28/04/2026
سيكولوجية المجتمع المغربي في سياق الإعلام الرقمي والتفاوتات الاجتماعية: قراءة سوسيولوجية
إذا نظرنا من زاوية علم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، والسوسيولوجيا الإعلامية، فالمغرب مجتمع متنوع ومعقد، ولا يمكن اختزاله في صورة واحدة. كثير من مفكرين عرب مثل ابن خلدون، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، تناولوا جوانب من هذا التركيب.
1. البنية النفسية الاجتماعية: بين التضامن والضغط الاجتماعي
وفق ما يمكن ربطه بفكرة العصبية عند ابن خلدون، ما زالت الروابط العائلية والقبلية والقرابية مؤثرة في المغرب، خاصة في القرى وبعض المدن الصغيرة. هذا يخلق:
تضامنًا قويًا داخل الجماعات.
لكن أيضًا ضغطًا اجتماعيًا كبيرًا (نظرة الناس، السمعة، المقارنة).
ومن منظور علم النفس الاجتماعي:
الاعتراف الاجتماعي مهم جدًا للفرد.
المكانة (الهيبة، “الوقار”، الصورة أمام الآخرين) لها وزن نفسي واضح.
وهذا يفسر أحيانًا الميل للاستعراض الاجتماعي في المنصات الرقمية.
2. التفاوت الطبقي وأثره النفسي
السوسيولوجيا ترى أن الفوارق الطبقية لا تظهر فقط في الدخل، بل أيضًا في:
الذوق الثقافي.
اللغة.
فرص التعليم.
الثقة بالنفس والشعور بالمكانة.
يمكن ملاحظة ثلاث طبقات عامة:
الطبقات الشعبية
استعمال المنصات أحيانًا كمساحة للهروب الرمزي من ضغوط الواقع.
تأثير قوي لثقافة المؤثرين.
أحيانًا تحويل الاستهلاك أو المظاهر إلى رمز للنجاح.
الطبقة الوسطى
أكثر عرضة لضغط المقارنة والصعود الاجتماعي.
توتر بين المحافظة والتحديث.
حضور قوي لفكرة "الترقي الاجتماعي".
الطبقات الميسورة
استعمال المنصات لبناء رأس مال رمزي (prestige).
إعادة إنتاج الامتياز الاجتماعي بشكل رقمي.
وهنا يلتقي هذا مع أفكار قريبة من تحليلات Pierre Bourdieu حول الرأسمال الرمزي والثقافي.
3. الفرق بين المدينة والقرية
في القرية:
غالبًا:
رقابة اجتماعية قوية.
هوية جماعية أكثر من فردية.
التضامن أكبر.
لكن قد يكون الضغط الاجتماعي أشد.
وسائل التواصل قد تُدخل أحيانًا أنماطًا جديدة تصطدم بالبنية التقليدية.
في المدينة:
فردانية أكثر.
منافسة أعلى.
عزلة نفسية رغم الزحام.
هوية أكثر تشكلًا عبر الصورة والنجاح الشخصي.
ولهذا قد يظهر:
في القرى: صراع بين التقليد والرقمنة.
في المدن: صراع بين الطموح والضغط النفسي.
4. الإعلام الرقمي يعمّق أحيانًا الفوارق
السوسيولوجيا الإعلامية تقول إن المنصات لا تعكس الواقع فقط، بل تعيد تشكيله.
مثال:
شاب من هامش اجتماعي يرى يوميًا أنماط رفاه لا يمكنه بلوغها.
هذا قد يولّد:
إحباطًا
غضبًا طبقيًا
شعورًا بالحرمان النسبي.
وهذا مفهوم معروف في علم الاجتماع: الحرمان النسبي.
ليس الفقر وحده يولد التوتر، بل مقارنة نفسك بمن يبدو أفضل منك باستمرار.
5. بعض السمات النفسية الاجتماعية المتكررة في النقاشات حول المغرب
(مع تجنب التعميم لأن المجتمع متنوع)
يُشار أحيانًا إلى:
حساسية قوية للنظرة الاجتماعية.
تقدير كبير للكرامة والاعتبار.
ازدواج بين التقليدي والحديث.
مرونة اجتماعية كبيرة.
ذكاء تكيفي واضح مع الأزمات.
وهذه ليست تناقضات، بل جزء من مجتمع انتقالي.
6. مواقع التواصل ضاعفت بعض الظواهر
مع Instagram وTikTok مثلًا:
تضخم هوس المقارنة.
إبراز الفوارق الطبقية.
تحويل النجاح إلى مظهر.
إعادة إنتاج المركز والهامش رقمياً.
خلاصة سوسيولوجية
يمكن القول إن المجتمع المغربي يعيش توتراً بين:
التضامن والفردانية
التقليد والحداثة
الهوية المحلية والعولمة
الطموح والضغط الاجتماعي
ومواقع التواصل أحيانًا تكثف هذه التوترات بدل أن تخلقها من الصفر.
كما قد يقول عبد الله العروي بصيغة قريبة من فكره: المجتمع لا يعيش خارج التاريخ، بل داخل انتقالات معقدة.