04/06/2026
الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي.. رهان استراتيجي لتعزيز التجارة والنفوذ
يمثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) أحد أبرز المشاريع الجيوسياسية والاقتصادية التي طُرحت خلال السنوات الأخيرة، بعدما أُعلن عنه على هامش قمة مجموعة العشرين في نيودلهي خلال سبتمبر/أيلول 2023. ويهدف المشروع إلى إنشاء شبكة متكاملة تربط الهند بدول الخليج وأوروبا عبر ممرات بحرية وسكك حديدية وشبكات طاقة واتصالات حديثة، بما يساهم في تسريع حركة التجارة وخفض التكاليف وتعزيز الترابط الاقتصادي بين المناطق الثلاث.
ويتكون المشروع من ممر شرقي يربط الهند بدول الخليج العربي، وآخر شمالي يمتد من الخليج إلى أوروبا عبر بلاد الشام والبحر المتوسط. وتشمل البنية التحتية المقترحة تطوير الموانئ، وإنشاء خطوط سكك حديدية حديثة، ومد شبكات كهرباء وكابلات ألياف ضوئية لنقل البيانات. ويُتوقع أن يسهم المشروع في تقليص زمن الشحن بين الهند وأوروبا بنسبة تصل إلى 40% وخفض تكاليف النقل بنحو 30% مقارنة بالمسارات التقليدية التي تمر عبر قناة السويس.
وتبرز الهند باعتبارها المستفيد الأكبر من المشروع، نظراً لحجم اقتصادها المتنامي وقدراتها الصناعية المتزايدة. فالممر يوفر لها منفذاً أسرع وأكثر كفاءة إلى الأسواق الأوروبية، كما يدعم طموحاتها في تعزيز صادراتها وتقوية حضورها في سلاسل التوريد العالمية. وتشير تقديرات إلى أن المشروع قد يضيف أكثر من 22 مليار دولار إلى صادرات السلع الهندية، ما يعزز مكانة نيودلهي كقوة اقتصادية صاعدة.
ولا تقتصر أهمية الممر على التجارة فقط، بل تمتد إلى قطاعي الطاقة والتكنولوجيا. فمدّ كابلات الألياف الضوئية على طول المسار المقترح سيوفر طرقاً جديدة وأكثر أماناً لنقل البيانات بين آسيا وأوروبا، بينما تساهم شبكات الطاقة في تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول المشاركة. كما ترى الولايات المتحدة في المشروع أداة لتعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم الشراكات الاقتصادية التي نشأت خلال السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط.
إلا أن المشروع واجه تحديات كبيرة بعد فترة قصيرة من الإعلان عنه. فقد أدت الحرب في غزة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تبعها من توترات إقليمية إلى إبطاء مسار تنفيذه، خصوصاً أن نجاحه كان يرتبط بدرجة كبيرة بتحسن العلاقات بين عدد من الدول المشاركة. كما ساهمت الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر في زيادة الشكوك حول الجدول الزمني لتنفيذ المشروع.
ورغم هذه العقبات، ما يزال الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي يحظى باهتمام واسع من الدول الموقعة عليه، التي تنظر إليه باعتباره مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد يمكن أن يعيد رسم خريطة التجارة العالمية ويعزز مكانة الخليج كمركز لوجستي عالمي، في وقت تسعى فيه الهند وأوروبا إلى بناء روابط اقتصادية أكثر عمقاً واستقراراً في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى الاقتصادية.
#الهند