08/06/2026
الحمل والأمومة
الصحة النفسية للأم جزء من صحة الجنين
لا تعيش المرأة الحامل التغيرات الجسدية وحدها، فالحمل أيضًا رحلة نفسية عميقة تتأثر فيها صحة الجنين بما تعيشه الأم من استقرار أو ضغوط أو حزن. وبينما يبقى الحزن العابر جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، فإن الأبحاث الطبية تشير إلى أن استمرار الاكتئاب والضغوط النفسية لفترات طويلة قد يترك آثارًا تتجاوز مشاعر الأم نفسها.
في دراسة بارزة قادتها الباحثة نانسي ك. غروتي من جامعة واشنطن ونُشرت في مجلة Archives of General Psychiatry، تبيّن أن الاكتئاب خلال الحمل ارتبط بزيادة خطر الولادة المبكرة بنسبة 39 بالمئة، وارتفاع احتمال انخفاض وزن المولود بنسبة 49 بالمئة، إضافة إلى زيادة احتمالات تأخر النمو داخل الرحم بنسبة 45 بالمئة.
وتوصل باحثون في جامعة زيورخ السويسرية إلى أن التوتر والحزن المستمرين يرفعان مستويات هرمون الكورتيزول لدى الأم، وهو الهرمون المرتبط بالاستجابة للضغط النفسي. وعندما ترتفع مستوياته لفترات طويلة يمكن أن يؤثر في عمل المشيمة والبيئة الحيوية التي ينمو فيها الجنين، ما ينعكس على تطور أعضائه ووظائفه الحيوية.
أما الباحثة صوفي غريغوريادس وفريقها في كندا فوجدوا أن القلق والاكتئاب خلال الحمل يرتبطان بمجموعة من النتائج الصحية غير المرغوبة، من بينها الولادة المبكرة وصعوبات التكيف لدى المواليد خلال الأشهر الأولى من الحياة.
وفي أحدث الدراسات الصادرة عام 2025، توصل فريق بحثي بقيادة بيروك شالمينو توسّا وروزا ألاتي إلى أن الاكتئاب قبل الحمل وأثناءه وبعد الولادة ارتبط بارتفاع احتمالات ظهور اضطراب طيف التوحد لدى الأبناء مقارنة بأبناء الأمهات اللواتي لم يعانين اضطرابات نفسية مماثلة، وهو ما دفع الباحثين إلى التأكيد على أهمية رعاية الصحة النفسية للأم باعتبارها جزءًا من الرعاية الوقائية للطفل.
وتقول الدكتورة فكرية سلامة أستاذ أمراض النساء والتوليد بجامعة عين شمس إن الحالة النفسية للأم تنعكس على صحة الحمل بصورة واضحة، موضحة أن الحزن لا يسبب تشوهات خلقية، لكنه قد يؤثر في سلوك الطفل بعد الولادة ويزيد من احتمالات العصبية وكثرة البكاء مقارنة بالأطفال الذين وُلدوا لأمهات تمتعن باستقرار نفسي أكبر.
من جانبها تؤكد الدكتورة أسماء عيسى استشارية الطب النفسي أن الضغوط النفسية الشديدة خلال الحمل لا تنتهي آثارها مع الولادة، بل قد تمتد إلى مراحل لاحقة من حياة الطفل عبر تأثيرها في النمو النفسي والعصبي.
ومع ذلك يشدد الأطباء على أن نوبات الحزن العابرة أو البكاء العرضي لا تشكل خطرًا مباشرًا على الجنين. القلق الحقيقي يبدأ عندما يتحول الحزن إلى حالة مستمرة تستنزف النوم والشهية والقدرة على ممارسة الحياة اليومية. عندها تصبح الرعاية النفسية جزءًا أساسيًا من متابعة الحمل، تمامًا مثل متابعة ضغط الدم أو مستوى السكر.
في نهاية المطاف، لا يحتاج الجنين إلى غذاء جيد ورعاية طبية فحسب، بل يستفيد أيضًا من بيئة نفسية أكثر استقرارًا وطمأنينة. فصحة الأم النفسية ليست تفصيلًا هامشيًا في رحلة الحمل، بل أحد العوامل التي تساعد على منح الطفل بداية أكثر أمانًا منذ أيامه الأولى داخل الرحم.