ادبيات

ادبيات التميز والأبداع

20/12/2025

مَقْبَرَةُ الضَمِير..
أذكرُ بأنّي فيِ الصِغَرِ أُصبتُ بصدمةٍ كهربائيةٍ؛ فماَ كانَ منْ أميِ رحمهاَ اللهُ إلّا انْ حملتنيِ وركضتْ فيِ الطريقِ هائمة علىَ وجههاَ ليغلقَ جارناَ صيدليتهُ ويسعفنيِ.
هكذاَ كانتِ الاخلاقُ..
كبرتُ ولمْ أزلْ احفظُ فضلَ هذاَ الرجلِ الذيِ علمنيِ الخيرَ.
مضتِ الأيامُ لِأَقفَ بسيارتيِ أمامَ حادث سيرٍ لحافلةِ ركابٍ صغيرة؛ ولأقتديَ بالرجلِ الطيّبِ وأسعفَ احدَ المصابينَ، وقدْ هالنيِ ما رأيتهُ من سفاهةِ منْ يُعرضونَ عنْ فعلِ الخيرِ؛ ولكن ما جعلنيِ أتميَّزُ منَ الغيظِ استغلالُ ضعاف النفوسِ لفوضىَ الحادثِ وسرقةُ بعضِ موجوداتِ الحافلةِ...!
آلمنيِ ذلكَ الموقفُ؛ لا للسرقةِ بعينهاَ فالسرَّاقُ كُثرٌ؛ ولكن أن تُستبدلَ النخوةُ بالقذارةِ فهنا عينُ البلاءِ.
غادرتُ المكانَ ومعيِ جريحٌ الىَ مشفىَ المواساةِ؛ وسجلت شرطةُ المشفىَ أقواليِ ورقم هاتفيِ و هويتيِ ومنْ فضلِ اللهِ عليَّ أنْ صادفنيِ شرطيٌ مُتَعقِّلٌ إقتنعَ بأنّي المُسْعِفُ ولستُ بالصادمِ.
صباحَ اليومِ التاليِ إتصلَ بيِ شرطيٌ وطلبَ منيِ أنْ أُراجعَ المخفرَ فأدركتُ بأنَّ مصيبة تنتظرنيِ؛ ولكنْ عليَّ أنْ أواجِهَ الأمرَ، فلماَ ذهبتُ وجدتُ نفسيِ متهماً بسرقةِ محفظةِ المُصابِ الذيِ أسعفتهُ..!
فحاولتُ دونَ جدوىً إقناعَ المحققِ بأنَّ منْ يسعفُ جريحاً ويعرِّضُ نفسهُ للمسائلةِ لايمكنهُ أنْ يكونَ سارقاً، فوضتُ أمريِ الىَ اللهِ فقيَّضَ اللهُ لي الممرضةَ التيِ اسقبلت الجريحَ وقالتْ بأنهاَ شاهدتِ المحفظةَ في جيبِ المصابِ وانهُ مفترٍ كذَّاب ...فَقُبِلتْ شهادتهاَ ونجوتُ بفضلِ اللهِ.
لم يُزعجنيِ ما تعرضتُ لهُ بقدرِ ما آلمنيِ التّغيرُ الكبيرُ فيِ أخلاقياتِ مُجتمعنا؛ فأدركتُ بأنّاَ نسيرُ نحوَ الهاويةِ وأنَّ بلدناَ ستقعُ فيِ مالاَ يعلمه إلا الله.
اليومَ فقط أَقرأُ نتائجَ تلكَ المتغيراتِ بالصوتِ والصورةِ.
اناسٌ فقدوا كُلَّ شيئٍ بنيرانِ حربٍ لا تميزُ ولا يمكنهاَ أنْ ترحمَ، أُناسٌ استوىَ عندهمُ الليلُ والنهارُ و الموتُ والحياةُ.
لتطوفَ علىَ بيوتهم أيدٍ ما عرفتِ الشرفَ يوماً؛وتَحملُ ما خلّفوهُ ورائهم علىَ أعينِ الجميعِ، ولتُرفعَ للرذيلةِ رايةٌ في أسواقٍ لاتبيعُ الا حراماً.
حلمتُ لوهلةٍ بأنَّ الزمنَ رجعَ الىَ الوراءِ و أنَّ احداً لم يشتريِ من هؤلاءِ السُرَّاقِ فكسدتْ بيضاعتهم.
صحوتُ منْ غفوتيِ علىَ صوتٍ عميقٍ أنْصَتُّ لهُ وهوَ يقولُ: "امْشيِ الهُوَيناَ فَهُناَ مَقْبَرَةُ الضَمِيرِ".
✍️عزيزة البيتر.

12/11/2025

" أنا وملجأ الأيتام ".
في عش الدبابير
صرخة العاجز وشوشات وأنين
الستار يرتفع ببطء
قاعة مظلمة إلا من بصيص نور ،
يتسلل من نافذة عالية مكسورة.
الجدران متآكلة ، الرطوبة تلتهم الطلاء،
والأسرة الحديدية تصدر صريراً مع كل حركة.
أطفال بملابس رثة ، عيونهم غائرة ،
تائهة بين الخوف والرجاء ،
يلوكون كسرة خبز يابسة كأنها آخر ما تبقى من الحياة.
(طارق يتقدم إلى الأمام ، صوته يخرج متهدجًا لكنه مصمم)
طارق:
هنا حيث يختبئ الصمت في العيون الصغيرة.
هنا يولد الحزن قبل أن يتعلم الأطفال الكلام.
هنا كل جدار يحمل دمعة لم تُمسح ،
وكل نافذة مكسورة حلم لم يكتمل.
(طارق يسكت قليلاً ، يقترب من طفل يجلس على الأرض)
(الطفل بهمس ، عيناه مبللتان ):
كنت أبحث عن وجه أمي بين الوجوه
قالوا لي إنها ذهبت ولن تعود.
كل ليلة أغلق عينيّ
وأنا أظن أنها ستدخل الغرفة ،
أستيقظ لأجد البرد مكان حضنها.
وهذا البرد سيبقى معي إلى أن أكبر ، كذكرى لم تُطفأ.
(طفلة ترفع رأسها بخجل وخوف)
الطفلة :
أبي تركني هنا ، قال لي : "مكانك بينهم".
انتظرته سنوات ، وكل باب يُفتح أظنه هو.
الحلم يظل بابًا يُغلق أمامي.
وأظنه الآن جزء من حكاية لا تنتهي في قلبي.
(طفل يرفع يده المرتعشة ، شفتاه ترتعشان)
الطفل :
لا أعرف طعم الحلوى إلا من صور في الكتب.
أعرف الخبز اليابس وصدى البكاء في الليل.
أحلم فقط بأن يحن عليّ أحد ، ولو مرة.
وسأحمل هذا الحنين كجروح لا تُرى ،
لا تشفى مع الزمن.
(طفلة صغيرة تمسك لعبة مكسورة ،
تتحدث كأنها تكشف سرها)
الطفلة :
أخاف من الظلام ،
يطفئون الأنوار باكراً ويتركوننا وحدنا.
أبكي في الليل ، ثم أضحك كي لا يلاحظوا.
ورغم ذلك ،
سيبقى خوفي يعيدني كل ليلة إلى البحث عن ضوء لم يأتي.
(طفل ينظر مباشرة إلى الجمهور ، صوته رقيق لكنه ثابت)
الطفل:
أحاول أن أتعلم أسماء الأشياء الكبيرة :
"بيت" ، "أسرة" ، "أم".
لكن الكلمات تبدو بعيدة ،
كأنها تعلق فوق سحابة لا أستطيع الوصول إليها.
وسأكبر وأنا أحمل كلماتٍ ناقصة ،
عن حقي في أن أكون طفلاً فعلاً.
(طفلة جديدة تدخل من زاوية المسرح ،
تحمل قطعة قماش بالية كأنها كنز)
الطفلة :
هذه القماشة كانت غطاءً لي منذ كنت رضيعة.
لم أجد سواها ، أحتضنها كل ليلة كأنها أمي.
كلما اهترأت أكثر ، أحسست أن حضني يتلاشى معها.
(طفل قصير القامة،
يضم ذراعيه حول جسده
، يتحدث بعينين مكسورتين)
الطفل :
لا أحب المرآة ، لأنني كلما نظرت إليها رأيت نفسي غريباً.
أحاول أن أبتسم مثل باقي الأطفال ،
لكن ابتسامتي تبدو مكسورة.
ربما لأني كبرت قبل أواني ،
كبرت وأنا أبحث عن يد تمسح على وجهي.
(طفلة نحيلة ، تتكلم بصوت متردد كمن يعتذر)
الطفلة :
كل عام أرى زملائي في المدرسة ،
يذهبون مع أمهاتهم وآبائهم ، وأنا أعود وحدي.
أجلس على الدرج وأنتظر أن يسألني أحد: "أين أهلك؟"
لكن السؤال لا يأتيني ،
كأنهم يعرفون الجواب ويخافون منه.
فأبقى أنا والدرج ، والانتظار الذي لا ينتهي.
(طفل يمسك كتابًا ممزقًا)
الطفل :
أحب الحكايات ، لكنها كلها تنتهي ببيتٍ دافئ وأسرة سعيدة.
أغلق الكتاب كل مرة وأنا أتساءل :
أين تنتهي حكايتي أنا؟
ولا أجد غير هذه الصفحات الممزقة التي تشبه حياتي.
(طفل يحمل دمية ممزقة) :
هذه دميتي ، كنتُ أضعها بجانبي حين أنام ،
كأنها أبي الذي لم يعد.
كنتُ أسألها :
"هل سمعْتِ صوته في الليل؟ هل سيعود غداً؟"
لكنها صامتة ، صامتة مثلي.
(طفلة تمسك بقطعة خشب كأنها قلم) :
كنتُ أرسم بيتاً على الجدران ،
كلما انهار جدار ، انهار حلمي معه.
لا بيت يحميني ،
ولا ورقة تكفي لتحتوي بيتاً آخر في خيالي.
(طفل يبكي وهو يتحدث) :
كنتُ أركض في الساحة ، لم يلتفت أحد حين سقطت.
ضحكوا عليّ ، قالوا إنني بطيء ،
لكنني لا أريد أن أسبقهم ، فقط كنتُ أريد أن أصل.
(طفلة تحمل كتاباً مهترئاً):
هذا كتاب أمي ، أفتحه كل ليلة بحثاً عن رسالةٍ منها.
لكن الصفحات فارغة ، مثل قلبي الذي جفّ.
أقرأ، وأقرأ ، ولا أجد سوى صمت يلتهمني.
(طفل يرفع حذاءً ممزقاً) :
حذائي مثقوب ، يسخر مني الطين كلما خطوت.
لكنني أمشي ،
أمشي وكأنني أخاف أن يتوقف الطريق عن انتظاري.
(طفلة تمسك ببطانية رقيقة) :
كنتُ أرتجف من البرد ، غطيتُ نفسي بها.
لكنها لم تدفئني ،
بل صارت تذكرني بيدي أمي التي كانت تلفّني برفق.
الآن ، لا دفء إلا في الدموع.
(طفل يحمل صورة ممزقة) :
هذه صورة أخي ، اختفى في الزحام يوم الغارات.
أبحث عنه في الوجوه ، في الأحلام ،
في العيون التي تمرّ من أمامي.
لكني لا أجد سوى ظلّي ، وأتمنى لو كان هو.
(طفلة تحمل علبة فارغة) :
كنتُ أضع فيها الحلوى التي لم تأتِ أبداً.
أفتَحها كل ليلة ، أجدها فارغة مثلي.
أحياناً أضع دمعة فيها ، لتملأها بشيء.
( طفل يمسك بطنه) :
كنتُ أجلس أمام المائدة الفارغة ،
أحلم برغيف خبزٍ طريّ ،
برائحة أمّي وهي تُعدّ الطعام ،
لكنني استيقظ دائماً على الجوع ،
الجوع الذي يأكلني قبل أن آكل أنا.
(طفلة تحمل كرة بالية مثقوبة) :
كنتُ أركل هذه الكرة ،
أركض خلفها وأضحك ،
لكنها الآن لا ترتدّ ، لا تلعب معي ،
صارت مثل صدري المثقوب.
لعبتي ماتت ، مثلي.
(طفل يمسك لوحاً مكسوراً من الخشب) :
كنتُ أكتب عليه الحروف ،
أريد أن أكون معلماً ، طبيباً ، شيئاً ، أي شيء!
لكن المعلم رحل ، والمدرسة انهارت ،
وظلّت الحروف بلا معنى ، مثلي بلا مستقبل.
(طفلة تجر وراءها حبلًا ممزقاً) :
كنتُ أقفز به مع صديقاتي ،
نضحك حتى نتعب ،
لكنهن رحلن ، وبقيتُ وحدي أقفز على الفراغ.
الحبل انقطع ، وكذلك طفولتي.
(طفل يحمل كيساً فارغاً) :
كنتُ أملأه باللعب الصغيرة ،
بالأحجار التي أتخيلها جنوداً وأبطالاً
الآن هو فارغ ، مثل غرفتنا التي صارت مقبرة.
كلما نظرت داخله ، شعرت أنني أنظر إلى نفسي.
(طفلة تضم وسادة صغيرة) :
كنتُ أضعها تحت رأسي وأحلم ،
لكن أحلامي أصبحت كوابيس.
أرى دائماً باباً يُغلق ، يداً تدفعني إلى الظلام.
لم أعد أريد أن أنام ، لم أعد أريد أن أستيقظ.
(طفل يحمل بقايا شمعة) :
هذه الشمعة ، كانت تضئ لي الطريق.
لكنها احترقت كلها ، ولم يبقَ إلا رمادها.
أخشى أن أكون مثلها ،
أضيء قليلاً ثم أنطفئ إلى الأبد.
(طارق يرفع صوته ، ألم في نبرته ، لكنه صارم)
طارق :
هل سمعتم ؟
كل واحد هنا يحمل قصة ليست له خطيئة فيها.
ليسوا مجرد أرقام أو أطباق تُملأ ليُعاد تفريغها
، هم بشر ،
أرواح تُركت لتكبر على ندوب الإهمال.
طارق ممزق القلب :
كفى!
كفى موتًا في الحياة!
لا تتركوا الجروح تكبر ،
لأنها تصبح جزءًا من الروح!
(الإضاءة تتصاعد ،
القاعة تشتعل بنور أبيض يلسع ،
صرير الحديد يعلو ، أنين الجدران يصرخ.
طارق يسقط على ركبتيه،
يصرخ مع الأطفال.)
طارق والأطفال معًا ، بصوت واحد مكثف بالألم :
لن نُمحى من ذاكرة هذا المكان!
لن تُنسى وجوهنا ولا أصواتنا!
(الأطفال يلتفون حول طارق ،
أصواتهم تتعالى كجوقةٍ من الألم :
جوع ، برد ، فَقْد ، صرخات ممزقة.
طارق يقف في المركز ،
ذراعيه مرفوعتان كمن يتحدى السماء.
فجأة يبدأ صوت تصدع الجدران ،
المسرح كله يهتز ،
الضوء يتحول إلى أحمر كدمٍ يغمر المكان).
طارق بصرخة هادرة :
الملجأ ينهار!!!
لكن الجدران ليست وحدها التي سقطت
إنها قلوبكم!!!
الأطفال :
نحن الأيتام ، نحن الصرخة و نحن القيامة!!!
(فجأة يخفت الصوت ،
ويبقى طفل واحد فقط في الوسط ،
يحمل شمعة صغيرة مرتجفة.
يقترب ببطء نحو مقدمة الخشبة ،
يرفع عينيه نحو الجمهور).
الطفل بهمس مرتجف :
حين تنطفئ شمعتي ، ينطفئ العالم.
(الطفل ينفخ على الشمعة.
ظلام مطلق يبتلع الخشبة.
آخر ما يُسمع : شهقة طويلة ،
ثم صمت ثقيل كالموت.
الستار يُسدل ببطء والجمهور يظل جالساً مذهولاً،
كأنه في جنازة كونية).
كل واحد من الجمهور يسأل نفسه سرا :
من القاضي ومن الجلاد؟
✍️طارق غريب.

15/10/2025

أمّ الشعور 🌿
كان الأطفال ينادونها بهذا الاسم ويجرون مبتعدين عنها خوفًا من شعرها المنكوش الذي يغطي معظم وجهها رغم ابتسامتها الدائمة وضحكها الصامت ..!
واحد فقط يسكن في المنزل المقابل للرصيف الذي اتخذته مأوى مع فراشها الملون البالي لم يكن يخافها
فقد كانت يومًا زميلته الأجمل والأهدأ في الفصل ..!
لم يعرف يومًا سبب تحوّلها المفاجئ ولا لماذا اختارت الرصيف بيتًا يواجه بيته ..
لكنه اعتاد ألا يذهب إلى عمله قبل أن يضع بين يديها طعام الصباح وألا يعود مساءً إلا حاملاً لها طعامًا آخر
والأغرب أنها لم تكن تنظر إليه ولا أظهرت يومًا أنها تعرفه .. أو حتى تشعر بالامتنان ..
حتى جاء ذلك اليوم ..!
قدّم لها الطعام ووقف في مكانه المعتاد ينتظر سيارة الشركة ..
فجأة دخلت في حالة هياج جذبت يديه وملابسه بقوة وحين أفلت منها التقطت قطعة طين ..
وقذفته بها حتى اتسخت ثيابه ..
فصعد لتغييرها تاركًا زملاءه يرحلون ومتوعدًا إياها بحرمانها من طعامه بعد اليوم ..
وصل إلى عمله متأخرًا بساعتين ليكتشف الفاجعة ..!
سيارة الشركة تحطّمت في حادث مروّع،خلّف قتلى وإصابات بالجملة بين زملائه ..
حينها فقط أدرك الحقيقة .. لقد أنقذته ..!
كانت تعرف .. وأنقذته ..!!
✍️ هشام الهلالي.

Address

عمر المختار
Tripoli

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when ادبيات posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share

Category