12/04/2026
إشكالية التزكية والمحسوبية في الإدارة العامة السورية
في أدبيات للدولة، تُقدَّم #البيروقراطية القائمة على السلطة القانونية العقلانية وفق نموذج الألماني Max Weber بوصفها نظامًا عقلانيًا يقوم على الجدارة والحياد والالتزام بالقواعد الرسمية، بحيث تُبنى القرارات الإدارية على معايير موضوعية لا تتأثر بالعلاقات الشخصية أو الضغوط غير الرسمية.
غير أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة في السياق السوري، حيث تداخلت العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر عقود لتُنتج بيئة إدارية تتسم بضعف المؤسسية وتغوّل العلاقات غير الرسمية.
في مثل هذا السياق، برزت #الواسطة و #المحسوبية بوصفهما آليتين شائعتين للتأثير على التوظيف والترقية وتوزيع الموارد، ما أدى إلى إضعاف مبدأ تكافؤ الفرص وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، فضلًا عن تكريس أنماط من الزبائنية التي تُعيد إنتاج ذاتها داخل الجهاز الإداري.
في المقابل، يظهر مفهوم #التزكية أو #المرجعية المهنية كأداة تبدو في ظاهرها قريبة من هذه الممارسات، لكنها تختلف عنها من حيث الوظيفة والشرعية. فالتزكية، في أصلها، إجراء مهني مشروع يُستخدم للتحقق من كفاءة المرشح وسلوكه الوظيفي من خلال شخص لديه معرفة مباشرة بأدائه، كمدير سابق أو مشرف أكاديمي.
وهي بذلك تمثل أداة تقييم نوعي تُكمّل أدوات الاختيار الأخرى، مثل الشهادات والخبرات والاختبارات، ولا يُفترض أن تكون بديلًا عنها. غير أن خصوصية السياق السوري، حيث تتراجع ثقة الأفراد بالإجراءات الرسمية وتضعف آليات المساءلة، تجعل من التزكية مجالًا قابلًا لإعادة التوظيف خارج إطارها المهني، بحيث تتحول من أداة معلوماتية إلى وسيلة تأثير غير مباشر على القرار الإداري.
تتجلى الإشكالية بوضوح في الحدود الفاصلة بين التزكية والواسطة، وهي حدود تصبح ضبابية عندما تُستخدم التزكية لتجاوز المعايير أو للضغط على متخذ القرار. ففي كثير من الحالات، لا تُقدَّم التزكية بوصفها رأيًا مهنيًا محايدًا، بل كرسالة ضمنية مدعومة بعلاقات أو نفوذ، ما يضعف استقلالية القرار الإداري. وفي هذه الحالة، تفقد التزكية وظيفتها الأصلية وتتحول إلى شكل مقنّع من الواسطة، حتى وإن احتفظت بمظهرها الرسمي.
هذا التداخل لا يعكس فقط خللًا في الإجراءات، بل يشير إلى مشكلة أعمق تتعلق بثقافة إدارية تُعيد إنتاج الولاءات الشخصية على حساب المعايير المؤسسية. وبناءً على ذلك، لا يمكن تصنيف التزكية بحد ذاتها كأحد عيوب البيروقراطية في الإدارة العامة السورية، بل يتوقف تقييمها على كيفية توظيفها ضمن العملية الإدارية. فإذا أُدرجت ضمن إطار شفاف ومحدد المعايير، يمكن أن تسهم في تعزيز جودة القرار الإداري، أما إذا استُخدمت لتقويض مبدأ الجدارة، فإنها تتحول إلى أحد مظاهر الفساد الإداري، شأنها في ذلك شأن الواسطة والمحسوبية، وهو ما يفرض ضرورة إعادة بناء قواعد الحوكمة بما يضمن الفصل الواضح بين التزكية كجزء من التقييم المهني والمحسوبية كجزء من التأثير غير المشروع.