24/08/2026
مهرجان «أناروز».. حين يتحول المهرجان من موعد ثقافي إلى رسالة سياسية في تافراوت
في تافراوت، لم تعد المهرجانات مجرد منصات للغناء والاحتفال، بل أصبحت أيضًا مرآة تعكس حجم الحضور الشعبي، وقوة التنظيم، وحتى موازين القوى في المشهد المحلي.
لسنوات، ظل مهرجان «تيفاوين» الاسم الأبرز في المشهد الثقافي الصيفي بالمنطقة، بعدما نجح في بناء سمعة وطنية واستقطاب جمهور واسع من مختلف المدن المغربية. لكن في السنوات الأخيرة، ظهر إلى جانبه مهرجان آخر بدأ متواضعًا، وكان في بداياته أقرب إلى فعالية موازية وتكميلية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى منافس حقيقي: مهرجان «أناروز».
ما حدث هذا الصيف يستحق التوقف.
فـ«أناروز» لم يعد ذلك المهرجان الصغير الذي بالكاد يُذكر خارج المنطقة. سنة بعد أخرى، ارتفع سقف التنظيم، وتوسعت البرمجة، وحضرت أسماء بارزة من الساحة الفنية الأمازيغية والعربية، وأصبح الجمهور يقبل عليه بكثافة. وفي المقابل، بدا «تيفاوين» هذا العام، بحسب انطباعات متابعين وساكنة وزوار، أقل توهجًا مما كان عليه في سنوات سابقة، وهو ما فتح الباب أمام نقاش واسع: هل بدأ أناروز فعلاً في سحب البساط من تيفاوين؟
الإشادة التي حظي بها «أناروز» هذا العام لم تكن مرتبطة فقط بالأسماء الفنية، بل امتدت إلى التنظيم والحضور الجماهيري وجودة الفعاليات. وهنا تكمن نقطة التحول: عندما يصبح مهرجان حديث نسبيًا قادرًا على صناعة هذا القدر من الاهتمام، فإنه ينتقل من مجرد نشاط ثقافي إلى ظاهرة تستحق القراءة.
لكن في تافراوت، هناك وجه آخر للقصة.
فالمشهد الثقافي لا ينفصل تمامًا عن المشهد السياسي المحلي. فـ«تيفاوين» ارتبط لسنوات بجهات وشخصيات محسوبة على حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يمتلك حضورًا سياسيًا قويًا في سوس، بينما يرتبط تنظيم «أناروز» بفعاليات وشخصيات قريبة من حزب الأصالة والمعاصرة.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل نحن أمام منافسة مهرجانات فقط، أم أمام صورة مصغرة لمنافسة سياسية بدأت ملامحها تظهر في الميدان؟
السياق الانتخابي يزيد هذا السؤال إثارة. فحزب الأصالة والمعاصرة يبدو أنه يحاول تعزيز حضوره في إقليم تزنيت، مستفيدًا من وجوه لها حضور وقبول لدى فئات من الساكنة، من بينها الفنان لطفي، وأوداود المعروف بلقب «مول الذهب»، إلى جانب أسماء أخرى في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن أي حزب سياسي يحاول بناء حضوره لا يعتمد فقط على الخطاب السياسي، بل يحتاج إلى شخصيات قادرة على الوصول إلى الناس، وصناعة صورة إيجابية، واستثمار الفضاءات الاجتماعية والثقافية للتواصل مع المواطنين.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حالة السخط أو الانتقاد التي قد تكون موجودة لدى جزء من الساكنة تجاه تدبير حزب الأحرار للشأن المحلي، خصوصًا إذا تحولت هذه المشاعر إلى موقف انتخابي فعلي.
لكن يجب الحذر من قراءة الأمور بشكل مبالغ فيه.
نجاح مهرجان لا يعني بالضرورة نجاحًا انتخابيًا، وحجم الجمهور في حفل فني لا يمكن اعتباره صندوق اقتراع. الجماهير التي حضرت اناروز جاءت أساسًا للاستمتاع بالفن والاحتفال، وليس بالضرورة للتعبير عن ولائها السياسي.
ومع ذلك، فإن السياسة تبدأ أحيانًا من التفاصيل الصغيرة: من صورة مهرجان ناجح، ومن قدرة فريق على التنظيم، ومن أسماء تحظى بالقبول، ومن إحساس الناس بأن هناك جهة جديدة قادرة على تقديم شيء مختلف.
لهذا، فإن المنافسة بين «تيفاوين» و«أناروز» قد تكون أكثر من مجرد منافسة على المنصة والجمهور. إنها، في نظر بعض المتابعين، تعكس صراعًا أوسع على من يستطيع أن يصنع الحضور، ومن يستطيع أن يقنع الناس، ومن يمتلك القدرة على بناء صورة جديدة داخل تافراوت وإقليم تزنيت.
فهل يكون «أناروز» مجرد مهرجان نجح هذا الصيف في لفت الأنظار؟ أم أنه مؤشر مبكر على أن خريطة النفوذ السياسي في المنطقة بدأت تتغير؟
الجواب الحقيقي لن تقدمه المنصات ولا مكبرات الصوت، وإنما ستكشفه الأيام المقبلة، وفي النهاية ستبقى صناديق الاقتراع هي الحكم الفاصل.
أما الرسالة التي حملها هذا الصيف في تافراوت، فهي واضحة:
حين يبدأ مهرجان صغير في منافسة مهرجان كبير، فالمسألة لم تعد مجرد حفلات… بل أصبحت قصة تستحق أن تُقرأ بعناية.
#مهرجان #تافراوت #تاهلة #تيزنيت