08/03/2026
لقاء بعد عشرٍ
( فُتِح باب المقهى ، ودخل رجل ثلاثيني العمر ، يرتدي رداء الأطباء ، يتجه نحو طاولةٍ يحتسي على ظهرها كوباً من سواد حظهِ ، مخلوطاً بماء مغلي قد تصبب من عينيه ، مُضافاً إليه قِرفَةً لاحقته طوال فترة حياته . وقف عند طاولة تجلس عليها فتاة ثلاثينية ، طويلة الشعر ، نحيفة الجسد ، ناعسة العينين )
هو : هل يمكنني الجلوس ؟
(تنظر إليه) وتقول : إجلس
(يجلس الرجل وهو يحدق في عينيها وتبدو علامات الذهول عليه )
هي : هل هناك شئ ؟
هو : هذه أول كلمة تنطقين بها لي بعد عشر سنوات منذ ذلك الوقت!!
هي : أنا آسفة ، ولكن هل قُلت تَحدث؟ قُلت إجلس واشرب قهوتك السوداء ذات الثلاث ملاعق ونصف ، المخلوطة بالقرفة في فنجان صغير ثم غادر…
هو : ما الذي حدث معك بعد كل هذا الوقت ؟
(تنظر إليه بازدراء ) وتقول :
هه ، بعد عشر سنوات ، وثلاثة أيام وثماني ساعات تأتي وتسأل هذا السؤال ؟ لا وهل تتوقع إجابة؟!
(ينظر إليها باستغراب) :
أنا آسف ، ولكن هل نسيتي أنك من أخبرتني أنني حقير ، وخبيث ، ولا أصلح لعلاقة أبداً ؟
ألستِ من تركتيني في تلك العِتمة وحيداً من دون التفكير في الأشياء التي فعلتها من أجلكِ؟!
(تبدأ الدموع تتساقط من عينيها ) :
ألست من دللتني ؟
ألست من أخبرتني أنك لن تتركني مهما فعلتُ ؟
ألست من أمسكت بيدي في تلك الحديقة وعاهدتني أنك لن تكون إلا معي ؟
ألست من جعلتني متغرطسة على الجميع حتى عليك ، وأخبرتني أنني على حق؟
(يضع يده على خده )
هي :
في ذلك اليوم ، انتظرتُ رسالتك ، انتظرت مكالمتك ، انتظرت أن أسمع أي شئ منك ،
أنسيتَ أنك أخبرتني أنني ابنتُك؟ أنّ الأب قد يغضب من ابنته ، ولكنها تظل منه ،
حتى عندما أخبرتني صديقتي أنك قد أصبحت تُجالس غيري ، لم أُصدق حتى رأيتها تبتسم عند رؤيتك ، لماذا ؟!
هو :
لماذا لم تُفكري للحظة واحدة في ما قُلتِه لي ؟
لماذا لم تعتذري ولو حتى بالإشارة حتى أجد لكِ العُذر ؟
لماذا لم تُخبريني أن تلك السكين المزروعة في صدري هي مُجرد إبرة وأنا أُضخِم المواضيع وقتها ، لما……
( ماما ، أنا جائعة )
(تأتي طفلة في الخامسة، من دورة المياه وتتجه نحو الفتاة )
(ينهض هو من الطاولة )
هي : انتظر دعني أُخبرك ، ما الذي حدث وقتها …
هو :
عزيزتي ، قد أكون جرحت مشاعرك وقتها ، ولكني لم أنسى الوعود التي أخبرتك بها ،
لم أنسى أنني اخبرتك أنني أريد فتيات لا صبيان ،
لم أنسى أن زواجنا سيكون عندما نبلغ الخامسة والثلاثين معاً ،
لم أنسى أنني اخبرتك أنني سأتزوجك حتى ولو كُنت في الثمانين ،
ولكن يبدو أنك قد نسيتي ….
لم أندم على حُبي لك ،
ولكن ندمت على حُسن الظن بك ،
فلا يوجد أسوأ من لِقاء بعد عشر .