معجزةٍ صغيرةٍ اسمها الصدق.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

ستيفاني عطالله في “سلمى”… ميرنا تسخر من مشاعرنا وتدير اللعبة خلف الكاميرا - شربل الغاويالعين التي تُشعل الحريققراءة نقدي...
10/11/2025

ستيفاني عطالله في “سلمى”… ميرنا تسخر من مشاعرنا وتدير اللعبة خلف الكاميرا - شربل الغاوي

العين التي تُشعل الحريق
قراءة نقديّة موسّعة في شخصية ميرنا كما جسّدتها ستيفاني عطالله

ليست ميرنا مجرّد شخصيةٍ مكتوبة على ورق، بل عُقدةٌ حيّة تُزرَع في صدر المشاهد، لتبدأ بعدها التجربة. منذ لحظة دخولها الشاشة، لا تحتاج إلى كلمات كثيرة كي تفرض حضورها. يكفي أن تتحرّك عيناها، ذلك التوتّر الهادئ، ذلك البريق الذي لا يُفسَّر، لتقلب المشهد من عاديّ إلى مشحون، من باردٍ إلى غامض.
إنها الشخصية التي لا تُستدرج إلى الحبّ، بل تُفرض على الكره. الكره هنا ليس نفورًا فقط، بل انفعالًا داخليًا متورّطًا، كأنّها تُعيد تعريف معنى الاستفزاز الفني.

حين تنطق العين قبل الفمّ

كلّ ما في ميرنا يبدأ من العينين. ليست نظرةً واحدة، بل عشرات الطبقات من التلميحات والتهديدات والاعترافات المبطّنة.
حين ترفع حاجبًا، فهي تُعلن الحرب. وحين تُطيل النظر، فهي تزرع الشكّ في كلّ من حولها. نظراتها ليست هاربة ولا ثابتة، بل متقلّبة كحرارة الزئبق.
تُحدّق ثم تنسحب بسرعة، كمن يترك جرحًا صغيرًا في كبرياء المتلقي.
العينان عند ستيفاني عطالله لا تؤدّيان، بل تأمران. هما رأس الحوار، ومركز الثقل، وجهاز الإنذار في الشخصية.

تلك النظرة الطويلة التي تأتي في منتصف الجملة، أو تلك الالتفاتة المفاجئة عند ختام الحوار، ليست حركاتٍ عفوية، بل أدوات ضبطٍ للإيقاع الدرامي.
حين تغضّ بصرها نصف ثانية فقط، يتحوّل الصمت إلى لغةٍ مُرعبة.
وحين تبتسم من دون أن تبتسم عيناها، يصبح الجمال نفسه تهديدًا، ويصير الوجه الجميل فخًّا بصريًا لا مفرّ منه.

جمالٌ لا يطلب التصفيق بل الهيمنة

جمال ميرنا ليس خجولًا ولا ناعمًا، إنّه سلاح.
العدسة لا تُحبّها فقط، بل تخافها أيضًا.
هي تعرف كيف تضع وجهها في الضوء لتلتقط أكثر زاوية استفزازًا ممكنة.
في لحظة واحدة، تستطيع أن تكون فاتنة وقاسية، ناعمة ومُتصلّبة، كأنّها تقول للمُشاهد: اقترب إن كنت تجرؤ.

هذا التناقض بين النعومة والحدّة، بين الفتنة والبرود، هو الذي يُولّد الكره. لأنّها تُشعل في المتلقي الرغبة في الاقتراب، ثم تُطفئها بنظرةٍ باردة.
إنها لا تُعطي المشاهد ما يريد، بل ما يخاف أن يريده.
وهنا تكمن عبقريّة الأداء: في تحويل الجمال إلى مصدرِ قلقٍ بصريّ لا يرتاح له القلب، ولو كانت العين لا تستطيع مقاومته.

لغة الجسد كترجمةٍ للنفس المضطربة

ستيفاني عطالله لا تمثّل بكلماتها فقط، بل بتموّجات الجسد التي تكشف وتخفي في الوقت نفسه.
كتفٌ يُدار ببطء، وظهرٌ لا يُحني، وخطوةٌ متردّدة لكنها تُحسب بالمليمتر.
تتحرّك كأنها تعرف أن الكاميرا تتربّص بكلّ إيماءة، فتُعطيها ما يكفي لتُربكها لا لتُرضيها.
الصوت ليس صراخًا، بل إيقاعٌ داخليّ يذكّرك أن ما يُقال أقلّ بكثير مما يُكتم.
حتى طريقة شربها للماء أو إغلاقها للهاتف تُصبح تمثيلًا مقنّنًا، لا صدفة فيه.

كلّ حركة في أدائها تُحمل معنى مضاعفًا: يدٌ تُرفع لا لتشير، بل لتمنع، خطوةٌ إلى الأمام ليست تقدّمًا بل تحدٍّ، ابتسامة صغيرة تختزل رغبة في السيطرة أكثر مما تختزل لطفًا.

الاستفزاز كعقيدة لا كصفة

لا تُستفزّ ميرنا من أحد، بل تُخطّط لاستفزاز الجميع.
تجيد فنّ إشعال الصراع من دون أن تلوّث يدها بالاتهام.
كأنها مصمّمة على أن تُبقي الجميع في حالة غليان دائم، لا يملكون معها لا الانسحاب ولا المواجهة.
استفزازها ليس ضوضاء، بل إستراتيجية هدوء.
كلّ جملةٍ تقولها مصمّمة لتضرب على عصبٍ ما، فيُكرهها الناس لا لأنهم يكرهونها فعلاً، بل لأنهم يكرهون الإحساس الذي توقظه فيهم.

ولذلك، حين يعبّر الجمهور عن كرهه لها، فهو في الحقيقة يعترف بذكائها.
هي لا تترك مجالًا للراحة، لا في الأداء ولا في التلقّي.
وجودها بحدّ ذاته اختبار لصبر المتلقي، وتحدٍّ لقواعد الحبّ والكراهية في الدراما.

العين بوصلة الشرّ والعاطفة المكبوتة

العين عند ستيفاني عطالله لا تُستخدم لتجميل اللقطة، بل لقيادة الرواية.
في لحظة واحدة، تستطيع أن تنقلنا من العاطفة إلى الكراهية، ومن الخوف إلى الاستسلام.
نظرتها تُذكّرك بالضوء الخافت قبل العاصفة، لا تعرف إن كانت علامة إنذار أم وعدًا بالهدوء.

حين تُحدّق طويلًا، لا تفعل ذلك لإغواء الكاميرا، بل لتستفزّها.
وحين تُنزِل جفنها نصف درجة فقط، تُغيّر إيقاع المشهد بأكمله.
هذا الوعي الدقيق بتفاصيل العينين هو ما يجعل الأداء عند عطالله أقرب إلى تلاعب نفسي بالمشاهدين.
هي لا تمثّل شخصية فقط، بل تتحكّم في إدراكنا لماهيّة الصدق والكذب، الطيبة والدهاء.

الكره كدليل نجاح

أن يكرهها الجمهور، فذلك نصر.
أن يستفزّه حضورها، فذلك ذروة الفن.
الكره هنا لا يعني الفشل، بل اكتمال التجسيد.
فالمشاهد لا يكره إلا ما صدّقه، ولا يصدق إلا ما لامس فيه شيئًا من نفسه.

وهنا، يتجاوز أداء ستيفاني عطالله مجرّد الإتقان التقني.
هي لا تكتفي بأن تكون الشخصية، بل تُصبح المرآة التي يرفض المشاهد النظر فيها.
كره الناس لميرنا هو الوجه الآخر لانبهارهم بها، تمامًا كما يُغضبهم الضوء حين يكشف ما لم يكونوا يريدون رؤيته.

الذاكرة البصرية

بعد انتهاء المشهد، تبقى عيناها في الذاكرة.
ليس الحوار، ولا الحدث، بل تلك اللمعة التي لا تُنسى.
تُرافقك في صمتك، في طريق العودة إلى ذاتك، فتكتشف أنّك ما زلت تراها، وما زال جسدك يستجيب لحضورها الغائب.
هذا ما تفعله الشخصيات النادرة: تبقى بعد انصرافها.

ولعلّ هذا البقاء هو ما يجعل ميرنا حالةً أكثر منها دورًا.
إنها ليست المرأة الشريرة التي تكرهها، بل الجزء الذي حاولت دفنه في داخلك، فعاد إليك من خلال عينيها.

خاتمة

في نهاية المطاف، تُصبح ميرنا وجهًا آخر للحقيقة القاسية: أن الفنّ لا يُريحنا، بل يعرّينا.
أنّ الجمال قد يُصبح أداةَ قسوةٍ حين يُستعمل بوعيٍ بارد.
وأنّ الكره، حين يُوجَّه إلى شخصية كهذه، ليس إلا شكلاً من أشكال الإعجاب المتنكر.

ستيفاني عطالله لا تمثّل فقط، إنّها تكتب بالحركة، تنطق بالصمت، وتؤدي بنبض العينين أكثر مما تؤدي بالكلمات.
وما بين كلّ رمشةٍ وأخرى، تخلق استفزازًا جديدًا، وتجعل المشاهد يتورّط في عاطفةٍ لا يعرف إن كانت حبًّا أم كرهًا.
لكنّ الأكيد أنّه، مثلها، لن يخرج من المشهد سالمًا.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

سلمى… إزعاجٌ يُشبه الحقيقةمزعجٌ… نعم، لكنه الإزعاج الذي يشدّك من الياقة منذ اللحظة الأولى لأنّه صادق على نحوٍ موجع. يقدّ...
30/09/2025

سلمى… إزعاجٌ يُشبه الحقيقة

مزعجٌ… نعم، لكنه الإزعاج الذي يشدّك من الياقة منذ اللحظة الأولى لأنّه صادق على نحوٍ موجع. يقدّم سلمى الفقر لا كخلفيّة رمادية تُزيّن الحكاية، بل كبنية سردية كاملة تتنفّس عبر التفاصيل: جدران تضيق حتى على الهواء، مائدة تتعثّر في لقمتها، إيقاع بطيء يجرّ الخطى كي يشعر المشاهد بثقلها. الصورة هنا ليست زينة، بل شهادة، والصمت ليس فراغًا، بل امتلاء بالأسئلة عن معنى الكرامة حين تتحوّل الحياة إلى امتحان يومي للنجاة. بهذا الاشتغال، ينقل العمل الفقر من مستوى التعاطف العابر إلى مستوى التجربة الحيّة، فيعلّق المشاهد على حافة المقعد، لا لأنّ الأحداث صاخبة، بل لأنّ الصدق الذي يرشح من العيون والأشياء يقلب القلب على وجهه. وهكذا يصبح الإزعاج وظيفة جمالية: يهزّك لتُبصر، لا ليؤذيك، ويجبرك على مواجهة ما اعتدنا تمريره سريعًا من دون اكتراث.

ومن داخل هذا الضغط الأخلاقيّ تنبثق المفارقة التي يشحن بها المسلسل توتّره: ميرنا، الأخت التي تعيد تعريف القرب لا كملاذ، بل كساحة اختبارٍ للمشاعر حين يبهت التعاطف. حضورها البارد، نبرتها الخالية من العاطفة، وطريقة توزيع الصمت والكلمة حولها، كلّها أدوات تصنع قسوةً محسوبة تضاعف وجع سلمى من الداخل، فتلتقي قسوة الظروف بقسوة العلاقة لتولّد أثرًا ثقيلًا على المتلقّي. نقديًا، هذا الخيار يفتح محورين معًا: محور اجتماعي يعرّي هشاشة شبكة الأمان عند الفقراء، ومحور نفسي يفكّك هشاشة الروابط حين تُختبر تحت الضغط. وبلاغيًا، يظلّ العمل وفيًّا لجوهره: يكتب حقيقته بلغة العيون والسكوت، ويترك للمتفرّج مهمّة قراءة التضادّ بين يدٍ تمتدّ للنجاة وأخرى تتردّد. لهذا يبقى سلمى مزعجًا بالمعنى النبيل للكلمة: عملٌ يجعل الدموع ممكنة، لا لأنّه يستدرّها، بل لأنّه يضعنا أمام مرآة لا تجامل فنرى ما كنّا نؤجّل رؤيته.

شربل الغاوي
مخرج - صحافي وناقد سينمائي

رنا كرم… ديما، صديقة تضيء العاصفة بنظرةليست كل الأدوار تحتاج بطولة كي تترك أثرها، أحياناً يكفي حضور ممثل يعرف كيف يزرع ا...
05/09/2025

رنا كرم… ديما، صديقة تضيء العاصفة بنظرة

ليست كل الأدوار تحتاج بطولة كي تترك أثرها، أحياناً يكفي حضور ممثل يعرف كيف يزرع الشكّ في نبرة، أو يترك الخيانة تختبئ في نظرة. هكذا حضرت ديما، بصوت رنا كرم وأدائها الذي جمع بين المكر العابر والصدق المموّه. لم تكن زميلة عادية لسلمى، بل كانت تلك الشعرة التي تفصل بين الفضول والكارثة.

رنا كرم لم تقدّم الدور بعاديّة أو مرورٍ عابر، بل صاغته كأنها تعزف على وترٍ داخليّ مشدود. نظراتها لم تكن حيادية، بل محمّلة بما يكفي من الدهاء لتجعل المشاهد يتساءل: هل ديما تنصح بصدق، أم تدفع نحو الهاوية؟ نبرة صوتها حين حثّت سلمى على فتح رسائل زوجها كانت أشبه بوشوشة شيطانة متخفّية، لكنها أيضاً حملت مسحة صديقة تخاف من خيانة قادمة. هذا التناقض هو سرّ قوّة الأداء: أن تترك الباب مفتوحاً على أكثر من احتمال.

بلاغة الحضور لم تكمن فقط في الكلمات، بل في المساحات التي تركتها بين كلمة وأخرى، في الابتسامة الخاطفة التي تشبه طعنة، وفي طريقة جلوسها وكأنها تعرف أكثر مما تقول. بهذا التوازن، جعلت “ديما” شخصية ثانوية تتحوّل إلى علامة فارقة، تفتح شرخاً درامياً وتضع “سلمى” في مواجهة قدرها.

إنها براعة الممثل حين يجعل من جملة عابرة حدثاً، ومن دور محدود مساحةً شاسعةً للتأويل. ديما لم تكن مجرد شخصية، بل كانت الشرارة التي أطلقت العاصفة، وأداء رنا كرم جعل هذه الشرارة تلمع في ذاكرة المشاهد كأنها حريقٌ لا يُطفأ.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

سلمى… حين يُسرق الراتب وتُسرق معه الروحأيُّ حياةٍ هذه التي تُلقي بإنسانٍ أعزل في وجه الذئاب؟ أيُّ قدرٍ هذا الذي يجعل من ...
03/09/2025

سلمى… حين يُسرق الراتب وتُسرق معه الروح

أيُّ حياةٍ هذه التي تُلقي بإنسانٍ أعزل في وجه الذئاب؟ أيُّ قدرٍ هذا الذي يجعل من راتب شهرٍ كامل آخر خيطٍ يتدلّى بين الكرامة والجوع؟

سلمى… امرأة تمشي بخطواتٍ مثقلة كأنها تحمل الأرض فوق كتفيها. في حقيبتها أوراقٌ قليلة، لكنها تساوي عندها بيتًا مأهولًا، سقفًا لا يسقط على أولادها، وليلًا أقل قسوة. حين طرق هلال بابها، طالبًا الإيجار، لم تجد ما تُخفيه، ولا ما تُبرّر به سوى جملةٍ مهزومة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين: «اليوم أقبض راتبي وأعطيك.» جملة قصيرة، لكنها كانت عندها أشبه بعهْد حياة.

ولأن الدراما تُشبه الحياة، لم يأتِ هذا المشهد منذ البداية. بل انتظرنا حلقاتٍ عدّة لنتعرّف إلى سلمى، لنعتاد على ملامحها، على وجعها الصامت، وعلى إصرارها على أن تبقى واقفة رغم الانكسار. كنّا بحاجة إلى وقت لنقترب منها، لنشعر أنّها واحدة منّا، قبل أن يصفعنا القدر بمشهدٍ يمزّق القلب. لذلك حين سقطت على الطريق، لم نسقط معها كمتفرّجين، بل كأقرباءٍ وأصدقاء، كأنّ جرحها جرحنا نحن.

على الرصيف، بين غبار النهار وصخب المارة، كان لصّان يترصّدان بدمٍ بارد. في لحظة، اندفع أحدهما ليدفعها بقسوة، كأنّ الجدار نفسه لفظها، بينما الثاني خطف حقيبتها كما لو أنّه ينتزع قلبها من صدرها. لكنها لم تستسلم. أمسكت بالحقيبة بكل ما بقي لها من قوة، شدّت عليها كأنها تشدّ على آخر خيط حياة. كان هو يسحب، وهي تشدّ، يجرجرها على الطريق كدميةٍ مكسورة، وهي تتشبّث كأنّها تتمسّك بآخر أمل لها قبل أن يطردوها من المنزل الذي وجدته من جديد. كان المنزل بالنسبة لها أكثر من جدران، كان ملاذًا من التشرد، وكان الراتب مفتاح بقائه. لذلك لم تُقاتل من أجل حقيبة نقود، بل من أجل بيت، من أجل مأوى، من أجل الكرامة.

سقطت سلمى على الإسفلت، وارتطم جسدها الضعيف بأرضٍ لا ترحم. ارتجّت الشوارع بصرخة مكتومة: ليست الحقيبة وحدها من ضاعت، بل الكرامة، بل الأمان، بل الطمأنينة التي كانت تتشبّث بها لتبقى حيّة.

إنّ المشهد لم يكن مجرّد تفصيل درامي، بل امتحان قاسٍ لعلاقتنا بها. نحن الذين رافقناها منذ الحلقات الأولى، وشاركناها تعبها، أصبحنا نصرخ معها في الداخل: ما أقسى هذه الحياة! فالفقر ليس عجزًا فقط، بل فخٌّ منصوب في كل زاوية، ينتظر لحظة غفلة كي يسرق منك حتى ما جمعته بعرق جبينك.

وهنا يتجلّى الأداء البارع للممثلة مرام علي، التي حملت شخصية سلمى بكل تفاصيلها، وجعلتنا نصدّق وجعها كأنّه وجعنا. بصدق تعابيرها وانكسار عينيها وصوتها المرتجف، صارت سلمى أكثر من دور، صارت كائنًا حيًّا يسكن وجداننا، حتى شعرنا أنّ سقوطها سقوطنا نحن.

سلمى في سقوطها صارت رمزًا. رمزًا لكل إنسانٍ يدفع ثمن العرق مرتين: مرّة في العمل، ومرّة في خسارته على قارعة الطريق. وصدى وجعها يظل يلاحقنا كجرسٍ لا يصمت: هل يُعقل أن يتحوّل الراتب، ذاك الخيط الرفيع بين البقاء والانكسار، إلى غنيمةٍ يتقاسمها لصّان؟ وهل يُعقل أن تبقى الروح وحيدة، بلا سندٍ، في مدينةٍ تعرف كيف تُحني ظهر الفقراء وتسرق أنفاسهم؟

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Address

Beirut

Telephone

+9613509920

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when PICA Hub posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share

Category