09/06/2026
الفاتح أحمد العبيد.. سيرة القيادة الإنسانية والعمل المؤسسي
تظل المؤسسات الناجحة شاهدة على رجال تركوا بصماتهم في الناس قبل أن يتركوها في السجلات والتقارير ومن بين هؤلاء الراحل المقيم الفاتح أحمد العبيد المدير السابق للإدارة العامة للثقافة والإعلام بولاية القضارف الذي ارتبط اسمه بمرحلة اتسمت بالحيوية والعطاء والعمل المؤسسي واستطاع أن يقدم نموذجاً مميزاً للقيادة القائمة على تمكين العاملين وإشراكهم في تحمل المسؤولية وصناعة القرار
لقد أدرك الراحل أن نجاح أي مؤسسة لا تصنعه اللوائح وحدها وإنما تصنعه العقول المؤمنة برسالتها والقلوب المخلصة لأهدافها ولذلك حرص منذ توليه المسؤولية على بناء بيئة عمل تقوم على الثقة والاحترام المتبادل والتعاون بين العاملين مستلهماً في ذلك قول الله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وقوله سبحانه ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾
ولم يكن الفاتح أحمد العبيد من القيادات التي تحتكر القرار أو تنفرد بالرأي بل كان يؤمن بأن نجاح العمل المؤسسي يقوم على المشاركة والاستماع إلى مختلف وجهات النظر لذلك جعل من التشاور والحوار منهجاً ثابتاً في إدارة العمل الثقافي والإعلامي الأمر الذي عزز روح الانتماء والمسؤولية لدى العاملين وجعلهم شركاء حقيقيين في الإنجاز
ومن أبرز ملامح شخصيته الإدارية والإنسانية اتباعه للنهج الأبوي في التعامل مع العاملين فقد كان قريباً منهم في تفاصيل حياتهم المهنية والاجتماعية يتابع أحوالهم ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم ويوجههم بحكمة الناصح وحنان الأب حتى أصبحت الإدارة بالنسبة للكثيرين أسرة مهنية متماسكة أكثر منها مجرد مؤسسة حكومية وقد جسد في ذلك قول الله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
كما آمن الراحل بأهمية اكتشاف الكفاءات ومنحها الفرصة لإثبات قدراتها ففتح الأبواب أمام الشباب وشجع المبادرات الإبداعية وأسند المسؤوليات لمن يملك الكفاءة والأمانة انطلاقاً من قوله تعالى ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وقد أثمر هذا النهج في تخريج أجيال من الإعلاميين والعاملين الذين حملوا الراية من بعده واستفادوا من خبراته وتجربته
وكان يؤمن بأن العمل الجماعي هو الطريق الأقصر نحو النجاح فحرص على ترسيخ ثقافة التعاون وتبادل الخبرات والمعلومات بين العاملين مصداقاً لقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ولذلك لم يكن ما تحقق من إنجازات خلال فترة إدارته ثمرة جهود فردية وإنما حصيلة عمل جماعي شاركت فيه جميع مكونات المؤسسة
وبفضل هذه الرؤية الإنسانية والإدارية المتوازنة استطاع أن يرسخ نموذجاً قيادياً جمع بين الحزم والرحمة وبين المهنية العالية والعلاقات الإنسانية الرفيعة فحظي باحترام العاملين ومحبة المجتمع الثقافي والإعلامي داخل الولاية وخارجها
وبعد سنوات طويلة من البذل والعطاء بلغ الفاتح أحمد العبيد سن المعاش مترجلاً عن موقعه الرسمي بعد أن أدى رسالته بكل إخلاص وأمانة غير أن التقاعد لم يكن نهاية حضوره في الوجدان العام فقد ظل اسمه حاضراً في ذاكرة زملائه وتلاميذه واستمرت آثاره المهنية والإنسانية شاهدة على مرحلة من العطاء الصادق
ثم جاءت إرادة الله التي لا راد لقضائها فرحل عن هذه الدنيا تاركاً خلفه سيرة طيبة وإرثاً من القيم والمواقف النبيلة وقد صدق الله العظيم إذ يقول ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ويقول سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
وإذا كانت المناصب تنتهي بانتهاء التكليف فإن الأثر الجميل يبقى حياً في النفوس وتظل الأعمال الصالحة عنواناً لأصحابها وقد كان الفاتح أحمد العبيد واحداً من أولئك الرجال الذين اختاروا أن يتركوا بصماتهم في الإنسان قبل المكان وفي القيم قبل المواقع فاستحقوا أن يظل ذكرهم حاضراً بعد الرحيل
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته وأن يجعل ما قدمه لوطنه ومجتمعه في ميزان حسناته وأن يكرم نزله ويوسع مدخله ويجعله من أهل قوله تعالى
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾