03/01/2026
أنوار قورية في أول كتاباته لسنة 2026 :
منذ سنة 2022، عاش العالم على إيقاع الانبهار بالذكاء الاصطناعي، بأدواته المولدة للنصوص السريعة، الصور والفيديوهات المدهشة والحوارات الذكية التي صنعت شعورا جماعيا وضع الكون أمام إعجاز تكنولوجي غير مسبوق، كان إذن تلك مرحلة الاستعراض، حيث الأضواء مسلطة على الواجهة، وحيث طغى سؤال سقف وحدود الاستطاعة المرتبطة بالفعل التقني، اليوم، يتغير المشهد جذريا، على اعتبار أن الذكاء الاصطناعي يغادر مدرج الانبهار ويدخل مسرح الاستقرار الصناعي، معلنا نهاية زمن الدهشة وبداية زمن العمل الصامت والإنتاج الحقيقي والواقعي، إن هذا التحول لم يأت من فراغ، بل إن التجارب الميدانية المتراكمة داخل المؤسسات كشفت أن القيمة لا تكمن في التوليد (كي لا يبقى الذكاء الاصطناعي في نظر البعض مجرد “قابلة” مهمته التوليد)، بل في قدرة هذا الذكاء على الاندماج داخل أنظمة معقدة، والالتزام بالقواعد، وخاضع لربط المسؤولية بالمحاسبة، لم تعد المؤسسات اليوم تبحث عن أداة مبهرة، بل عن نظام موثوق يحسن الأداء ويقلص المخاطر وهنا انتهت مرحلة الوعود الفضفاضة، وبدأت مرحلة الأسئلة الصعبة حول التشغيل والسيطرة والملكية، ثلاثة مستجدات ترسم ملامح هذه المرحلة الجديدة، أولها عودة “العلم” إلى الواجهة، حيث تستثمر الآلة في تسريع الاكتشافات في الصناعة والطب والهندسة، لا في البريستيج الرقمي، ثانيها صعود الوكلاء الأذكياء القادرين على تنفيذ مهام كاملة واتخاذ قرارات، ما يفتح نقاشا حاسما حول نظام الحكامة والمسؤولية وثالثها الانتقال من التجريب إلى قياس مؤشر النجاعة والفعالية والأثر، حيث أصبح العائد على الاستثمار هو الفيصل بين مشروع ناجح وضجيج تقني عابر، ففي قلب هذا التحول، تبرز مجددا ثلاثة معايير لا غنى عنها الأمان، والسرعة، والاندماج، أما عن الأمان فلأن أي انحراف أو اختراق يعني خسائر جسيمة، وأما السرعة لأن البطء في البيئات الصناعية يساوي كلفة اقتصادية مباشرة وأما الاندماج لأن الذكاء الذي يبقى حبيس واجهة الدردشة يظل عرضا، بينما الذكاء الحقيقي هو الذي يذوب داخل سيرورات الإنتاج واتخاذ القرار دون ضجيج…
بالنسبة للمملكة المغربية والمنطقة بشكل عام، يطرح هذا التحول سؤالا يتجاوز الاستعمال إلى السيادة، هل نملك شروط تشغيل الذكاء الاصطناعي وفق أولوياتنا؟ الأمر لا يتعلق بشراء تراخيص واشتراكات، بل بتصميم منظومة تشمل بيانات مؤطرة، وكفاءات قادرة على التطوير والتدقيق، وبنية تحتية تحمي الحساسية الرقمية لأن المرحلة القادمة ليست مرحلة نماذج ذكية نتباهى بها بل مرحلة أنظمة إنتاجية تعيد تشكيل الاقتصاد والسلطة، ومن لا يدخل المصنع اليوم، سيجد نفسه غدا مجرد متفرج في قاعة بلا جمهور.
#جميل #العثامنة #بركان #الكل #الجميع #الآن