09/01/2026
فقدٌ بحجم مدينة
لم يكن الرحيل هذه المرة حدثًا عابرًا تُجفَّفُ الدموع بعده وتمضي الأيام، بل وجعًا ثقيلًا نزل على القلوب دفعةً ، حتى خُيِّل إلينا أن شيئًا من روح الكاملين قد انكسر. برحيل الشيخ الدكتور جابر حامد حسين، غاب وجهٌ من وجوه الطمأنينة، وسكت صوتٌ كان للحق مأوى، وللناس سكينة، وفي غيابه اتّسع الصمت حتى صار أثقل من الكلام.
كان الإمام الذي ألفته المساجد كما تألف الأرض المطر، والخطيب الذي التصقت به خُطب الجمعة وخُطب الأعياد، حتى غدت تلك المناسبات لا تُستعاد إلا بنبرته، ولا تكتمل إلا بحضوره. وفي فضاءات الكاملين، ظلّت بحّة صوته المرتّل لكتاب الله جزءًا من الذاكرة والوجدان؛ صوتٌ إذا تلا سكنت الساحات، وخشعت القلوب، و امتلأت الأرواح صفاءً وطمأنينة.
كان خطيبًا مفوّهًا، صادق الكلمة، يقول الحق في زمنٍ كانت فيه كلمة الحق عبئًا لا يحتمله إلا الشجعان. لم تُرهبه المواقف، ولم تُبدّل بوصلته، فكان المنبر عنده عهدًا لا يُنقض، والكلمة أمانة لا تُساوَم.
ومعلّمًا كان ، وفيًّا لرسالته، مجوّدًا لمهنته، يحمل العلم بتواضع العالمين، وينثره حيثما حلّ، داخل السودان وخارجه، فترك في العقول أثرًا، وفي النفوس امتنانًا، وفي السيرة ذكرًا حسنًا لا يخبو.
و في المجتمع، كان رجل حضورٍ ومسؤولية، يرى في الدين حياةً تُعاش، وخدمةً تُؤدّى، ورسالةً تتجاوز القول إلى الفعل، فبذل كثيرًا، بصمتٍ كريم، دون انتظار جزاء.
اليوم، يثقل الصمتُ المنابر، وتفتقد المدينة صوتًا كانت تهتدي به في عتمتها، ويشعر القلب أن الفقد أكبر من الكلمات. غير أن العزاء أنّ من عاش للحق لا يغيب، وأنّ الأثر الصالح يبقى شاهدًا حين يغيب الجسد.
اللهم ارحم الشيخ الدكتور جابر حامد حسين رحمةً تليق بصدق نيته ونقاء سريرته، واغفر له، ونوّر قبره، واجعل القرآن أنيسه وشفيعه، وارفع درجته في عليين، واجعل ما قاله وعلّمه وعمله نورًا متصلًا إلى يوم الدين.
اللهم اربط على قلوب أهله وتلاميذه ومحبيه، وألهمهم الصبر الجميل.
(إنّا لله و إنّا إليه راجعون)
رحل الجسد… وبقي الأثر،
وسكن الصوت… وبقي صداه حيًّا في الوجدان