15/11/2025
الكرامة لا تُهان مرتين… والسائقون يطالبون بتطبيق القانون
لم يعد ما حدث مجرد تطاول عابر من صانع محتوى يبحث عن الأضواء، ولا انفعالًا لحظيًا يمكن أن يُطوى بالاعتذار، بل أصبح اعتداءً لفظيًا صريحًا على شريحة مهنية كاملة، وتجاوزًا خطيرًا لحدود حرية التعبير التي تحمي الرأي ولا تحمي السب. لقد تابع المغاربة جميعًا الصيغة المنحطة التي استُعملت في حق السائقين المهنيين، بألفاظ تمس العرض والشرف، وبنعوت لا تقبلها قيم المجتمع ولا قوانينه ولا حدوده الأخلاقية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى أي حد يمكن السماح لهذا الانزلاق اللفظي أن يتمدد دون مساءلة، وهو يمس فئة ترتبط مباشرة بالخدمة العمومية؟
السائق المهني ليس مجرد فرد يعمل في الشارع، بل هو جزء من منظومة اجتماعية واقتصادية تُسهم يوميًا في استقرار حركة المواطنين، ونقل المرضى، وتأمين تنقل الطلاب والموظفين والزوار. مهنة سياقة سيارات الأجرة مهنة شريفة، تؤدى تحت الشمس والمطر والليل الطويل، وفيها من التضحية ما يستحق الاحترام، لا التحقير. لذلك فإن الإهانة التي وُجهت للسائقين ليست مجرد “رأي شخصي”، بل هي إهانة جماعية لفئة منظمة قانونيًا، تعمل تحت رخص إدارية، وتخضع لنظام قانوني مع الدولة.
لقد صدرت بالفعل بيانات وبلاغات من هيئات مهنية مختلفة عبّرت عن رفضها القاطع لهذا السلوك، ووصفت ما وقع بأنه مسّ مباشر بكرامة السائقين وأسرهم. لكن البلاغات – مهما كانت قوية – ليست سوى جزء من الطريق. فمثل هذه الأفعال لا تُواجه ببيانات فقط، بل تُواجه بما واجهه آخرون حين صدرت في حقهم الإهانات نفسها: شكايات رسمية، موثقة، تُرفع إلى النيابة العامة، وتطالب بفتح المتابعة القضائية. لقد رأينا كيف تحرك النشطاء الأمازيغ بكل مسؤولية حين أُهينت كرامتهم، وكيف وثقوا كل شيء، ورفعوا شكايات واضحة، وتمسّكوا بحقهم حتى صدر الحكم. الدرس واضح: القانون لا يتحرك إلا عندما يُستدعى بالشكل السليم، وبقوة الانضباط، وبوضوح المطالب.
إن الألفاظ التي استُعملت ضد السائقين تدخل مباشرة في صلب القانون الجنائي المغربي من حيث السب العلني، والقذف، والتحريض على الاحتقار، وإهانة فئة مهنية منظمة. وهذه جرائم منصوص عليها بوضوح، ولا علاقة لها بحرية التعبير التي يحاول البعض الاحتماء بها لتبرير الانفلات اللفظي. فحرية التعبير لا تخوّل لأحد المس بشرف الناس، ولا استخدام الإهانات كوسيلة لجلب المتابعين أو تحقيق المكاسب الرقمية. إن كل مجتمع يحترم نفسه يحاسب من يجعل الكلمة جسرا للإهانة، لا منصة للنقاش.
ومن هنا، فإن السائقين المهنيين – باعتبارهم مواطنين لهم حقوق مكفولة – يطالبون اليوم، عبر مسار قانوني واضح، بتقديم شكاية رسمية إلى وكيل الملك، مرفقة بالمقطع الموثق للأقوال الصادرة، وبكل البيانات التي سبق إصدارها. هذه الخطوة ليست تهورًا، ولا تصفية حسابات، ولا تضييقًا على أحد، بل هي استعمال طبيعي للحق القانوني الذي يملكه كل مواطن حين يُهان في كرامته أو يُنعت بألفاظ تمس شرفه. والنيابة العامة، بصفتها الحامية للحق العام، مدعوة إلى فتح تحقيق، حفاظًا على النظام العام الأخلاقي، ومنعًا لتحويل المنصات الرقمية إلى فضاءات يباح فيها القذف والسب دون رادع.
ليس الهدف أن يدخل أحد السجن، ولا أن تُخنق المنصات، ولا أن تُكمم الأفواه. الهدف بسيط وواضح: أن يعرف كل مواطن أن الكرامة ليست مجالًا للعبث، وأن القانون فوق الجميع. فمن يعتدي بالكلمة كما يعتدي بالفعل، ومن يمس شرف مواطن كما يمس جسده، يجب أن يخضع للمساءلة. ولا يمكن لمجتمع يريد بلوغ الحد الأدنى من الاحترام المتبادل أن يسمح بانتشار خطاب يُحوّل فئة مهنية كاملة إلى مادة للتنمر والتحقير.
إن السائق المهني، الذي يصبر على الطريق وحرها وبردها وضغطها، لا يطلب امتيازًا ولا سلطة، بل فقط احترام كرامته. وحين تهان هذه الكرامة، تصبح المطالبة بفتح المتابعة القضائية حقًا مشروعًا، وضرورة لحماية الفضاء العام من الفوضى اللفظية. فالمغاربة – كل المغاربة – يعرفون معنى الشرف، ويعرفون أن الكلمة إذا انحرفت تصنع شرخًا في الثقة الاجتماعية لا يلتئم بسهولة.
لقد آن الأوان لوقفة واضحة، بلا تردد ولا مجاملة:
القانون يجب أن يُفعَّل… والكرامة يجب أن تُصان… ولا أحد فوق المساءلة.
فمن يستهين بكرامة السائق اليوم، يستهين غدًا بكرامة المجتمع كله.
والكرامة حين تُهان مرة… لا ينبغي أبدًا أن تُهان مرتين.