30/07/2026
عيد العرش بين الأناشيد الوطنية والحفلات الفنية.. هل أصبح الاحتفال يبتعد عن رسالته؟.
في كل سنة، ومع حلول ذكرى عيد العرش المجيد، تتسابق العديد من الجماعات والمقاطعات والجمعيات إلى تنظيم سهرات فنية واستقدام مغنين وفرق موسيقية، تُصرف عليها ميزانيات معتبرة، في مشهد يتكرر عاما بعد عام حتى أصبح لدى كثير من المواطنين سؤال مشروع: هل هذا هو الشكل الأمثل للاحتفاء بعيد العرش؟
عيد العرش ليس مجرد مناسبة للترفيه، بل هو محطة وطنية تستحضر تاريخ الدولة المغربية، وتضحيات العرش والشعب، وما تحقق من منجزات في سبيل الأمن والاستقرار والتنمية. لذلك يعتقد كثيرون أن الاحتفال بهذه المناسبة يجب أن يعكس قيم الوطنية والانتماء، لا أن يختزل في الحفلات الغنائية وحدها.
إن الأمن الذي ينعم به المغرب اليوم لم تصنعه المنصات الفنية، بل صنعه رجال ونساء يسهرون ليل نهار على حماية الوطن. رجال الأمن الوطني، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والقوات المسلحة الملكية، والوقاية المدنية، ومختلف الأجهزة التي تؤدي واجبها في صمت، تستحق أن تكون في واجهة الاحتفاء والتكريم خلال هذه المناسبة الوطنية.
أليس من الأولى أن تتحول ميزانيات بعض السهرات إلى مبادرات لتكريم هؤلاء، أو إلى دعم برامج تكوينية للشباب، أو مسابقات في الشعر الوطني، والإنشاد، والثقافة، والابتكار، والبحث العلمي؟
إن الأجيال الصاعدة تحتاج إلى ترسيخ قيم المواطنة، وتعلم تاريخ المغرب، وحفظ الأناشيد الوطنية والقصائد التي تمجد الوطن، أكثر من حاجتها إلى حفظ كلمات الأغاني الرائجة التي سرعان ما تنتهي بانتهاء الموسم. فبناء الإنسان يبدأ من التربية على حب الوطن، وليس من ساعات الرقص واللهو.
ولا يتعلق الأمر بمعاداة الفن أو التقليل من قيمته، فالفن الهادف جزء من هوية الشعوب، لكن يبقى السؤال مطروحا: هل أصبح الاحتفال بعيد العرش يعتمد بشكل مفرط على الحفلات الفنية، على حساب الأنشطة التربوية والثقافية والوطنية؟
كما أن العديد من المواطنين يتساءلون عن الجدوى من استقدام فنانين بأجور مرتفعة في وقت تحتاج فيه بعض المناطق إلى مزيد من المبادرات الاجتماعية، والتكوينية، والثقافية، التي تترك أثرا دائما في المجتمع.
إن الجمعيات والمقاطعات قادرة على تقديم نماذج مختلفة للاحتفال، من خلال تنظيم دورات تدريبية في الإسعافات الأولية، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، واللغات، والبرمجة، والأنشطة الكشفية، والورشات الوطنية، إلى جانب أمسيات شعرية وإنشادية تستحضر تاريخ المغرب ورموزه الوطنية، حتى يشعر الشباب أن عيد العرش مدرسة للمواطنة قبل أن يكون مناسبة للاحتفال.
لقد أكد جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، في عدد من خطاباته على أهمية الاستثمار في الإنسان، وتأهيل الشباب، والتعليم، والثقافة، وبناء مغرب المستقبل بالكفاءات والعلم والعمل. وهي رؤية تجعل من تنمية الإنسان أساسا لأي تقدم حقيقي.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل نريد أن يتذكر أطفالنا عيد العرش لأنه كان مناسبة لحفل غنائي انتهى بانتهاء الليل، أم نريد أن يتذكروه لأنه غرس فيهم حب الوطن، واحترام العلم، وتقدير من يحرسون أمن البلاد، وألهمهم أن يكونوا علماء ومبدعين ومواطنين صالحين؟
إن هذا النقاش لا يتعلق برفض الفن، وإنما بإعادة ترتيب الأولويات، حتى يظل الاحتفال بعيد العرش المجيد معبرا عن قيم الوفاء للوطن، والاعتزاز بالمؤسسات، وتكريم من يخدمون المغرب، والاستثمار في الإنسان، باعتباره الثروة الحقيقية التي يبنى بها مستقبل الأوطان.