31/08/2026
بتوجيهات ملكية سامية... مدينة المهن والكفاءات بالدار البيضاء–سطات تراهن على صناعة كفاءات مغرب المستقبل
المتابعة | يوسف التبابي
النواصر – الدار البيضاء–سطات
في مشهد يعكس التحول الذي تشهده منظومة التكوين المهني بالمغرب، تبرز مدينة المهن والكفاءات الدار البيضاء–سطات بالنواصر كواحدة من أبرز البنيات الحديثة الموجهة لتأهيل الشباب وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.
المشروع يندرج ضمن البرنامج الوطني لمدن المهن والكفاءات، الذي جاء في إطار خارطة الطريق الجديدة لتطوير التكوين المهني، والتي قُدمت أمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
ومن النواصر، تتجسد رؤية جديدة للتكوين المهني؛ رؤية تقوم على الانتقال من التكوين النظري إلى التكوين التطبيقي، ومن الشهادة وحدها إلى المهارة والكفاءة والقدرة على الاندماج في الحياة المهنية.
---
20 هكتاراً تحتضن مدينة للمهن والكفاءات
تقام CMC الدار البيضاء–سطات على مساحة تبلغ 20 هكتاراً، وتضم عرضاً تكوينياً واسعاً يصل إلى 144 شعبة، إلى جانب آلاف المقاعد البيداغوجية وبنيات تطبيقية وخدمات موجهة للمتدربين.
وتشير المعطيات الرسمية للمؤسسة إلى توفرها على حوالي 4,922 مقعداً بيداغوجياً و6 منصات تطبيقية، فضلاً عن 700 سرير ومرافق للإطعام.
أرقام تكشف حجم المشروع، لكنها لا تختصر وحدها فلسفته.
فالهدف الأساسي هو بناء مؤسسة قادرة على الجمع بين التكوين والممارسة والابتكار والانفتاح على عالم المقاولة.
---
تكوين لا يكتفي بالدرس... بل يحاكي المهنة
داخل هذه المدينة، يحظى الجانب التطبيقي بمكانة أساسية.
فالمتدرب لا يتلقى المعرفة التقنية داخل القسم فقط، وإنما ينتقل إلى فضاءات صممت لمحاكاة ظروف العمل الحقيقية.
في قطب الصناعة، يوجد مصنع بيداغوجي.
وفي مجال الرقمنة، توجد Digital Factory.
وفي الفلاحة، توجد مزرعة بيداغوجية.
أما قطب التجارة والتسيير فيتوفر على مقاولة افتراضية للتدريب والمحاكاة.
وفي السياحة والفندقة والمطعمة، توجد فضاءات تطبيقية تشمل فندقاً ومطعماً بيداغوجيين.
هذه البنية تعكس توجهاً واضحاً نحو جعل التطبيق جزءاً أساسياً من عملية التعلم.
---
تسعة أقطاب لمواكبة اقتصاد الجهة
يتوزع العرض التكويني للمؤسسة على مجموعة من المجالات المهنية التي تعكس تنوع الاقتصاد الجهوي.
من بينها الصناعة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي، والفلاحة، والصناعات الغذائية، والتجارة والتسيير، والسياحة والفندقة والمطعمة، والخدمات للأشخاص والمجتمع، والصناعة التقليدية، والفنون والصناعة الغرافيكية.
وتمنح هذه التعددية للشباب إمكانية اختيار مسارات مختلفة، بحسب مستواهم الدراسي وميولاتهم وحاجيات سوق الشغل.
---
الذكاء الاصطناعي والرقمنة في قلب العرض
من أبرز ملامح CMC الدار البيضاء–سطات حضور المهن الرقمية.
وتضم المؤسسة تكوينات مرتبطة بالتطوير الرقمي، والبنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتصميم الرقمي، وغيرها من التخصصات التي تواكب التحولات المتسارعة في سوق التكنولوجيا.
وتشكل Digital Factory فضاءً للتطبيق والابتكار وإنجاز المشاريع الرقمية.
وهو توجه يعكس التحول الذي يعرفه سوق الشغل، حيث أصبحت المهارات الرقمية جزءاً أساسياً من عدد متزايد من المهن والقطاعات.
---
قطاع السيارات... من الميكانيك إلى الإلكترونيات
يحضر قطاع السيارات أيضاً ضمن العرض التكويني للمؤسسة.
ومن بين المسارات المطروحة تخصصات مرتبطة بـالتشخيص والإلكترونيات المدمجة في السيارات، إلى جانب مجالات الإنتاج والجودة.
وتكتسب هذه التخصصات أهمية خاصة في ظل التطور الذي تعرفه صناعة السيارات، وانتقال المركبات الحديثة نحو مزيد من الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية والبرمجيات والتقنيات الرقمية.
كما توجد تكوينات تأهيلية مرتبطة بصيانة المركبات الهجينة والكهربائية.
---
الفلاحة والصناعات الغذائية... تكوين مرتبط بالإنتاج
لم تغب القطاعات الفلاحية والغذائية عن هذه المنظومة.
فالمؤسسة تتوفر على مزرعة بيداغوجية، وتقدم مسارات في الفلاحة الدقيقة، والتدبير الفلاحي، والتقنيات الزراعية، إلى جانب مجالات مرتبطة بتكنولوجيا الأغذية وتثمين المنتجات.
والهدف هو منح المتدرب فرصة للجمع بين المعرفة والتطبيق، في قطاعات تعرف بدورها تحولات تقنية وتنظيمية متسارعة.
---
السياحة والفندقة... التكوين داخل بيئة تحاكي الواقع
في قطاع السياحة والفندقة والمطعمة، يعتمد التكوين على فضاءات تطبيقية تسمح للمتدربين باكتساب الخبرة المهنية في ظروف تحاكي المؤسسات الحقيقية.
فندق بيداغوجي.
مطعم بيداغوجي.
فضاءات للاستقبال والخدمة والتدبير.
وكل ذلك بهدف إعداد متدربين قادرين على التعامل مع متطلبات القطاع، ليس فقط من الناحية التقنية، وإنما أيضاً من حيث الانضباط والتواصل وجودة الخدمة.
---
700 سرير... وخدمات ترافق المتدرب
لا تقتصر المؤسسة على الورشات والأقسام.
فـCMC الدار البيضاء–سطات تتوفر على دار للمتدربين تضم 700 سرير، إلى جانب مرافق للإطعام ومجموعة من الفضاءات المخصصة للحياة داخل المؤسسة.
كما تتضمن المنظومة فضاءات للرياضة واللقاء والتواصل، بما يتيح للمتدرب الاستفادة من بيئة متكاملة خلال فترة التكوين.
---
الكفاءة التقنية وحدها لا تكفي
التكوين الحديث لا يتوقف عند المهارة التقنية.
ولهذا تضم المؤسسة فضاءات مخصصة للغات والمهارات الذاتية، إضافة إلى التوجيه والابتكار وريادة الأعمال.
وتتوفر CMC على مرافق مثل الحاضنة وفضاءات العمل المشترك، بما يساعد المتدربين على تطوير مشاريعهم وأفكارهم، والاستعداد بشكل أفضل للحياة المهنية.
فالهدف لم يعد تخريج شخص يعرف المهنة فقط، وإنما شخص قادر على التواصل والتكيف والمبادرة والتطور.
---
144 شعبة... ومسارات متعددة
يصل العرض التكويني الرسمي للمؤسسة إلى 144 شعبة.
غير أن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة، لأن بعض المسارات تعتمد نظام الجذوع المشتركة قبل الانتقال إلى تخصصات أكثر دقة.
وتضم البوابة الرسمية مسارات في مستويات مختلفة، من بينها التقني، والتقني المتخصص، والتأهيل، والتكوينات التأهيلية.
وبذلك يمكن للمترشح اختيار المسار وفق مستواه الدراسي وشروط الولوج الخاصة بكل تخصص.
---
الاستثمار في البنية... استثمار في الإنسان
عند إطلاق المشروع، أعلن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل أن الاستثمار المخصص لإنجاز CMC الدار البيضاء–سطات بلغ حوالي 600 مليون درهم، دون احتساب تكلفة ملحقة الصحة.
ويعكس هذا الحجم من الاستثمار طبيعة المشروع باعتباره بنية استراتيجية للتكوين والتأهيل.
فالأمر لا يتعلق فقط ببناء مؤسسة جديدة، وإنما بتوفير ورشات ومختبرات وتجهيزات ومنصات تطبيقية وفضاءات للابتكار والخدمات.
---
النواصر... موقع استراتيجي لمشروع استراتيجي
اختيار النواصر لاحتضان مدينة المهن والكفاءات يحمل أهمية خاصة.
فالمنطقة توجد داخل جهة الدار البيضاء–سطات، وهي جهة تتميز بتنوع كبير في الأنشطة الاقتصادية والصناعية والخدماتية.
ومن الصناعة والسيارات، إلى اللوجستيك والطيران والتجارة والخدمات والرقمنة، يجد المشروع نفسه وسط محيط اقتصادي واسع.
وهذا التقارب بين مكان التكوين ومحيط التشغيل يمنح للمؤسسة بعداً جهوياً واضحاً.
---
المعيار الحقيقي... ماذا بعد التخرج؟
قد تكون البنية حديثة.
وقد يكون العرض التكويني واسعاً.
لكن الاختبار الحقيقي لأي منظومة تكوين يبدأ يوم يغادر المتدرب المؤسسة.
هل سيجد فرصة للعمل؟
هل سيستطيع توظيف مهاراته؟
هل سيتمكن من إنشاء مشروع؟
وهل ستجد المقاولة في الخريج الكفاءة التي تحتاج إليها؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد، في النهاية، مدى نجاح الرهان.
---
رسالة إلى الشباب
مدينة المهن والكفاءات تضع أمام الشباب خيارات متعددة.
لكن الاختيار مسؤولية.
فليس المطلوب اختيار الشعبة لمجرد أنها متاحة.
بل اختيار المسار الذي يجمع بين القدرات الشخصية، والرغبة المهنية، ومستوى الدراسة، وحاجيات سوق الشغل.
فالمهنة التي يتعلمها الشاب اليوم قد تصبح رأس ماله الحقيقي غداً.
---
الخاتمة
من النواصر، تتقدم تجربة جديدة في مسار تحديث التكوين المهني بالمغرب.
مدينة للمهن.
فضاءات للتطبيق.
مختبرات للابتكار.
تخصصات رقمية.
تكوينات صناعية.
مهن مرتبطة بالسيارات والفلاحة والسياحة والتجارة والخدمات.
وخلف كل ذلك، يوجد رهان واحد:
الإنسان.
فالاستثمار الحقيقي لا يقاس فقط بعدد البنايات أو حجم التجهيزات.
يقاس بعدد الشباب الذين يحصلون على فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم.
وتبقى مدينة المهن والكفاءات الدار البيضاء–سطات، في إطار الورش الوطني لتطوير التكوين المهني المنبثق عن الرؤية الملكية، أمام مسؤولية كبيرة:
أن تجعل من الكفاءة طريقاً إلى العمل،
ومن التكوين جسراً إلى المستقبل،
ومن شباب الجهة قوة جديدة في مسيرة التنمية.
وفي النواصر، يظل العنوان الأبرز لهذا الرهان واضحاً:
المستقبل لا يُنتظر... بل يُصنع بالكفاءة.