19/08/2026
اضطراب النكروفيليا.
وهو مصطلح علمي في الطب النفسي يشير إلى اضطراب نادر يتمثل في الانجذاب الجنـ::::سي إلى الجثث.
لكن الفيلسوف وعالم النفس إريك فروم أخذ المصطلح إلى معنى أوسع؛ فالنكروفيليا، في رأيه، لا ترتبط دائماً بجثة، بل قد تكون علاقة بعقل، أو بثقافة، أو بطريقة تفكير، أشياء تبدو حية، لكنها في الحقيقة ماتت.
فالإنسان، برأيه، إما أن يكون عاشقاً للحياة، أو عاشقاً لما مات في هذه الحياة.
هناك من يحب الحياة لأنها تتغير، وهناك من يحب الماضي لأنه لا يتغير - وهذا فرق كبير.
لا نتحدث هنا عن احترام التراث، أو تقدير التاريخ، أو الاعتزاز بالجذور.
فكل أمة بلا ذاكرة هي أمة بلا شخصية.
لكن هناك فرق هائل بين أن تحمل تراثك على كتفك، وبين أن يحمل التراث جسدك كله حتى يعجز عن الحركة.
التراث هو خبرة من سبقونا، لكنه ليس عقد إيجار يلزمنا أن نعيش في بيوتهم، وثقافتهم، وحياتهم إلى الأبد.
كل حضارة عظيمة احترمت أسلافها، لكنها لم تتوقف عندهم.
الإغريق لم يعبدوا أفلاطون؛ بل ناقشوه واعترضوا عليه وأضافوا إليه.
والعلماء المسلمون لم يكتفوا بترجمة كتب اليونان والإغريق، بل بنوا عليها وتجاوزوها.
ولولا ذلك، لما عرف العالم ابن الهيثم، والخوارزمي، وابن النفيس، وابن سينا.
لقد احترموا ما ورثوه، ثم تجاوزوه وبنوا عليه؛ لأنهم أحبوا الحياة أكثر مما أحبوا الماضي.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التراث من جذر إلى قيد، وعندما يصبح السؤال؛ ماذا قال الأولون بدلاً من ماذا نستطيع أن نضيف؟ وعندما تصبح وظيفة العقل حراسة الأجوبة، بدلاً من البحث عن أسئلة جديدة.
حينها لا نكون أمام احترام للتراث، بل أمام نوع من النكروفيليا الفكرية؛ أن نقع في حب أفكار مات أصحابها، ثم نرفض أن نجعلها تتحاور مع العالم الذي نعيش فيه اليوم.
والغريب أن أصحاب تلك الأفكار، لو عادوا إلى الحياة، ربما كانوا أول من يطالب بتطويرها؛ لأنهم في زمانهم كانوا مجددين لا مقلدين.
كل فكرة عظيمة بدأت ثورة، ثم جاء من حوّلها إلى متحف.
الحياة لا تتوقف، اللغة لا تتوقف، العلوم لا تتوقف. وحتى الدين، في فهم الناس له، ظل عبر القرون حواراً واجتهاداً وتفسيراً، لا نسخة واحدة مجمّدة عبر الزمن.
ليس المطلوب أن نهدم التراث، بل أن نعيد إليه وظيفته الحقيقية؛ أن يكون نقطة انطلاق، لا خط نهاية؛ وأن يكون جذوراً، لا قيوداً وأغلالاً.
فالشجرة لا تخجل من جذورها، لكنها أيضاً لا تقرر أن تعيش مدفونة معها.
ربما كان إريك فروم محقاً؛ النكروفيليا ليست دائماً أن يحب الإنسان الموتى، بل قد تكون أحياناً أن يخاف الحياة إلى درجة لا يعود معها قادراً إلا على العيش بين الأشياء التي ماتت.