02/12/2025
#إيكادولي
_______________ (الحلقة 18)____________
انتصف الليل، لكنّ السكينة والهدوء لا يزوران القصر حتى يطلع الفجر، كالعادة يحتفل الملك "كِمشاق" ورفاقه بأي شيء، ليس ضروريًا أن يكون هناك سبب محدد، ولكنهم يحتفلون! أمّا"نَبرة" فما زالت غاضبة، لكن غضبها لم يمنعها من الجلوس وسط الاحتفال لتستمتع وتتلذذ بمراقبة العيون لقوامها وجمالها.
في غرفتها كانت "أُونتي" تفرك يديها في غضب وهي تسترجع آخر حوار لها مع "كلودة"، تذكرت عندما قال لها (ربما لا ترينني مرّة أخرى)، لكنّ هذا لم يكن ما يقضّ مضجعها بل تلك المقاومة التي لاقتها وهي تحاول أن تقترب منه كالمرة السابقة! كان يمسك بذراعيها بقسوة! ويدفعها وهي ترغب فيه وتحبّه! حتى أنه عاد وظهر من بين الأشجار بعد أن انصرفت الجارية وأخبرها بوضوح وبكلمات مقتضبة أنه سيتوقف عن لقائها، وأنه نادم على كل لحظة رآها فيها، وأنه يخشى الله ويرجو مغفرته! شعرت بطعنة وكأنه وجه إليها إهانة شديدة.. لم يترك لها الفرصة وأسرع هاربًا منها وكأنّها الموت يلاحقه.
- فليذهب للجحيم ذاك الحقير!
قالتها بمرارة وكل خلية في جسدها تنفر غاضبة، فتحت خزانتها وأخرجت أحسن أثوابها وأكثرها إظهارًا لمفاتنها وارتدته ونزلت في كامل زينتها للحفل، أرادت أن ترضي غرورها بشكل ما، شيء ما يعيد إليها كرامتها التي أهدرها "كلودة" بنفوره بتلك الطريقة، فور دخولها ران صمت مفاجئ على الحضور، لو ألقى أحدهم إبرة لاستمع الجميع لرنينها، كان جمالها في تلك اللحظة يفوق جمال "نَبرة" التي استشاطت غضبًا عندما رأتها، فهي لا تقبل بوجود من ينازعها عرش الجمال في ذلك القصر، حتى أختها الشقيقة، انضمت "أُونتي" للحضور، وعاد الصخب للقاعة.
???
كان كل شيء يبدو رائعًا في عيني "مَرام" وهي تسير بتؤده نحو الدكّان، كانت تراودها أحلام يقظة خاطفة وهي تسير، وكانت تبتسم وهي شاردة كطفلة صغيرة، تخيّلت نفسها عروسًا ترتدي فستانًا أبيض واسعًا وتزفّ إليه، تخيّلت كلّ شيء حتى لون ربطة عنقه، كل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم تكن تعلم أنها ستدقق فيها حتى وهي تحلم به وتتخيله، حمدت الله أنه لا أحد يرى ما يدور برأسها. اقتربت منهما بانضباط وحيتهما بوقار ثمّ وضعت سلّة ممتلئة بالطعام أعدتها أم "أشريا" للعروسين أمام "كُومبو" و"أنس" وسألتهما:
- من منكما سيحمل الطعام للعروسين؟
قهقه "كُومبو" قائلًا:
- ما زلت لا أصدق أن "كلودة" تزوج!
كان "أنس" على غير عادته، لقد بدأ يرتبك في حضور "مَرام"! كان يشعر أن نفسه التي بين جنبيه ترتج كالجرس، هربت الكلمات منه، شعر أنه لا يستطيع الكلام، وكأن الوهن أصابه! تذكّر كيف كان يرى "كلودة" وهو يتحدّث إلى "أشريا"، وكيف كان يتهمه بالهوان والضعف، اخترقت "مَرام" فقاعة الصمت التي كان لائذًا بها وسألته:
- هل ستحمل أنت الطعام يا "أنس"؟
- يبدو هذا لأن "كُومبو" لن يستطيع ترك الدكان، هل من الممكن أن تسيري معي؟
فاجأته بردها الذي نزل عليه كالصاعقة عندما قالت:
- لا!
رد بتحرّج:
- يبدو أنني أزعجتك.
قالت بارتباك:
- لا..لا..لم تزعجني ولكنني، أفضل أن أعود لأم "أشريا" فهي حزينة لفراق ابنتها كما تعلم.
- حسنًا سأذهب الآن.
- لا تنس أن تنقل سلامي إليهما.
استدار كلاهما وافترقا، كانت "مَرام" قد قررت ألا تسير معه وحدها مرّة أخرى، لا تدري كيف في تلك الظروف العجيبة! وفي تلك المملكة الغريبة! لكنها أرادت أن تحتفظ بتلك المنطقة المحظورة التي تربت على أن تحيط نفسها وقلبها بها، فلا تسمح لغريب بأن يقتحمها، حتى لوكانت..... تحبه!، اجترّت ذلك الحوار الذي دار بينها وبين "أُونتي" التي أخبرتها أنها لن تستطيع السيطرة على مشاعرها ونفسها إن وقعت في الحبّ، وأنّها ستخطئ، وكان ردها أنها ستستعصم.
سار "أنس" نحو بيت "كلودة"، شاردًا يفكر كيف أصابه سهم الحب فجعله هشًا بتلك الطريقة! في تلك اللحظة شعر باهتزاز في حقيبته فأدرك أن هناك عبارة جديدة ظهرت في الكتاب....
"عندما أحبّها، ارتقى معها فوق مستوى اللذة، لم يدع الفرصة لجسده لكي يمتطي روحه ويقودها إلى الهاوية، ترك العنان لروحه لتحلّق فوق جسده فروضته وارتقت به نحو الجنان، كان يحبّها، ويعشقها، لكنه يخشى من نفسه، ويخشى عليها من نفسه!"
أكمل "أنس" طريقه يتفكّر في الكلمات، وبعد أن وصل لبيت "كلودة" والتقى به وعانقه طويلًا، ثُمّ أعطاه الطعام طلب منه الدعاء، شعر "كلودة" لأول مرّة أن "أنس" أصابه شيء ما! لكنّه أسرع يغادر على استحياء وعاد من حيث أتى.
أغمض "أنس" عينيه، وجال في نفسه، وكأنّه يتعرّف عليها لأوّل مرّة! هناك اشتياق لحالة من الشفافية مرّت به ربّما في لحظات عديدة في أيام مضت، أحيانًا وهو ساجد، وكثيرًا لحظة إفطاره بعد صيام رقّ فيه قلبه، وربما عندما كان يقرأ القرآن، تنفّس بعمق ثمّ فتح عينيه، وسار وهو يطالع كل شيء حوله بعين أخرى، ومن منظور مختلف.
عاد إلى الدكان حيث كان "كُومبو" يوزع الابتسامات، ذاك الشاب لديه روح تضج بالسعادة، يفرقها على الآخرين، وكأنه لا يخشى الحزن أبدًا.
???
مرّ أسبوع عاش فيه "كلودة" أسعد لحظات حياته مع حبيبة قلبه "أشريا"، كانت كل لحظة تمر بهما تزيدهما قربا، وكانت هادئة كقطة وديعة اطمأنت أخيرًا لجوار صاحبها وسيّدها فسكنت له. ما زال البرد شديدًا وكأنّ تلك المملكة فصولها الأربعة شتاء! كانت "أشريا" ترتجف عندما أخبرها "كلودة" وهو يحتضن كفيها بين كفيه أنه سيعود للعمل، وإن أحبّت أن تسير معه لبيت أمها فلتستعد في الحال، هبّت واثبة ووضعت على رأسها خمارًا فضفاضا وسارت ترفل فيه خلف زوجها، استدار يحتضن كفّها بكفّه وسارا معًا نحو بيت أمها التي أغرقت دموع فرحتها وجهها فور أن رأتها، توجه إلى الدكان حيث كان "أنس" يقرأ في كتابه بتمعّن، كان قد استقرّ في نفس "أنس" أن "كلودة" و "أشريا" هما بطلا قصة الكتاب بالفعل، أخفى عنه ما كان يقرؤه وبعد أن سلّم عليه انخرط كلاهما في العمل، مرّ اليوم لطيفًا على الجميع، واجتمعوا على الطعام كالعادة، وقف "أنس" بجوار "مَرام" غير ناظر إليها وقال وقد بدا عليه التحرّج:
- هل أنتِ بخير؟
- نعم أنا بخير.
- كيف هي عينك ويدك؟
- عيني أفضل، وبدأ الجرح في كفّي يتحسّن والحمد لله.
كانت وكلما تنظف جرح يدها تعيد تضميده بتلك القماشة التي مزّقها من قميصه، ودّت أن تخبره بالكثير من الأشياء، عن خوفها فما زالت خائفة، لكنها أصبحت تخجل من أن تخبره أنها تخاف أن يختفي فجأة، أو أن يحدث له خطب ما، مضى "أنس" بخياله يطوي الأيام وقال فجأة:
- عندما نعود لديارنا... ما رأيك أن تتعرّفي بأختي "حبيبة".
بدا على وجهها الاستبشار وقالت:
- أود ذلك بالفعل.
افترّت شفتاه عن ابتسامة وقال:
- ستسعد بهذا، فهي قليلة الأصدقاء، كما أنّها تشبهك كثيرًا.
- أخبرتني بهذا من قبل.
نسى وجودهما في بيت أشريا ووسط الجميع وبدأ يحدّثها بصوتٍ عالٍ عن نفسه أمام الجميع، حدّثها عن أيام الجامعة، ورفاقه، وطبيعة دراسته، حتى أنّه أخبرها عن طفولته، كانت تنصت إليه مستمتعة بحديثه، قالت مبتهجة:
- يبدو أنّ دراسة الهندسة ممتعة، أظنك درستها بحبّ وشغف.
أومأ موافقًا وأكمل حديثه، وكأنّه اليوم لا يريدها أن تتحدث، بل أن تنصت إليه وحسب، فهو يودّ أن يخبرها بكلّ شاردة وواردة عن حياته،
كانت حريصة على أن تبدو هادئة منضبطة في تصرفاتها وأقوالها لتداري بهذا المظهر ما يضطرب في نفسها من نوازع. وكان يحدّثها وفي عينيه وهج جميلٌ تطل منه إشراقة مسحورة. كان يراها قريبة منه جدا وبعيدة عنه جدا، فهو يتعجّل الخروج من تلك المملكة ليطمئن أنها موجودة بالفعل، وأنها واقع في حياته يستطيع أن يجعلها جزءًا منه، أصبح يخشى أن تكون "مَرام" حلمًا يراوده!
لو تنبهت لعينيه لرأتهما تقطران حبًا لكنها كانت تخفض الطرف، وكان هو يتحدّث إليها طويلًا ثمّ يختلس نظرة ويعود فيخفض الطرف عنها، كانت هناك معركة تدور في صدره، كان يستجيب فيصمت ويسكن، ثمّ يجد نفسه وقد عاد يحدّثها وكأن لسانه كان محبوسًا لسنوات وأطلق سراحه للتو، وكانت كلّها آذان صاغية، بينما كان "كُومبو" يراقبما في سكينة وهدوء شديد. جاء وقت الفراق، وكان ثقيلًا على قلبه كما لم يكن من قبل، ودعها وانصرف مع "كُومبو" وأمّه إلى بيتهما ترف كل جوارحه هوى إليها. اهتزّ الكتاب في حقيبته، فأخرجه وقرأ ما كتب فيه:
"وأُسرت روحها لديه، وعلق قلبه لديها، ومضى كلّ منهما يملك في نفسه شيئًا من الآخر، يحلمان بلحظة يسكب كلّ منهما رحيق الحب الطاهر في فؤاد الآخر"
رفع رأسه وتأمّل "كلودة" و"أشريا" وهما يسيران أمامه نحو بيتهما، ثُمّ أغلقه وأعاده إلى حقيبته ومضى مع صديقه "كُومبو".
أمّا "مَرام" فجلست هادئة القلب راضية النفس نشوانة الخيال، لكنّها شعرت بضيق فجأة، كانت تعلم أنه لا بدّ من صراع قبل أن يُسترد الكتاب، ولا بدّ أن وقته اقترب.
???
في الصباح التالي وفي غرفتها وحيث كانت "أُونتي" تتلوى من الغيظ دلفت عليها شقيقتها "نَبرة" وجلست بعد أن أشارت للجواري ليتركنهما وحدهما، قالت بلهجة آمرة:
- هناك شيء ما! أنتِ لست "أُونتي" التي أعرفها، أخبريني ما الذي يحدث؟
- لا شيء!! لم تقولين هذا الكلام
قامت وسارت نحوها وامسكت بالمقعد حيث غطست "أُونتي" فيه خوفًا ورعبًا منها، وألصقت جبهتها بجبهة أختها وقالت:
- إن لم تنطقي فسأستخرج منك الكلام بطريقتي الخاصّة.
تمتمت "أُونتي" بخوف وقالت بصوت مخنوق:
- ماذا تريدين؟
- الكتاب.. أنتِ سرقتِه أليس كذلك؟
شعرت "أُونتي" بقشعريرة تجتاح جسدها كلّه وبعد أن ابتعدت عنها أختها وقفت ترتجف كورقة شجرة تتلاعب بها الرياح وقالت بصوت مرتعش:
- بل سرقته تلك الجارية.
- من؟
- "مَرام"
- تلك المريضة؟
- لم تكن مريضة، كانت مصابة في عينها فقط، أحضرها "حليم"..اسأليه عنها، فقد دثّرها بوشاحه عندما أحضرها، وكانت سعيدة بهذا! هي سرقت الكتاب من غرفتك وفرّت بعد أن سرقت المال من خزانتي.
كطلقة مدفع خرجت "نَبرة" من غرفة أختها وهي تهمهم بعبارات توعّد وتهديد لها لأنها لم تخبرها في الحال، كما بدأت تسب وتلعن في "حليم"، انحدرت ككرة من النار على الدرج واقتحمت ديوان أخيها "كِمشاق" وقذفت بكلماتها في وجه "حليم" الذي كان يقف بجواره:
- أنت السبب، تلك الجارية التي أحضرتها هي التي سرقت الكتاب من غرفتي وهربت من القصر بعد أن سرقت المال من "أُونتي"
- أي جارية؟
- "مَرام"
- أيهم؟ أنا لا أذكرها!
- تلك التي غطيتها بوشاحك أيها الـ...
صاح "كِمشاق" يستوقفها قبل أن تسبّه، فهو يكره أن يغضبه لأنّه ساعده الأيمن، وألقت بجسدها على الكرسي وكأن صاعقة أصابتها، قال "حليم" بجدّية:
- ليس هذا بوجه سارقة.
- يبدو أنك عاشق أيها الحليم.
قالتها باستهزاء، فتجاهل ملاحظتها وقال:
- لست بسفيه أو أحمق حتى أُخدع! تلك الفتاة ليست سارقة، وهي فتاة شريفة لم يمسّها رجل من قبل، عودي لأختك "أُونتي" فهناك شيء ما وراء اختفاء تلك الجارية، وهناك سرّ وراء اختفاء الكتاب.
عادت "نَبرة" إلى غرفة أختها "أُونتي" ودار بينهما حوار أدارته بطريقتها الخاصّة حتى استخلصت منها القصة بحذافيرها من البداية وحتى تلك اللحظة التي ماتت فيها روحها عندما لفظها "كلودة" ورفض غرامها، انكشف الأمر لـ"نَبرة"، لكنّها لم تخبر أخاها ولم تخبر "حليم" بما عرفته، فهي تود رؤية "أنس" أولًا!
انطلق بعض الحراس الخاصّين بها بعد طلوع الفجر يبحثون عن "كلودة" وعثروا عليه سريعًا فالوصول إلى بيته سهل عليهم، وانتزعوه من حضن بيته وأمنه وزوجته "أشريا" التي مادت الأرض تحت قدميها وسقطت مغشيًا عليها في الحال.
???
عادت "أشريا" إلى بيت "أمها" وأخبرتها و "مَرام" بما حدث بعبارات قليلة يتخللها بكاء شديد بنشيج مسموع، كانت لا تعرف لماذا أخذوه! سألت "مَرام" مرارًا وتكرارًا فهي الوحيدة التي كانت في ذاك القصر، وكانت "مَرام" في حيرة من أمرها أتخبرها بأمر الأميرة "أُونتي" وقصّتها مع "كلودة" أم لا. آثرت الصمت، وخرجت لتخبر "كُومبو" و "أنس" الّلذين أغلقا الدكان وتوجها فورًا لبيت "أشريا"، هدّأها "أنس"، وأخبرها أن "كلودة" يعشق الكتب كما تعرف هي، وأنّ كتابه كان عنده، وحراس الملك يطاردون المحاربين، ويطلبون كتبهم، ولأن الخبر وصلهم بأن الكتاب عنده اعتقلوه، بكت وتعلّقت بكمّه وتوسلت إليه أن يعطيهم الكتاب ويعيد إليها زوجها "كلودة"، وعدها أن يعيده وخرج حائرًا، لا يدري ماذا يفعل!
???
كانت ضربات السياط على ظهر "كلودة" متواليه حتى أنه فقد وعيه، كان خائرًا مضعضع القوى حيث علّقوه من قدميه فشعر بأن رأسه سينفجر، كرروا عليه السؤال:
- أين الكتاب؟
وكانت إجابته واحدة لا تتغير:
- الكتاب مع "أنس".
لكنهم كانوا يتلذذون بتعذيبه، كانت "نَبرة" تراقبهم وهم يضربونه، وجلست تفكّر فقد أخبروها أنه تزوج منذ أسبوع، فهل هو بطل قصة الكتاب؟، وهل إن حصلوا على الكتاب الآن وثقبوا قلبه سيستطيعون كتابة ما يريدون بدمه حسب هواهم! يغيرون ما يحبّون، ويثبتون ما يريدون أن يثبّتوه في عقول الناس! رفعت كفّها فتوقفوا عن جلده، واقتربت منه ووقفت أمام وجهه المقلوب حيث كان لا يزال معلقًا في الهواء، كانت علامات الألم بادية في عينيه الذابلتين وسحنته الشاحبة، سألته مهدده له:
- إن لم تخبرنا أين "أنس" الآن سأجعلهم يخلعون عينًا من عينيك.
أخبرها عن مكانه، كان منهارًا لا يحتمل نفخة هواء أخرى تمر على صفحة وجهه، فوصف لها العنوان بالتفصيل، أشارت لرجالها ليحضروا قلمًا وقرطاسًا، وكتبت لـ"أنس" تستدعيه لتراه بطريقة أدبية راقية، وأرسلتهم إليه، أرادت أن تلتقي به لتحاربه بطريقتها الخاصّة.
???
مرضت"أشريا" مرضًا شديدًا، كانت تنتفض وجبينها يتفصّد عرقًا، فسيرها في ذاك الطقس البارد بعد أن سلبوها زوجها صباحًا من بيتها لبيت أمها أضر بصحتها، أصابتها الحمى وكانت كسيرة ومهزومة النفس بسبب ما حدث لزوجها وحبيبها، جلست مَرام تمسح جبينها بالماء، أما أمها فكانت لا تتوقف عن البكاء، في غرفة أخرى من الدار كان "أنس" يجلس مع "كُومبو" يفكّر هل يذهب إلى قصر "كِمشاق" الآن ويستخدم خنجره أم يذهب أولا للحوراء ويسألها! تناهى إلى سمعهما صهيل خيول، فانتفض "كُومبو" وخرج يرى من بالباب فإذا برجل مهيب الطلعة قال بطريقة رسمية:
- معي رسالة من الأميرة "نَبرة".
كانت طريقته في الكلام توحي بالتوقير الشديد، يبدو أنّ "نَبرة" أوصته بذلك، اقترب "أنس" وتسلّم الرسالة، ثُمّ قرأها وقال:
- إنّها تدعوني للقائها.
اقتربت "مَرام" في قلق وقالت:
- لا تذهب.
لحظ "أنس" أن يدها ترتعش ونظر فإذا دمعة تند من عينيها، قال بهدوء:
- لماذا؟
غامت على وجهها سحابة من الأسى وقالت:
- أرجوك لا تذهب، إنّها "نَبرة"!
قال يطمئنها:
- هي تطلب اللقاء في مكان بعيد عن القصر، وليست الرسالة من الملك "كِمشاق" نفسه، وبأيّ حال لا بدّ أن أساعد "كلودة"، سأساومها على الكتاب.
وضع "أنس" في حقيبته كتابًا آخرًا ليوهمهم أنه يحمل كتابه في حقيبته، ذاك ما تبادر إلى ذهنه بعد أن فكّر سريعًا ليجبرهم على عدم قتله. قالت "مَرام" وهي تحبس دموعها:
- وماذا إن لم تعد؟
أجابها بثقة:
- سأعود إن شاء الله
شعرت بشوكة حادة تنغرز في فؤادها، قالت بخفوت:
- وماذا لو... لم نلتقِ مرّة أخرى هنا على أرض تلك المملكة؟
اضطربت في دمه الكلمات ثمّ قال:
- دعينا نتعاهد على شيء، إن لم يُكتب لنا اللقاء هنا، وعاد كلّ منا لأهله، فلنلتقِ في الإسكندرية، في مكان محدد.
- فليكن
واتفقا على المكان، وودعها "أنس" وهو يقرأ الألم على وجهها وفي عينيها، كان لا بدّ من إطلاع "كُومبو" على بعض الأمور، استأمنه على "مَرام" وشدّ على يديه وهو يصافحه، وابتعد مع الحراس يتلفّت من آن لآخر مشيرًا إلى "مَرام" التي انخلع قلبها لرحيله.
" خطر "
على حصان كستنائي اللون وتحت ستار الليل، كانت الأميرة "نَبرة" متجهة صوب مكان بعيد عن القصر وبعيدًا عن عين أخيها الملك "كِمشاق"، ترجلت بثوب فتّان وأقبلت ترفل في زينتها حيث كان "أنس"، عندما رأت وجه "أنس" أحسّت بقلبها ينسحق لكنّها نجحت في السيطرة على مشاعرها، كان يقف بكبرياء، تأملت فتوته بإعجاب، قطراتُ العرق كانت تتلألأ على جبينه رغم برودة الجو! فأدركت أنه كالبركان داخله يغلي رغم القوة والثبات الذي يحاول الظهور بهما، كان قد أغمض عينيه وأرخى ذراعيه يبدو منهمكًا في التفكير بعمق، وقفت لدقيقة تتأمله وتراقبه، فُتنت به فنسيت من هي وأين هي ولم جاءت، بينما كانت تراقب كلّ لفتة منه وكلّ حركة يقوم بها بإعجاب، كانت تقترب بخطوات هادئة، أشارت للحراس الذين حيوها بإجلال، انتبه "أنس" ورفع عينيه ورنا نحوها بنظرة خاطفة وقال وهو يطوف في الأرجاء بعينيه:
- أين "كلودة"؟
اقتربت ووقفت قبالته حتى اخترق عطرها القويّ أنفه وقالت وهي ترمقه بجرأة:
- أنت قويّ، وجريء! كيف لبيت دعوتي بتلك السهولة! ألا تخشى أن أقتلك؟
لم يرد عليها مثيرًا لديها شعورًا بغيضًا بأنّها تتحدث إلى الفراغ. كادت تصرخ في وجهه كما اعتادت، تنهره، تصفعه ليرفع عينيه ويحدّثها، لكنّها وقفت أمامه كالقط الصغير، قالت بنَبرة مرهفة:
- اسمي..."نَبرة".
لائذًا بفقاعة من الصمت انصرف مبتعدًا عنها بينما وقفت تتابع خطواته، لم يتسنّ لها التنفس، وكأنّ نبض قلبها يتردد في صدغيها، لقد فُتنت "نَبرة" ولأوّل مرّة في حياتها! فتنت بالمحارب الذي جاء خصيصًا ليسترد نهاية كتاب ستنازعه عليه!
جلست على مقعد قرّبه إليها أحد حرّاسها ووضعت ساقًا على ساق وقالت بخضوع:
- "إيكادولي".. هل تعرف معناها؟
لم يلتفت "أنس" ، قالت هامسة:
- أحبك
لم يرف له جفن، كان ثابتًا كالطود فشعرت بانزعاج وأردفت:
- أين الكتاب؟
- ليس معي
- وأين هو؟
- في أمان.
قالت بهدوء:
- لماذا لم تحضره معك، ألا تثق بي؟
- وما الذي يدعوني للثقة بك! لقد خطفتم صديقي!
كانت تحاول أن تمدّ حبائلها حوله ببطء، قالت وهي توقّع كلماتها:
- وما الذي جعلك تثق بـ"الحوراء"؟ أليس من الغريب أن تمنح ثقتك لغرباء دون آخرين، أتيت إلى مملكتنا غريبًا عنا، لا تعرف عن ماضينا فما لك تحكم على الناس دون أن تسمع منهم؟
- كان جدي هنا من قبل وكذلك أبي، وأنا أثق بهما وبمن وثقا به من قبل.
ابتسمت وقالت:
- وهل لا بدّ أن نفعل كل ما فعله أباؤنا وأجدادنا دون تفكير!
بدأت كلماتها تستفزّه، قال بعصبية:
- لا.. ولكنني أثق في حكمهما على الأشخاص، ولكل منهما تاريخه وتجربته هنا.
تحولت ابتسامتها إلى تقلّص مريع على جانبي فمها وقالت:
- أين عقلك، أليس لك عقل تفكّر به وتحكم على الصواب والخطأ، وتختار بإرادتك؟ أم أنت تساق كالأعمى!
بدأ الوريد في جبهته ينبض، ردّ بحدّة:
- اخترت بإرادتي وعقلي أن أثق بأبي وجدي.
تلونت سريعًا كالحرباء ونظرت إليه نظرة فيها كل معاني الاستسلام والغزل وقالت:
- لماذا أنت غاضب؟ هل ضايقناك في شيء؟ أنت تعلم أنني كنت أستطيع أن أطلب منهم إحضارك بنفس الطريقة التي أحضروا بها "كلودة"، لكنني أعلم أنك مختلف عنه، أنت شريف... لكنه خائن غدر بـ"أُونتي" المسكينة، وكانت تحبّه.
- هو ليس بخائن!
قالها وهو يمرّ على وجهها سريعًا حيث رمشت عندما التقطت مقلتيه فأردف مدافعًا عن "كلودة":
- كانت تطارده، لم يكن ليفكر في أميرة وهو شاب بسيط وفقير، هي التي فتحت له الأبواب، وكانت تستدرجه وتغويه، وقد ندم وتراجع وأنهى علاقته بها وأخبرها بنفسه.
لم يكن أمر "أُونتي" يشكل أهمية لدى "نَبرة"، كان جلّ تركيزها على "أنس"، شعرت للحظات أنها فهمته، هو من ذاك النوع من الشباب المهذّب الذي يسهل الطريق إلى قلبه عن طريق معاملته بذوق وأدب، لا بأس من إظهار بعض الضعف حتى تستميله، وربما تشهر أسلحة أنوثتها لاحقًا، قالت بعد صمت خفيف:
- أنت على صواب، أهلكتني أختي "أُونتي"، كنت أنصحها كثيرًا لكنها كانت تسيء إلى أسرتنا بأفعالها، لا أدري كيف أتصرف معها.
ثُمّ سألته:
- هل هما أبطال قصّة كتابك؟ هل ظهرت العبارات بعد أن التقيت بهما؟
- ربّما... ربما "كلودة"و زوجته.
- أو "كلودة" و "أُونتي"!
- لا أظن.
- الكتب هنا تفاجئنا، تكون عكس كل التوقعات! ربما أنا وأنت أبطال هذه القصّة.
ارتبك "أنس" عندما قالت هذا ورنا إليها حيث اقتنصت نظرة منه، ابتعدت عنه خطوات ثُمّ استدارت فجأة قائلة:
- هل أحببت من قبل؟
- ولم تسألين؟
هزّت كتفيها وقالت:
- طالما قلت هذا فأنت عاشق، من لا يحب يجيب نافيًا بثقة في الحال، ترى من هي؟
أشاح "أنس" بوجهه بعيدًا عنها وقال:
- أتيت لأتحدّث عن "كلودة"، أين هو الآن؟
- لا بأس بحديث جانبي، وسنعرج للحديث عنه فلا تقلق.
- لا... لا مجال لحديث آخر.
قام يسير بغضب فعلق قميصه بمسمار بارز من خشب الجدار، نزعه منه بعصبية فتمزّقت منه قطعة وعلقت بالمسمار فابتعد وهو يفرك ذراعه حيث أصابه المسمار بجرح، بينما اتجهت"نَبرة" والتقطت قطعة القماش التي تمزّقت من قميصه وكورتها في كفّها، أومأت لكبير الحراس فقد اتفقت معه أن ينزع عن "أنس" قميصه قبل رحليه لتعطيه للساحر "قرجة"، لكنها الآن ستكتفي بهذا الجزء الممزق، فهمها الحارس في الحال.
كرر "أنس" كلامه باستياء شديد:
- أريد أن أرى "كلودة" حالًا.
كان يتحدّث بثقة، فهو لا يهابها ولا يخشاها، حتى أنه لم ينظر إليها! شعرت "نَبرة" أن هناك من رشق كومة من الإبر في جسدها، انتفضت وسارت نحو حصانها حيث ساعدها أحد الحراس في ركوبه، ثُمّ التفتت نحو "أنس" وقالت بعنجهية:
- أحضر كتاب "إيكادولي" واستبدله بصديقك، وأسرع قبل أن يقتله الملك.
انصرفت "نَبرة" والغيرة تتأجج في صدرها، ذاك الشاب عاشق لا محالة، لم يرف له جفن وهي من هي تتألق في زينتها أمامه، وكأنه قد عمي وهي بقربه!
???
كان اللصوص ومنذ خروجهم من قصر الملك "كِمشاق" يبحثون عن "أنس" في كل مكان، توزعوا بين القرى يبحثون عنه، على حين غفلة منه، وبينما هو عائد من لقاء "نَبرة"، وبعد أن تتبعوه نجحوا في أسره بعد اشتباك عسير مع رجالهم، فقد كان "أنس" من ذاك النوع الذي يصعب أن تغلبه إلّا بالكثرة، فهو خصم قويّ وعنيد. أسرعوا به نحو قصر الملك ، ودخلوا به مقيّدًا، وقدموه لـ "حليم"، ركلوا "أنس" بقسوة ليخرّ مرغمًا على ركبتيه أمامه، لكنّه وثب بقيوده واقفًا وأبى أن ينحني، فانهالوا عليه بالركلات حتى فقد وعيه.
استيقظ على أثر ضرب السياط وقد كان معلّقًا من ساقيه، كان يشعر أن دماءه التي تجمّعت في رأسه المتدلّي تكاد تخرج من عينيه، كان الجلّاد ينهال على جذعه بالسياط، بينما كان "حليم" يتمشّى أمامه، أشـــــــــــــــار للجلاد ليتوقف
عن ضربه، أخرج خنجرًا رفيعًا واقترب من قلبه ليثقبه، وقال يهدده:
- أتعلم أنني أستطيع الآن أن أثقب قلبك؟
- وماذا بعد؟
- ستموت.
- وهل أنا على قيد الحياة الآن!
قالها "أنس" وكان يعنيها، فقد بدأت الأمور تختلط عليه، ملّ من تلك المملكة، وبدأ يكره كلّ ركن فيها. كاد "حليم" يشير للجلاد ليعود لجلده، لكن "أنس" باغته سائلًا:
- في أي عام نحن الآن؟
- ماذا!
- وددت أن أعرف... في أي عام نحن؟
- مائه وثلاثة وأربعون.
- ماذا!
- كما قلت لك مائة وثلاثة وأربعون، لماذا تتعجب؟
- معقول!
كاد "أنس" يقول شيئًا ما، فقد تذكّر نصيحة الأمير "أواوا" التي أخبره بها في الممر تحت الماء في تلك الرؤيا، أن ينتبه للأرقام! لولا دخول"نَبرة" التي صرخت فالتفت "حليم" تجاهها وقال:
- "نَبرة"! صحيح، نسيت أن أدعوك لتشهدي تلك اللحظة، ها هو المحارب وسنثقب قلبه الآن.
اقتربت وهمست وهي ترشقه بنظراتها:
- وكيف ستثقب قلبه والكتاب ليس معنا أيها الأحمق!
زمجر غاضبًا حيث استفزته كلماتها وقال بصوت جهوري ليسمعه ويخيفه:
- سنجمع دماءه في وعاء لوقت لاحق وعندما نعثر على الكتاب سنكتب ما يليق بملكنا العظيم "كِمشاق".
- وما أدراك أن هذا صواب؟ لم يحدث هذا من قبل.
التفتت "نَبرة" نحو وجه "أنس" فسحبت "حليم" من ذراعه بعيدًا حتى لا يسمعهما وأردفت قائلة:
- أرى أن نستبقيه حيًّا حتى نحصل على الكتاب، لقد كنت سببًا في ضياعه يا "حليم"، ألم تعثر على تلك الجارية التي اشتريتها من السوق...التي سرقت الكتاب؟
- ليس بعد، لكنني سأعثر عليها.
انصرفا معًا وتركا "أنس" بعد أن أمر "حليم" الجلّاد أن ينزله ويقيد ساقيه بالسلاسل.
وبعد نحو ساعتين، وتحت جنح الليل تسللت "نَبرة" إلى زنزانته وهي تخفي وجهها. كان ثمن صمت الحراس غاليًا، لكنها ولأنها تعرف عن زعيمهم الكثير من الأسرار بسبب عيني بومتها كان التهديد وسيلة لتصل إلى ما أرادته، استطاعت أن تحرر "أنس"، وقفت تلتقط أنفاسها وقالت هامسة:
- سنذهب الآن إلى غرفتي، سأخفيك حتى أرتب أمر هروبك مع الحراس.
- لا
- لماذا؟
- ولماذا أذهب معك وأنا استطيع الفرار الآن!
كان "أنس" لا يثق بها، لكنها كانت سببًا لكي يهرب، ما زال لا يفهمها! ربّما فيها بعض الضعف الذي يراه في عينيها، أو ربما هي فعلا ذات قلب طيب، لكن جرأتها وسفورها عظّما في قلبه الامتعاض والحذر منها، كان محتارًا في أمرها، وهو بالـتأكيد لن يبيت في غرفة امرأة! لا سيما التي لا حياء لها! قال محاولًا أن يستشف ما وراء أفعالها:
- كيف استطعتِ دخول زنزانتي؟
قالت في دلال وقد تملكها الزهو:
- لي عيون ورجال، لا تستهن بي!
ران عليهما الصمت للحظات كانت تفكّر في مخرج ما، يبدو أنه صعب المراس، رأت أن تتركه يرحل لتكتسب ثقته مؤقتا، وتستدعيه مرّة أخرى وقتما شاءت، سمعت صوتًا أربكها، فأسرعت تجاه أحد رجالها، وكلّفته أن يدله على الطريق لكي يخرج من القصر بسلام.
هرب في الظلام مهتديًا بضوء القمر، قطع المسافة ركضًا وكأنّه يهرب من الموت، كان غضبه هادرًا وشديدًا، هدّأ من ركضه عندما اقترب من بيت "أشريا"، في تلك الساعة كانت القرية قد خلت إلا من أواخر الناس وطوارق الليل وبقيّة من الأنفاس تحبو في الطرقات ذاهبة إلى مضاجعها، وضعت "مَرام" يدها على صدرها وتنهّدت باطمئنان عندما رأته يقترب، حيث كانت تتنقل بين "أشريا" وهي تنتفض بين يدي أمها، وبين النافذة تراقب الطريق وتنتظر عودته، أسرع "كُومبو" مهرولًا نحوه فور أن رآه ليسأله عن "كلوده"، طلب منه أن ينتظر حتى تنضم إليهما"مَرام"، فهو لا يودّ إزعاج "أشريا" لأنه لا يحمل خبرًا جديدًا عن زوجها، وبعد أن خرجت "مَرام" قصّ عليهما ما حدث بالتفصيل، وفور أن انتهى أطبق عليه الصّمت كأنّ كلّ الكلام قد تلاشى وتبخّر على شفتيه.كان متعبًا تؤلمه آثار السياط على جذعه، فارقه نشاطه وخفته وبدأ يجثم على صدره نوع من الكآبة، قالت "مَرام" وهي تسقيه الماء:
- "أنس" ما بك؟ هل تخفي عنّا شيئًا ما؟
كانت تلك المرّة الأولى في حياته التي يجلد ويضرب فيها بتلك الطريقة، وكان يشعر بالإهانة، أمسك الكوب وفي يده بقية من اضطراب وقال:
- لا... ولكنني أشعر أن الأمور قد بدأت تتعقّد.
اختلس نظرة واقتبس شيئًا من عينيها ليسترد شيئا من إرادته ثُمّ خفض طرفه وقال:
- لكنّ تلك الأزمة ستمرّ إن شاء الله، وسنعود إلى ديارنا يا "مَرام".
حاولت أن تمنحه ابتسامة مغتصبة لتشجّعه وتخفف عنه، لكنّها لمحت في وجهه مرارة وفي قسماته وجومًا أخافها. انصرف مع "كُومبو" ليطبب له جراح ظهره في بيته، وعادت "مَرام" وسهرت ليلتها بجوار "أشريا".
يقولون إنّ تحت البحر نار، وإن جوف الأرض يتلجلج بجحيم يتلظى، وهناك تحت هذا الرماد شظيات تختبئ، وهنا تحت بشرة تلك الأميرة التي تبدو للناظرين باردة دماء تغلي وقلب يحترق... كانت "نَبرة" تتساءل في نفسها، كيف تجاهلها "أنس"؟، كيف لم يُفتن بجمالها؟، كان يشبه تلك التماثيل الخالية من النقوش، يتحدث معها وكأنّه لا يقول شيئًا، ينظر إليها وكأنّه لا يراها! قررت أن ترسل إليه مرّة أخرى، وكان قد مرّ يومان على رحيله من القصر، والذي أحدث ضجّة بين الحرّاس كلفتها الكثير من المال، واضطرت لقتل أحد رجال "حليم" حيث ذبحه رجالها لأنه كاد يشي بأمر تهريبها لـ "أنس"، لم يكن "حليم" يعلم بأنّها تعرف عنوان "أنس"، وظلّت تخطط لكي لا ينكشف أمره لأخيها ولـ "حليم" ففي نفسها شيء تجاهه، ترى أنه يصلح أن يكون حبيبًا لها، وربما تغير أمورًا كثيرة في تلك المملكة!
كانت تتعجل رؤيته، أرسلت إليه رسالة تطلب منه أن يلتقي بها لأمر هام وضروري، أرسلتها في الخفاء مع أحد رجالها.
وسط النهار، وبينما يفكّر في طريقة ما يعرف بها أخبار "كلودة"، حيث حاول أكثر من مرّة أن ينتقل بالخنجر لبلاط القصر ليبحث عنه، كان يدلف إلى الفجوة ويعود لنفس المكان! هناك شيء غريب! لا ينجح الأمر مع قصر الملك "كِمشاق" كما نجح مع غيره! وأصابه إرهاق شديد.
جاءته الرسالة معطّرة بعطرها وملفوفة بشكل أنيق وكأنها رسالة حبّ مما جعله يتعجّب! أرادت "نَبرة" أن تلتقي به بالقرب من بيت "كلودة"! تعجب للمكان الذي اختارته، أخبر "مَرام" و"كُومبو" وأسرع إلى هناك، مرّة أخرى ذهب للقائها دون الكتاب، ومرّة أخرى تركه والخنجر مع "مَرام" التي ماتت على لسانها الكلمات، فهي تشعر أن الأميرة "نَبرة" تدبّر لشيء ما، وكانت تخشى على "أنس".
فور أن وصل إلى البيت انطلق يفتش بعينيه هنا وهناك، لا حراس ولا خيول! فأين هي؟ خلف البيت، وفي بستان كثيف الأشجار فوجئ بصقر مهيب الطلعة ينتظره مع "نَبرة" التي رحّبت به في شىء من الحرارة، وقفت أمامه بزينتها وكأنها قطعة من الفتنة المتحركة.
قدّمته له بإجلال، كانت تلك هي المرّة الأولى التي يرى فيها "القرناس"! ذاك الصقر الذي سمع عنه الكثير، كان يختلف في هيئته عن "الرمادي"، كان "القرناس" ذا ظهر أسود، والجسد أبيض يخرج منه جناحين مبرقشين، وذيل طويل، وعريض، ومدبب عند نهايته، ذو طرف أزرق وعلامة بيضاء على أقصاه. يظهر أعلى رأسه السوداء كما الشارب الذي يمتد على الوجنتين بلون أردوازي يتباين بشكل حاد مع جانبيّ العنق الداكنين والحلق الأبيض. اهتزّ فور أن رأى "أنس" وقال بصوت أجشّ:
- مرحبًا أيها المحارب!
- مرحبا أيها "القرناس".
- أين كتابك؟
- ليس معي.
- من الخطأ أن تسير بلا كتابك.
- أعرف هذا جيّدًا، والآن.. ماذا تريدان مني؟
تقدّمت "نَبرة" تجاهه وطالعته بشغفٍ و إعجاب وقالت:
- صفقة!
- أي صفقة؟
أشارت بارتباك للقرناس الذي قال بثقة:
- أنت تعلم أننا نحن الصقور نعرف عن التاريخ والكتب ما لا تعرفونه، فدعني أطلعك على السر.
- أي سر؟
- كتابك يتحدّث عن الحب، "إيكادولي" يحكي قصّة حبّ أميرة ومحارب، الأميرة وقعت في حبّه منذ النظرة الأولى، أنت محارب وها هي الأميرة.
ثُمّ بسط جناحه مشيرًا إلى "نَبرة" وأردف قائلًا:
- القصّة كانت تنتهي بموت المحارب، حيث سيقتله أحد الأمراء غيرة عليها، ولأن الأميرة "نَبرة" تكره هذا وتخشاه، والصفقة هنا أعرضها عليك بنفسي، فأنا لي مكانتي بين باقي الصقور. الأميرة "نَبرة" تعرض عليك أن تسلّمها الكتاب بنفسك، وتكتبا معًا قصتكما على صفحاته بدماء جرح بسيط على كفيكما، وتسلّمك نفسها وتسلمها نفسك، ليخلد حبكما إلى الأبد.
حرّك "أنس" رأسه وقال ساخرًا:
- أتعني أن أتزوجها!
تطلعت إليه بنظرة كلها نداء وقالت:
- ولماذا نتزوج! أنت تعلم أن زواجنا مستحيل لأنّك محارب، يكفينا الحبّ
قال باشمئزاز:
- أي حبّ هذا!!
قالت بتهدّج:
- الحب لا يحتاج إلى زواج!
قال غاضبًا:
- ما هذا الهراء! أنت تخرفين..
ثارت "نَبرة" ومادت الأرض تحت قدميها، وبدلا من أن تصرخ في وجهه غطت وجهها بكفيها وبدأت تبكي، رفرف "القرناس" بجناحيه وحلّق مبتعدًا، كان الصقر يفهم ما تقدم على فعله الأميرة "نَبرة"، فانصرف وترك لها الساحة لتكمل دورها، بينما هرولت هي نحو "أنس" وقالت بخفوت:
- أنت لا تصدّق أليس كذلك؟
- أصدق ماذا؟
- أنني أحبك!.. أرجوك... أنا أحبك!
شعر "أنس" بكارثة تظلله، تراجع للخلف مستعجبًا وهو يراقب عينيها المغرورقتين بالدموع وقال:
- الحبّ لا يأتي بالتوسّل والرجاء
- لكنه يقع على الإنسان بغير اختياره، لا أريد منك سوى القرب، دعني أسكب روحي بروحك، اسمح لي أن أحبك.
أنهت كلماتها وعادت تبكي، كانت ماهرة في استجلاب دموعها، وبارعة في توظيف إيماءاتها ونظراتها. أقبلت عليه فقال في صوت غائر كأنما ينبعث من أعماق هاوية:
- اتركيني.. ابتعدي عنّي.
شعر "أنس" بالخطر عندما بدأ يتعاطف معها! وعندما بدأت كلماتها تؤثر فيه، أسرع مهرولًا خارج البستان، وعاد والأفكار تتناطح في رأسه. وكأن عاصفة تجتاح نفسه فتحطمها وتوشك أن تحطم حياته كلها.
???
حلّ الليل وأطلّ القمر مختنقًا، في ضوء واهن لشمعة أوشكت أن تنطفئ ويحترق فتيلها، وكانت هناك ظلال صغيرة قد ظهرت وانعكست على الأرض يراقب أصحابها وجه "أشريا". في ركن يلفه الظلام إلا من بصيص مصباح صغير، كان جبينها مغمورًا بالعرق وهي تجلس في هوانٍ وبجوارها أمّها تمسح رأسها بالماء من آنٍ لآخر وهي ترتجف. شدّت الغطاء الصوفي على جسد ابنتها المتكورة بجوارها قبل تسقيها الدواء..
خرج "أنس" ومعه "كُومبو" و "مَرام" يتحاورون، كان "أنس" قد قصّ عليهما ما حدث مع الأميرة "نَبرة، كان "أنس" متعبًا وكأنه خرج للتو من حرب، مرّت البومة البيضاء من فوقهم فصرخت "مَرام"، أخبرت "أنس" أن "نَبرة" تراقبهم وأخبرته عن تلك البومة وكيف تمنح "نَبرة" رؤى ليلية وها هي ستنقل إليها أنهم التقوا هنا ومعهم الكتاب، لاحق "كُومبو" البومة وطاردها بالقاء الأحجار عليها حتى ابتعدت، قرروا الانتقال مع "أشريا " وأمها إلى مكان أمين، حتى أم "كُومبو" ذهبت معهم، بعيدًا عن أعين الناس، وعن عيني "نَبرة" وبومتها قضوا ليلتهم غير مطمئنين، فالقلق يستبد بهم على "كلودة" المسكين، وكان الانتقال بـ"أشريا" وهي مريضة أمرًا لم تستحسنه أمها لهذا قاومتهم كثيرًا لكنهم في النهاية اضطروا إلى هذا، خوفًا من حراس "نَبرة". وكانت "أشريا" لا تزال تعاني من الحمّى، لم يخرج أحد منهم، وكانوا الثلاثة "أنس" و "مَرام" و "كُومبو" يفكرون في طريقة للوصول إلى "كلودة"، قرروا أن يحاولوا الذهاب سيرًا على الأقدام في اليوم التالي، فـ"مَرام" تعرف الطريق إلى القصر، وربّما تسطيع مساعدتهم للتسلل من أحد الأبواب. أرخى الظلام ستره، وسكنوا حيث هم، وبعد أن عانت "نَبرة" طوال النهار من نفسها التي تتقلب بين جنبيها وعاودت البكاء، فقد شغفها "أنس" حبًا وباتت مغرمة به، وقد بدأ ذاك الشغف منذ رأته بعيني بومتها في الغابة.
خرجت ومعها تلك القطعة التي تمزّقت من قميصه، كانت تشمها وتقبّلها. وصلت في مكان ما حيث اجتمعت زمرة من النساء غليظات الملامح، لديهن أجسادُ ضخمة، ووجوه كستها صفرة كالحة. ساهمات الخدود، كأنّما تدلين على الأرض من مشنقة. جلست كلّ منهن بجوار الأخرى وشكلوا حلقةً حول الأميرة "نَبرة"، وعليهن ثياب سوداء طويلة مطبوع عليها رموز خضراء وصفراء فاقعة، كتابات غريبة ترمز لشىء ما!
ذهبت إليهن "نَبرة" حيث أخبرتها الوصيفة أنهن سيساعدنها على استجلاب الحب لقلب "أنس"، وأنّه سيغرم بها إن نادت عليه الليلة وهن يرتلن ترانيما معيّنة بينما تعقد كبيرتهن عقدة على قطعة من قميص "أنس" الذي يحمل عرقه. وكانت "نَبرة" تؤمن أنّ السحر هو الحل! فقد فشلت في إغوائه بجمالها، فشلت لأوّل مرّة أمام رجل! وهي التي لا يصمد أمام جمالها الرجال!
من خلفهن كان هناك بعض الغلمان يعلّقون الطبول على رقابهم، أمّا النساء الغلاظ فقد استقرّت بين أيديهن أوعية من الفخّار مجوفّة تصدر دويًا مكتومًا عندما يطرقونها بكفوفهن. رفع زعيمهم عصاه فبدأ القرع على الطبول بانتظام، امتزج صوت قرع الطبول بأصواتهم الغليظة، همهم الرجال وهم يقرعون أجراسًا نحاسية في أيديهم، ثُمّ بدأت النساء بترديد ترانيم حزينة، كان للصوت وقع مهيب ومخيف، بدأت الترانيم تتغير لنَبرة غاضبة، وتسارع إيقاع القرع على الطبول والأجراس، بدأت "نَبرة" تنفعل، اهتزّ جسدها كلّه وكأنّها أُصيبت بصاعقةٍ من السماء، وبكت بنشيج مسموع، التفّت حولها بعض النساء وقمن بحركات منتظمة، حرّكن رءوسهن وأكتفاهن بطريقة غريبة، إنّها رقصة النّار، شهقت "نَبرة" ثم قالت بصوت مخنوق وكأنّه يصدر من بئرٍ عميق، وقد نبع من سويداء قلبها:
- "إيكادولي"
تعالت أصوات النساء يردون عليها بنفس الكلمة، مصحوبة بنغمة حزينة:
- "إيكادولي...... إيكادولي"
كانوا يطيلون الصوت بالحرف الأخير وكأنهن يَنُحنَ معها ويستجلبن البكاء، علا صوت "نَبرة" شيئًا فشيئًا، بدأت تصرخ كالمذبوحة، مرّات ومرّات، دموعها أغرقت وجنتيها، ضمّت يديها لصدرها، كانت رغبتها الجامحة إليه تستنفض على وجهها، وتسوقها في عنان الغيظ، دارت حول نفسها وكأنّها غابت عنهم، حتى انهارت وغرقت في يأسها وانحنت متقوقعةً وكأنّها تتلقى طعنة في فؤادها، تلوّت من الألم، سقطت على الأرض وهي تكررها "إيكادولي....إيكادولي"، بينما كان "أنس" في مكان آخر مشغولًا بحديثه مع "كُومبو" شعر وكأنّ أحدهم غرز في قلبه شوكة. حاول الوقوف على قدميه، بدأ يتقدّم ببطء كما لو كان بصدد غطسة انقطع نفسه لها ثُمّ غاب عن الوعي فجأة
______________________________________
يتبع في الحلقة 19 التي ستجدها هنا 👇
لقراءة الحلقة 17 ستجدها هنا 👇
https://www.facebook.com/share/p/1Fu33p3bmp/