09/07/2026
هل ما زال للوفاء مكان في هذا الزمن؟
بقلم: سيدة النور حسن
في زمنٍ تتسارع فيه المصالح، وتتبدّل فيه العلاقات بسرعةٍ مذهلة، يطرح كثيرون سؤالًا مؤلمًا: هل ما زال للوفاء مكان في هذا الزمن؟ أم أنه أصبح قيمة نادرة، لا نجدها إلا في الذكريات والقصص القديمة؟
الوفاء ليس مجرد كلمة تُقال، ولا وعد يُكتب، بل هو موقف يُختبر عندما تتغير الظروف، وتتبدل الأحوال، وتغيب المصالح. فالإنسان الوفي هو من يبقى حاضرًا حين يختفي الجميع، ويثبت حين يتغير الآخرون، ويحفظ الود حتى وإن فرّقت بينه وبين من يحب الأيام والمسافات.
لكن واقعنا اليوم يكشف عن تغيرات كبيرة في طبيعة العلاقات الإنسانية. فقد أصبحت بعض الصداقات مرتبطة بالمصلحة، وبعض العلاقات تُقاس بحجم المنفعة، فإذا انتهت المصلحة انتهت العلاقة، وكأن سنوات المحبة والوقوف إلى جانب بعضنا البعض لم تكن يومًا ذات قيمة.
ورغم ذلك، لا يمكن أن نعمم هذا الحكم على الجميع. فما زال هناك أوفياء يحملون قلوبًا صادقة، يحفظون العشرة، ويقفون مع من أحبوا في أوقات الشدة قبل الرخاء. هؤلاء قد يكونون أقل عددًا، لكن وجودهم يمنح الأمل بأن الوفاء لم يمت، وإنما أصبح عملة نادرة تستحق التقدير.
إن الوفاء يبدأ من الأسرة، ثم يمتد إلى الصداقة، والعمل، والجيرة، والوطن. فالمجتمعات لا تبنى بالمال وحده، بل تبنى بالثقة والصدق والإخلاص والالتزام بالعهود. وعندما تغيب هذه القيم، تضعف الروابط الاجتماعية ويزداد الشعور بالغربة، حتى بين أقرب الناس.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت، في بعض الأحيان، في جعل العلاقات أكثر سرعة وأقل عمقًا؛ فأصبح من السهل التعارف، ومن الأسهل الانسحاب دون تفسير أو اعتذار. لذلك أصبح الحفاظ على العلاقات الصادقة يحتاج إلى وعي، وصبر، وإرادة حقيقية.
ويبقى السؤال الأهم: هل المشكلة في الزمن أم في البشر؟ فالزمن لا يصنع الأخلاق، وإنما يكشفها. والوفاء لا يرتبط بعصر معين، بل يرتبط بتربية الإنسان ومبادئه وضميره. فمن تربى على حفظ الجميل، واحترام العشرة، ورد المعروف، سيظل وفيًا مهما تغيرت الظروف.
ختامًا، سيبقى الوفاء من أجمل الصفات الإنسانية، لأنه يمنح العلاقات معناها الحقيقي، ويجعل الإنسان يُذكر بالخير حتى بعد غيابه. فلنحرص أن نكون من الذين يتركون أثرًا طيبًا في قلوب الآخرين، فالأيام تمضي، والمواقف تبقى، والناس لا تتذكر كثرة الكلام، بل تتذكر من كان وفيًا حين احتاجته.
فالوفاء لا يموت... لكنه يبحث دائمًا عن قلوب تعرف قيمته
بقلم✍️ سيدة النور حسن